ترامب بطّة عرجاء

إبراهيم عفيفي
"بات تلقي أموال أيباك يشكّل عبئاً انتخابياً ووصمة عار سياسية"- جيتي
"بات تلقي أموال أيباك يشكّل عبئاً انتخابياً ووصمة عار سياسية"- جيتي
شارك الخبر

تخطئ القراءات المتسرعة للمشهد السياسي الأمريكي حين تقف عند حدود الأرقام الآنية أو تختزل التحولات الجارية في واشنطن بوصفها مجرد تداول تقليدي للسلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ فخلف التقلبات الانتخابية الحادة يعتمل يحدث بنيوي نسبي، لكنه واعد وعميق على المدى المتوسط والبعيد، حيث يعيد تشكيل العلاقة بين المال السياسي والشارع الأمريكي، ويكشف كيف تتقاطع فاتورة المستهلك اليومية مع كلفة الحروب الممتدة في الشرق الأوسط، وصولاً إلى مأزق الصلاحيات الدستورية الذي ينتظر إدارة الرئيس دونالد ترامب في النصف الثاني من ولايته.

حين يصبح مال اللوبي وصمةً سياسية

لعقود طويلة، تعاملت النخبة السياسية في واشنطن مع أموال لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) بوصفها ختم المرور الإجباري نحو مقاعد الكونغرس، والدرع المالي الكفيل بإسقاط أي مرشح يغرّد خارج السرب الصهيوني. غير أن المشهد الأمريكي يشهد اليوم تحولاً نوعياً متصاعداً في بنية التمويل السياسي، إذ لم تعد ملايين "أيباك" قادرةً وحدها على حسم السباقات أمام صعود شبكات التمويل الشعبي المحلي الصغيرة، التي وإن بدت متواضعةً في حجمها المالي مقارنةً بخزائن اللوبي، فإنها تعبّر عن كتلة تصويتية حية وفاعلة على الأرض.

الأهم من تراجع الفاعلية المالية المباشرة للوبي هو التحول الأخلاقي في نظرة الشارع إليه، فقد بات تلقي أموال "أيباك" يشكّل عبئاً انتخابياً و"وصمة عار" سياسية تلاحق المرشحين وتُفقدهم مصداقيتهم

والأهم من تراجع الفاعلية المالية المباشرة للوبي هو التحول الأخلاقي في نظرة الشارع إليه، فقد بات تلقي أموال "أيباك" يشكّل عبئاً انتخابياً و"وصمة عار" سياسية تلاحق المرشحين وتُفقدهم مصداقيتهم، ولا سيما في أوساط الناخبين الشباب والجيل الجديد الذي لم يعد يقبل رهن القرار التشريعي الأمريكي لمصالح كيان إبادي يتغذّى على دماء الأطفال. هذا التغير في المزاج الجيلي لا يعني سقوط اللوبي بين ليلة وضحاها، لكنه يؤسس لمسار تراكمي يجعل في الارتهان لإسرائيل كلفة انتخابية باهظة على المدى المتوسط والبعيد.

المواطن الاستهلاكي: عقابٌ للجمهوريين لا شهادة براءة للديمقراطيين

لا يمكن فهم التحولات الحادة في مزاج الناخب الأمريكي بمعزل عن طبيعة المجتمع الأمريكي ذاته؛ فالمواطن الأمريكي في جوهره شخصٌ استهلاكي، يقيس نجاح أي إدارةٍ أو فشلها من خلال سلة مشترياته اليومية، وأسعار الوقود، وفوائد القروض، ومعدلات التضخم. ومن هنا، فإن القضية المركزية التي حرّكت الكتلة الأوسع من الناخبين تمثلت في موجة الغلاء وارتفاع الأسعار المتواصل في ظل الولاية الجمهورية، وما رافقها من شعور شعبي متنامٍ بأن الإدارة الجمهورية انشغلت بالمغامرات العسكرية والحروب المستمرة في الشرق الأوسط على حساب الاقتصاد ومعيشة المواطن.

وبهذا المعنى، فإن التحول السلبي للشارع الأمريكي ضد المعسكر الجمهوري لا يُقرأ بوصفه انعكاساً لقوة ذاتية يتمتع بها الحزب الديمقراطي، فالديمقراطيون أنفسهم لا يزالون يعانون من تصدعات تنظيمية وأزمات هيكلية وأخلاقية عميقة منذ تورط إدارتهم السابقة في رعاية حرب الإبادة على قطاع غزة، وما أحدثته تلك الحرب من شرخٍ غائر بين قيادة الحزب وقواعده الشبابية التقدمية. لذا فإن ما يجري في الجوهر هو "تصويت عقابي" ضد السياسات الجمهورية وضد فاتورة الحروب الخارجية والغلاء الداخلي، أكثر مما هو تفويض على بياض للحزب الديمقراطي.

مغالطة الفيتو المطلق ومأزق العامين الأخيرين من ولاية ترامب
ما يجري في الجوهر هو "تصويت عقابي" ضد السياسات الجمهورية وضد فاتورة الحروب الخارجية والغلاء الداخلي، أكثر مما هو تفويض على بياض للحزب الديمقراطي

في مقابل هذه التحولات، يروّج خطاب الرئيس ترامب وأنصاره لفكرة مفادها أن البيت الأبيض قادر على تعطيل أي مسار تشريعي معارض في الكونغرس بسهولة عبر التلويح بسلاح "حق النقض" (Veto)، وهي سرديةٌ تنطوي على مغالطات دستورية وسياسية كبيرة ينبغي للمتابع العربي التنبّه إليها.

فوفقاً للمادة الأولى (الفقرة السابعة) من الدستور الأمريكي، لا يُعدّ "الفيتو" الرئاسي قفلاً يغلق الباب أمام التشريع؛ إذ يمنح الدستورُ الكونغرسَ صلاحية إعادة طرح مشروع القانون ذاته للتصويت مجدداً عقب نقضه من الرئيس، فإذا نجح الكونغرس في إقراره بأغلبية الثلثين في مجلسيه، يمرّ القانون حكماً ويدخل حيّز النفاذ فوراً دون حاجة لتوقيع الرئيس، ولا يحق للرئيس دستورياً استخدام الفيتو ضده مرة أخرى.

وحتى خارج حالات كسر الفيتو المباشر، يمتلك الكونغرس في النظام الدستوري الأمريكي ما يُعرف بـ"سلطة المحفظة المالية" (Power of the Purse)؛ وهي القدرة على تقييد الميزانيات الفيدرالية ومخصصات وزارة الدفاع وربطها بشروط تشريعية ملزمة لا يستطيع الرئيس رفضها دون شلّ الإدارة الفيدرالية برمتها، فضلاً عن تفعيل لجان التحقيق والمساءلة واستهداف أركان الإدارة التنفيذية. وعليه، فإن قدرة ترامب وهامشه للحركة في النصف الثاني من ولايته سيتقلصان إلى حدّ كبير، ما ينذر بمواجهات مؤسسية وأحداث دراماتيكية غير مسبوقة داخل واشنطن خلال العامين المتبقيين من عهده.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)