عندما دخل وقف إطلاق النار في قطاع
غزة المدمر حيز التنفيذ في 10
تشرين الأول/أكتوبر 2025، كان "الخط الأصفر" يومها مجرد خط
انسحبت إليه قوات
الاحتلال الإسرائيلي في المرحلة الأولى من الاتفاق وترك الاحتلال في
السيطرة على نحو 53 بالمئة من القطاع، بما فيه رفح وبيت حانون.
وبعد عام
تقريبا، تتراوح التقديرات لما يقع خلف خطوط الاحتلال المصطنعة بين 58 بالمئة وقرابة 70 بالمئة، ووصف رئيس أركان جيش الاحتلال الخط بأنه "خط حدودي جديد"، وبنى على امتداده أكثر من 23 كيلومترا من الجدران الترابية، مما تحول تدريجيا إلى خط فاصل متحرك يفصل القطاع إلى شطرين، ويوسع نطاق سيطرة الاحتلال على حساب المناطق المأهولة بالفلسطينيين.
ما هو الخط الأصفر؟
يقصد بالخط الأصفر خط الانسحاب الذي وصل إليه جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وتحدده كتل إسمنتية صفراء.
ويفصل
الخط، بين أراض يسيطر عليها جيش الاحتلال ومناطق يقيم فيها
معظم السكان، وتنتشر لافتات منصوبة في المنطقة المجاورة للاحتلال تمنع
الاقتراب منها.
اظهار أخبار متعلقة
وكان الخط عند نشأته موضع
انسحاب انسحاب تكتيكي أولي بموجب شروط وقف إطلاق النار، وهو ما يجعله اليوم كخرق واضح للحدود السابقة لاتفاقية الهدنة لعام 1949 أو ما تعرف باتفاقية رودس.
كيف انتقل الخط من خطة السلام إلى واقع؟
ظهرت خريطة "الخط الأصفر" للمرة الأولى ضمن مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جاء في إطار خطة سلام متعددة المراحل لإنهاء حرب غزة.
وبموجب المرحلة الأولى من الخطة، كان يفترض أن تنسحب قوات الاحتلال إلى هذا الخط، بحيث تبقى نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع، أي قرابة 195 كيلومترا مربعا من أصل نحو 365 كيلومترا مربعا، تحت سيطرة الاحتلال في الجزء الشرقي مؤقتا، مقابل بقاء نحو 47 بالمئة، أي الجزء الغربي، تحت السيطرة
الفلسطينية.
وفي إطار الخطة نفسها، أطلقت الإدارة الأمريكية على المنطقة الواقعة شرق الخط اسم "المنطقة الخضراء"، بينما حملت المنطقة الغربية اسم "المنطقة الحمراء".
وكان الاتفاق ينص على انسحاب إسرائيلي إضافي باتجاه "خط أحمر" خلال مراحل لاحقة تخضع للمفاوضات، لكن تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة تعثر بسبب مبررات جوفاء يطلقها الاحتلال مرارا وتكرارا، ليبقى الخط الأصفر قائماً على الأرض.
ومع استمرار العمل به، بدأ جيش الاحتلال ترسيم الخط ميدانيا باستخدام كتل خرسانية مطلية باللون الأصفر، توضع كل نحو 200 متر، إلى جانب أعمدة تحذيرية وسواتر ترابية ومواقع عسكرية محصنة.
توسع السيطرة وتحرك الخط غربا
لم يظل الخط الأصفر في موقعه الأول، إذ وثقت تقارير ميدانية وتحليلات لصور الأقمار الصناعية، من بينها تقارير وهيئات أممية ومراكز بحثية، تحريك الكتل الصفراء غربا في مناطق عدة، وأحيانا لمسافات تصل إلى مئات الأمتار.
ومع نهاية عام 2025، ارتفعت نسبة المناطق الخاضعة للسيطرة أو التقييد الشديد إلى نحو 58 بالمئة، قبل أن تواصل اتساعها، إذ قدرت خرائط مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" وتقارير دولية النسبة، في منتصف 2026، بما يتراوح بين 64.9 بالمئة و70 بالمئة.
اظهار أخبار متعلقة
ويمتد مسار الخط من شمال القطاع، حيث بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، مرورا بشرق مدينة غزة ومناطق الشجاعية والتفاح والزيتون، ثم وسط القطاع، بما يشمل دير البلح والمغازي والبريج، وصولا إلى خان يونس ورفح جنوبا.
ويقتطع الخط أجزاء واسعة تقع شرق شارع صلاح الدين، في وقت يدفع فيه السكان باتجاه شريط ساحلي ضيق يتكدس فيه أكثر من مليوني فلسطيني، في ظل ظروف إنسانية قاسية.
خط برتقالي ومنطقة عازلة موازية
ولم يقتصر المشهد على الخط الأصفر، إذ ظهر أيضا ما يعرف بـ"الخط البرتقالي" أو المنطقة العازلة التي تمتد بين 200 و500 متر غربا، ويُنظر إلى أي اقتراب فلسطيني منها باعتباره خطرا محتملا، بما يعرض صاحبه لإطلاق النار.
وتشير إحصاءات وزارة الصحة في غزة إلى استشهاد عشرات المدنيين قرب الخط منذ بدء وقف إطلاق النار، ومن بينهم أطفال ونساء.
وجود عسكري يتعزز خلف الخط
وبالتوازي مع تمدد الخط، عزز جيش الاحتلال الإسرائيلي انتشاره من خلال إنشاء عشرات المواقع العسكرية المحصنة، التي تجاوز عددها 30 موقعا، ويضم بعضها بنى تحتية تتيح التمركز لفترات طويلة.
كما استمرت عمليات نسف المباني وتجريف الأراضي الزراعية خلف الخط أو بالقرب منه، بما يحول دون عودة السكان ويسهم في إفراغ المناطق الشرقية من السكان، وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، وصف رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير الخط بأنه "خط حدود جديد" و"خط دفاع أمامي وخط عمليات".
وبالنتيجة، انتقل الخط من كونه ترتيبا أمنيا مؤقتا تتبناه دولة الاحتلال إلى وسيلة لاحتلال الأرض وفرض السيطرة، من دون إعلان رسمي عن الضم.
ويطلق سكان غزة على الكتل الصفراء وصف "حدود على عجلات"، في إشارة إلى تغير موقعها، إذ يقولون إنهم قد يستيقظون ليجدوا الخط قد تقدم، ما يجبرهم على النزوح مرة أخرى.
وكان قد أفاد سكان في دير البلح وخان يونس وأحياء الزيتون والتفاح والشجاعية بمدينة غزة، بالإضافة إلى شمال رفح، لوكالة "رويترز" بأن قوات إسرائيلية قامت بتحريك أماكن العلامات الصفراء خلال الأيام العشرة الماضية، مما أدى إلى موجات نزوح جديدة في مناطق تعاني بالفعل من الدمار جراء أشهر من الصراع.
اظهار أخبار متعلقة
وذكر ما لا يقل عن سبعة أشخاص أجرت "رويترز" مقابلات معهم أن السكان في بعض المناطق المتضررة تلقوا تحذيرات عبر الرسائل النصية أو مكبرات الصوت المثبتة على طائرات مسيرة قبل أن يضطروا للمغادرة مرة أخرى.
آثار تتجاوز الميدان إلى السياسة
وأدى تمدد الخط إلى تكرار عمليات النزوح، وتكدس السكان في مناطق محدودة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فضلا عن صعوبة وصول المساعدات إلى مساحات واسعة، كما حرم الفلسطينيين من أراض زراعية ومنازل تقع شرق الخط.
وعلى المستوى السياسي، يزيد وجود الخط من تعقيد أي مفاوضات مستقبلية بشأن إعادة توحيد القطاع أو الانسحاب الكامل، ويثير مخاوف من تحوله إلى واقع تقسيم دائم يعيد تشكيل جغرافية غزة.
وبعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لم يعد "الخط الأصفر" مجرد حدود مرسومة مؤقتا على خريطة اتفاق مجلس ترامب، بل أصبح واقعا مريرا يعيشه السكان ويزداد ضيقا عليهم يوما بعد يوم.