الحج إلى بيت
الله الحرام من أشهر شعائر الإسلام، وسميت به سورة في القرآن الكريم جاء فيها: "ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج: 32).
والشعيرة في
اللغة العربية تعني: العلامة الظاهرة التي يُعرَف بها الشيء ويُستدل بها عليه. وهي مأخوذة من مادة "شَعَرَ"، أي عَلِمَ
وأحسَّ، وكل بلد الآن له علم وشعار.
أما الشعيرة
في الاصطلاح الشرعي فهي: ما جعله
الله تعالى علامةً ظاهرةً على دينه وعبادته وتعظيمه، مما يُتعبَّد به أو يُظهر الانتماء
إلى الإسلام. وقد تكون الشعيرة من السنن
كالأذان والأضحية، أو من الفرائض كالحج والحجاب.
وتأتي الشعائر
الإسلامية في مقدمة ما تشن عليه الحروب العدائية، وهي غرض مباشر لأصحاب السهام، ممن
له غرض، أو كان في قلبه مرض. وبالاستقراء يأتي
الحجاب في أول ما تثار حوله الزوابع،
وتشن عليه المعارك من جملة الشعائر الإسلامية، لأنه يحقق لهم أكثر من هدف بعد استهداف
الهوية، في أبواب نشر السفور، وشيوع الفاحشة، وتفسخ المجتمع.
كشف السوءة
ونزع الستر أول ما حل بأبي البشر آدم وزوجه حواء عليهما السلام بعد مخالفة أمر الله:
"فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا
مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ
فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (طه: 122).
وفي كلمة الوحي
الأخيرة لأهل الأرض، جاء الحديث عن الحجاب بلغة الفرض، وبدأ بزوجات النبي ﷺ وبناته
ثم سائر نساء المؤمنين: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ
وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ
أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (الأحزاب: 59).
ومع قضاء الله
وبلاغ رسوله ليس للعبد إلا الإذعان والتسليم: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً" (الأحزاب/
36).
ومن جملة خصائص
أمهات المؤمنين وُجه لهن خطاب خاص (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ
مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ
لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ
أَبَداً ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً". (الأحزاب: 53)
وكما تقرر
أن حجاب المرأة المسلمة من شعائر الإسلام، في المقابل أصبح التبرج والسفور من سمات
الجاهلية: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ
الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً" (الأحزاب: 33).
أول السهام
التي وُجهت إلى حجاب المرأة المسلمة، ظهر مبكرا في سوق بني قينقاع بالمدينة النبوية،
حيث راود بائع يهودي مسلمة على كشف وجهها فأبت، فاحتالوا لكشف شيء منها، فصرخت مستنجدة
فهبّ لها رجل من المسلمين كان في السوق، فقتل المعتدي على عرض المرأة، فاجتمع عليه
أهل السوق فقتلوه، وكان هذا سبب إجلائهم عن المدينة.
تتوالى أحداث
التاريخ، وفي كل معركة مع الإسلام وأهله، تأتي معركة الحجاب في أول الجولات، وقد سجل
المؤرخون ما فعلته الجيوش الغازية لبلاد المسلمين في العصر الحديث، تحت شعار الاستعمار،
من دمار لبنية المجتمع، واستهداف لهويته ولغته، وتتابع مكر الليل والنهار في ابتكار
وسائل لحرب الحجاب ومزاحمته بالسفور التدريجي، ومن أنفع ما كتب حول الحجاب وما يتعلق
به ما سطره د. محمد إسماعيل المقدم في كتابه "عودة الحجاب"، وكيف كانت أولى
خطوات فرض
العلمانية المتوحشة تبدأ بمحاربة الشعائر وفي مقدمتها الحجاب، سواء في فترة
ما بعد سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، أو مرحلة نزع الحجاب وحرقه في ميدان الإسماعيلية
الذي أصبح ميدان التحرير بعد ذلك، واعتبار هدى شعرواي وأمثالها من المناضلات في سبيل
تحرير المرأة، نظرا لجرأتهن على خلع الحجاب والدعوة لذلك!
ومع الوقت
تقبلت الشعوب المقهورة الثقافة الغالبة، واعتبرت الطبقة الاجتماعية الأغنى التفسخ من
علامات التحضر، وأن المظهر الغربي يضمن التمايز الاجتماعي عن طبقات الكادحين، وأصبحت
الوظائف العليا لا يصل إليها إلا صرعى الغزو الفكري وأذناب الاحتلال الثقافي، حتى وصل
الحال إلى أن وجود مذيعة محجبة في كثير من البلاد العربية من المحال، وأذكر يوم ظهور
مذيعة شهيرة في فضائية عربية بالحجاب، كيف تناقلت الخبر صحف عالمية!
وبالنظر إلى
آخر الحروب على الحجاب، تعتبر فرنسا من أكثر الدول عنصرية وتضييقا على هذا الحق، ووصل
بها الأمر إلى فرض غرامات مالية على من تمعن في الستر والاحتشام، والشعار المرفوع لذلك:
"الحجاب يخالف قيم العلمانية"، وهي اللافتة نفسها التي ترفعها أذربيجان "المسلمة"
في حربها على الحجاب، وكأن بنيان العلمانية يقوم على التعري، وأن الحجاب يقوض أركانه،
ولا أدري أي حرية تلك التي تضمن حق التعري والسفور، وتمنع حق الستر والحشمة، وما الذي
يضير حكومة أذربيجان في فتاة غطت رأسها في مدرستها، وأين الحرية الشخصية، وما يطنطن
حوله القوم في باب الحقوق والحريات؟ ولماذا جعلوا فرنسا قدوتهم في التضييق على الحرية
الدينية، في الوقت الذي حكمت فيه محاكم أوروبية بعدم جواز منع الحجاب، واعتبرته من
مصادرة
الحريات، ومن ذلك محاكم ألمانيا والدنمارك؟
وبالرجوع إلى
تركيا باعتبارها الحليف الوفي لأذربيجان، وبينهما شراكات ومشتركات متعددة، فهلا استفاد
الآذريون من تجربة الأتراك المريرة مع الحجاب، وكيف فشلت الحملات الضارية في زعزعة
المجتمع التركي عن ثوابته الدينية، وكيف كان المحافظون يبحثون لبناتهم عن بدائل للدراسة
بعيدا عن الجامعات التركية، التي كانت تمنع الحجاب وقتئذ؟ ولعل تصريح رئيس الحزب الجمهوري
كمال كليتشدار أغلو -وريث العلمانية المتوحشة- ونصيحته لحكومة أذربيجان بعدم خوض معركة
الحجاب، لهو من العجب العجاب، ولعلها لحظة صدق تحكي تجربة مريرة من الفشل.
وهذا يعطي
أهل أذربيجان مزيدا من الأمل، ويدفعهم للتمسك والعمل، وأذكرهم بالمثل التركي "من
صبر ظفر"، وعلى العلماء والمؤثرين الرباط على هذا الثغر، ومقاومة القرار الجائر،
والتمسك بحقوق بناتهم والحفاظ على دينهم، فإن خسران معركة الحجاب سيغري بمعارك أخرى
بعدها.
"وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"
(التوبة: 71).
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.