ليست الجثة في
رواية "الجثة"
للكاتب
التونسي فتحي الرحماني مجرد بقايا جسد انتهت رحلته في الحياة، بل تبدو،
انطلاقا من الفكرة المركزية التي تقوم عليها الرواية، استعارة مكثفة لإنسان لم يحظ
بالاعتراف وهو حي، ولم يستعد حضوره إلا بعد أن فقد القدرة على الكلام والاحتجاج.
فمن خلال انتقال البطل من موقع الإنسان المهمش إلى موقع الجثة المجهولة على طاولة
التشريح، ينفتح السرد على مفارقة وجودية وأخلاقية: كيف يمكن لمجتمع أن يتجاهل
الإنسان حيا، ثم يتعامل مع جسده بعد موته باعتباره موضوعا للفحص والتصنيف
والإجراء؟
بهذا المعنى، لا يستمد عنوان الرواية دلالته
من صدمته المباشرة فحسب، وإنما من قدرته على اختزال علاقة مضطربة بين الإنسان
والعالم الذي يعيش فيه. فالجثة هنا ليست نهاية بيولوجية وحسب، بل صورة لإنسان جرى
إقصاؤه رمزيا قبل أن يختفي جسديا؛ وكأن الموت لا يفعل سوى أن يكشف ما كان المجتمع
قد أنجزه بصمت في حياة صاحبه.
من الإنسان إلى الشيء
تتأسس المفارقة الأساسية في الرواية على
انقلاب موقع الشخصية: من ذات لها تاريخ وتجربة ومشاعر، إلى جسد مجهول تتعامل معه
المؤسسة وفق مقتضياتها وإجراءاتها. وهذا التحول يفتح بابا لقراءة نقدية تتصل بما
يحدث للإنسان حين يفقد اسمه ومكانته وقدرته على رواية قصته بنفسه.
فالاسم ليس مجرد علامة للتعريف، بل أحد شروط
الاعتراف الاجتماعي بالوجود. وحين يصبح الإنسان مجهولا، لا يغيب اسمه وحده، بل
تتعرض سيرته لاحتمال المحو، ويغدو جسده قابلا لأن يُقرأ بمعزل عن الحياة التي
عاشها والظروف التي أحاطت به.
هنا تكتسب الجثة دلالتها الرمزية: إنها
الجسد الذي بقي بعد أن اختفى صاحبه من مجال الاعتراف. ومن خلال هذه الصورة، يمكن
قراءة الرواية بوصفها مساءلة لمجتمع يوزع حضوره واهتمامه على نحو غير متكافئ،
فيمنح بعض أفراده القدرة على الظهور والتأثير، فيما يترك آخرين على هامش الحياة،
بلا صوت أو ذاكرة أو مكان واضح في الحكاية الجماعية.
إن السؤال الذي تطرحه هذه المفارقة ليس ما
الذي حدث لهذا الإنسان بعد موته فحسب، بل ما الذي حدث له قبل ذلك حتى انتهى إلى
هذه الدرجة من الغياب؟ وبذلك يتحول الجسد من موضوع للتشريح إلى مدخل لتشريح
العلاقات الاجتماعية التي تنتج التهميش وتطبع معه.
سلطة المؤسسة وحدود الاعتراف
يتيح فضاء طاولة التشريح قراءة أخرى تتعلق
بسلطة المؤسسة الحديثة، وقدرتها على تحويل الإنسان إلى ملف أو حالة أو موضوع
للمعرفة. فالمؤسسة، في صورتها الإجرائية، لا تحتاج إلى معرفة سيرة الشخص كاملة كي
تتعامل مع جسده؛ يكفي أن تصنفه ضمن فئة محددة، وأن تمنحه رقما أو وصفا يسمح
بإدراجه في نظام العمل.
غير أن ما يبدو ضروريا من الناحية العملية
قد يحمل، على المستوى الرمزي، مفارقة قاسية: يصبح الجسد قابلا للفحص، بينما تظل
الحياة التي عاشها صاحبه خارج دائرة الاهتمام. وقد تعرف المؤسسة أسباب الوفاة،
لكنها لا تعرف بالضرورة أسباب العزلة؛ وقد تفحص آثار الموت، لكنها لا تملك وحدها
تفسير الظروف الاجتماعية التي جعلت صاحب الجثة مجهولا.
ومن هنا، لا ينبغي اختزال الدلالة في إدانة
المؤسسة الطبية أو التشريحية في ذاتها، فالتشريح قد يكون ضرورة معرفية وقانونية،
وإنما في مساءلة النظرة التي تختزل الإنسان في الجانب الذي تستطيع المؤسسة قياسه
أو تصنيفه. فالمشكلة لا تكمن في فحص الجسد، بل في أن يصبح الجسد كل ما تبقى من
صاحبه في نظر العالم.
بهذا المعنى، تتجاوز الرواية حدود الحكاية
الفردية لتلامس سؤالا ثقافيا أوسع: هل تكفي المعرفة الإجرائية لفهم الإنسان، أم أن
وراء كل حالة تاريخا اجتماعيا ووجوديا لا يمكن اختزاله في النتائج والتقارير؟
التهميش بوصفه موتا مؤجلا
تتصل هذه القراءة بمفهوم التهميش، لا
باعتباره فقرا ماديا فحسب، وإنما بوصفه حرمانا من الاعتراف والمشاركة والقدرة على
التأثير في العالم المحيط. فالإنسان قد يكون موجودا جسديا بين الآخرين، لكنه يظل
غائبا عن حساباتهم، لا يثير اختفاؤه انتباها ولا يترك غيابه فراغا يطالب أحد بملئه.
ومن هنا تنشأ قوة المفارقة التي يحملها
عنوان "الجثة": إن الموت الذي يصيب الجسد قد يكون خاتمة لموت اجتماعي
بدأ قبل ذلك بوقت طويل. فالتجاهل المستمر، وغياب الروابط التي تحفظ للإنسان
مكانته، وانقطاع الصلة بين الفرد والجماعة، كلها عوامل تجعل الوجود مهددا بالمحو
حتى قبل النهاية البيولوجية.
لكن هذه الدلالة لا تقتصر على الشخصية
الروائية، بل تمتد إلى طريقة تعامل المجتمعات مع الفئات التي لا تمتلك أدوات
التعبير عن نفسها. فالمهمش لا يعاني فقط من نقص الموارد أو الفرص، وإنما قد يعاني
أيضا من نقص الشهود؛ أي من غياب من يروي قصته، ويمنح تجربته معنى في الذاكرة
العامة.
وعندما تتحول الجثة إلى مركز الحكاية، يصبح
الأدب نفسه نوعا من استعادة الشهادة المفقودة. إنه يمنح من غابوا عن السرد
الاجتماعي حضورا رمزيا، ويعيد إلى الصمت قدرة على إثارة الأسئلة.
العبث الوجودي.. من يملك معنى الحياة؟
تفتح الرواية، من خلال هذه البنية، أفقا
فلسفيا يتصل بعبثية الوجود وهشاشة المعنى. فحياة الإنسان، مهما كانت غنية بتجاربها
الداخلية، قد تنتهي إلى جسد لا يعرف أحد صاحبه، وكأن المسافة بين السيرة والعدم
أقصر مما توحي به تصوراتنا عن الأهمية والمكانة والخلود.
غير أن العبث هنا لا يلزم أن يُفهم بوصفه
إنكارا لمعنى الحياة، بل باعتباره كشفا عن هشاشة المعاني التي يصنعها المجتمع
ويمنحها للأفراد. فالاسم والمكانة والسمعة ليست حقائق أبدية، وإنما عناصر تتشكل
داخل علاقات اجتماعية قابلة للتغير والانهيار.
ومن هذه الزاوية، تصبح الجثة مرآة تضع
الأحياء أمام سؤالهم الخاص: ما الذي يجعل حياة ما جديرة بأن تُروى، فيما تمر حياة
أخرى من دون أن يلتفت إليها أحد؟ وهل تنبع قيمة الإنسان من الاعتراف الذي يمنحه
الآخرون، أم من وجوده ذاته، حتى عندما يعجز المجتمع عن رؤية هذه القيمة؟
لا تقدم هذه الأسئلة إجابات سهلة، لكنها
تمنح الرواية إمكان تجاوز الواقعة المباشرة إلى التأمل في حدود العدالة
الاجتماعية، وفي مسؤولية الأحياء عن أولئك الذين يعيشون بينهم من دون أن يجدوا
مكانا حقيقيا في عالمهم.
الأدب في مواجهة المحو
تتجلى إحدى إمكانات رواية «الجثة» في تحويل
موضوع يبدو مغلقا ونهائيا إلى بداية لسؤال مفتوح. فالجثة، في الواقع، علامة على
نهاية الحياة، لكنها في السرد قد تصبح بداية الكشف عن حياة لم تُروَ بما يكفي، وعن
مجتمع لم ينتبه إلى ما كان يجري في أطرافه.
وهنا تتحدد وظيفة الأدب النقدية: ليس في
إصدار الأحكام الأخلاقية المباشرة، بل في جعل ما اعتدنا تجاهله مرئيا، وما تعاملنا
معه باعتباره أمرا عاديا موضعا للتساؤل. فالرواية التي تنطلق من جسد مجهول تستطيع
أن تعيد توجيه النظر من الموت إلى شروط الحياة، ومن النهاية الفردية إلى البنى
التي تحيط بالأفراد وتحدد فرصهم في الظهور والاعتراف.
ومع ذلك، تظل القيمة الفنية لهذا الاشتغال
مرتبطة بكيفية تجسيده داخل البناء الروائي: باللغة، وتطور الشخصية، وإيقاع السرد،
وتوزيع الأصوات، وقدرة الرمز على إنتاج معان متعددة من دون أن يتحول إلى فكرة
جاهزة. فالموضوع الفلسفي، مهما كانت أهميته، لا يعوض وحده عن البناء الفني، مثلما
أن الرسالة الاجتماعية لا تكفي لضمان نجاح العمل الأدبي. والحكم التفصيلي على هذه
العناصر يحتاج إلى قراءة النص الكامل، لا إلى الاكتفاء بفكرته المركزية.
الجثة التي تتهم الأحياء
في أفقها الدلالي، تضعنا رواية
"الجثة" لفتحي الرحماني أمام مفارقة موجعة: قد يموت الإنسان مرة حين
يتوقف جسده عن الحياة، لكنه يكون قد بدأ موته الآخر عندما يفقد مكانه في ذاكرة
الآخرين واهتمامهم.
ومن خلال صورة الجثة المجهولة، تبرز أسئلة
التهميش وسلطة المؤسسات وعبثية الوجود، لا بوصفها موضوعات منفصلة، بل باعتبارها
وجوها لعلاقة واحدة مضطربة بين الفرد والمجتمع. فالإنسان الذي لا يجد من يعترف به
حيا قد يتحول بعد موته إلى دليل على عجز الجماعة عن حماية أبسط شروط الكرامة
الإنسانية.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا الذي تتركه هذه
القراءة ليس كيف انتهى البطل إلى طاولة التشريح، بل كيف استطاع أن يعيش خارج مجال
الرؤية إلى أن صار موته هو الوسيلة الأخيرة لظهوره.
عند هذه النقطة، تتحول الجثة من موضوع للفحص
إلى اتهام رمزي للأحياء؛ لا لأنها تكشف سر الموت وحده، بل لأنها تضع أمامهم
مسؤولية الاعتراف بالإنسان قبل أن يصبح الاعتراف به مستحيلا. فالمجتمع الذي لا يرى
المهمشين في حياتهم قد لا يكتشف حجم خسارته إلا عندما لا يبقى منهم سوى جسد ينتظر
من يعرف اسمه.