المولد النبوي: مراحل مفصلية في حياة خير البرية ﷺ (4-5)

محمد الصغير
"بعد هزيمة الأحزاب بدأت مرحلة جديدة"- CC0
"بعد هزيمة الأحزاب بدأت مرحلة جديدة"- CC0
شارك الخبر
بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، بدأت مرحلة أطلق عليها كتاب السير "مرحلة الكفاح الدامي"، حيث شُرع الجهاد في سبيل الله مع بداية فريضة الصوم، ونزلت آيات التكليف في سورة واحدة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).

وقوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة: 216).

وفي أول رمضان صامه الصحابة جاهدوا فيه، حيث كانت عزوة بدر في السابع عشر من رمضان من العام الثاني للهجرة، ويظهر في هذه المرحلة خيط غليظ، يربط بين غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وبين خيانات قبائل اليهود التي كانت تسكن المدينة النبوية، وسنرى ذلك مع سير الأحداث.

الخامس عشر: غزوة بدر

كانت بدر البوابة الكبرى لمرحلة الكفاح الدامي، التي استمرت تسع سنوات من بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، حيث ختمت المرحلة بغزوة تبوك في العام التاسع الهجري، وبلغ مجموع الغزوات سبعا وعشرين غزوة، وعقد رسول الله ﷺ لواء ثلاث وسبعين سرية.

والغزوة ما خرج فيها النبي ﷺ بنفسه، والسرية ما عقد لواءها وخرج فيها أصحابه، وبذلك تصبح المحصلة الجهادية في السيرة النبوية مائة غزوة وسرية، في أقل من تسع سنوات سُطر فيها أروع صور البطولة والبذل في سبيل الله، ويراد لهذه الصفحة أن تطوى ولا تنشر، مع أنها من أخص ما يميز سيرة من وصف نفسه فقال: "أنا نبي الرحمة ونبي الملحمة".

وما أُلف حول غزوة بدر قديماً وحديثا أكثر من أن يحصى وسمى الله يومها يوم الفرقان: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الأنفال: 41).

وروى مالك في الموطأ مرسلا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْماً هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ".

وأعظم دروس يوم بدر ظهر مع بدايته، لأن اختيار الله لك، هو عين الخير لك، وما منعك إلا ليعطيك، حيث خرج الصحابة للقاء عير أبي سفيان، والكلفة معها هينة والغنيمة فيها عظيمة باردة، لكن الله أراد لهم لقاء النفير بقيادة أبي جهل وجيشه، فأرادوا العير وأراد الله النفير، ليحق الله الحق بكلماته.

"وإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (الأنفال: 8).

وبعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منتصرا، أظهر اليهود حقدهم وأخرجوا مكنونات صدورهم، وقالوا يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالقتال، فوالله لو لقيتنا لعلمت أنا نحن الناس.

والأصل أنهم حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في انتصاره ما يغيظهم أو يؤذيهم، وبعدها احتال بعضهم لكشف امرأة في سوق بني قينقاع، فغضب لصرختها رجل من المسلمين فقتل من كشف عورة المسلمة، فاجتمعوا على الرجل فقتلوه، فأجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة وأخرجهم منها.

السادس عشر: غزوة أُحد

وقعت في العام الثالث من الهجرة، وأعدت لها قريش انتقاما لقتلى بدر، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه ونزل على رأي من قال بالخروج لقتالهم خارج المدينة، ثم حدد للجيش خطته ووضع عددا مع الرماة تحت قيادة عبدالله بن جبير، وأمرهم بلزوم الجبل وعدم تركه على أي حال، وكانت الجولة الأولى لصالح المسلمين، وعندها خالف الرماة أميرهم وتركوا أماكنهم ونزلوا للغنائم، فالتف عليهم خالد بن الوليد وجعل الجولة الأخيرة لهم، لتتذكر الأمة مع مرارة الهزيمة، أنها لن تنتصر مع المخالفة، وأن انتصار المبادئ وترسيخ الثوابت أولى وأكبر من انتصار مع العصيان.

ثم تذاكر قادة جيش المشركين بعدما أدركوا ثأرهم، أنهم فاتتهم فرصة القضاء على المسلمين واستئصال شأفتهم، فكروا مرة أخرى، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للمواجهة، على ما بهم من جراحات بدنية ومعنوية، فاستجابوا على الفور كما حكى القرآن عنهم: "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران: 172).

وأمام هذا المشهد من الصبر والثبات، خشي أبو سفيان من ضياع ما بين يديه من النصر فأحجم عن المواجهة، وانتهى المشهد الأخير بثبات المسلمين وانسحاب المشركين، فيما عُرف بغزوة حمراء الأسد".

وفي أعقاب هذه الغزوة، وتحديدا في العام الرابع من الهجرة حاول اليهود اغتيال رسول الله ﷺ، حيث ذهب يسألهم المساعدة في دية رجل من المسلمين وفق ما بينهم من عهد، فصعد أشقاهم وحمل حجرا كبيرا وألقاه حيث يجلس رسول الله ﷺ، فأُخبر بالوحي، فلما برح مكانه سقط فيه الحجر وانكشفت خيانة القوم، فأجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة وأخرجهم من رحابها.

السابع عشر: غزوة الأحزاب

وقعت في العام الخامس من الهجرة، وعرفت بغزوة الخندق نظرا لحفر خندق عظيم حول المدينة، أخذا بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، ولم يكن هذا معهودا عند العرب، وحملهم على ذلك أن قريشا خرجت هذه المرة ومعها الأحلاف والأحزاب، وكانت الحالة العامة كما وصفها القرآن في السورة التي تحمل اسم الغزوة: "إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً". (الأحزاب: 11).

وأعظم ما تُنصر به هذه الأمة هو الأخذ بأسباب النصر وبذل الوسع في ذلك، مع التسلح بسلاح الصبر، وحُسن الظن بالله وصدق التوكل عليه، فمن صبر ظفر. وهنا تجلت عناية الله تعالى، فأرسل ريحا عاتية اقتلعت خيام المشركين وكفأت قدورهم، ورجعوا كما قال الشاعر:

فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم   كباطل من جلال الحق منهزم

وأخبر رسول الله ﷺ أن الله أمدهم بمدده، ونصرهم بجند من عنده، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فقال عليه الصلاة والسلام: "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبور" (رواه البخاري). والصبا والدبور من أنواع الريح.

"وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ( الأحزاب: 25).

وفي هذه المرة وقعت خيانة اليهود أثناء الغزوة، حيث كان يعول عليهم في حماية الجبهة الداخلية للمدينة، وفق المعاهدة بينهم وبين المسلمين، لكنهم في هذا الظرف العصيب، انحازوا إلى الأحزاب ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ. "وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً" (الأحزاب: 13).

فلما نصر الله عبده وهزم الأحزاب وحده، جاءه جبريل كما في صحيح مسلم: "فلَمَّا رَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الخَندَقِ وضَعَ السِّلاحَ، فاغتَسَلَ، فأتاه جِبريلُ وهو يَنفُضُ رَأسَه مِنَ الغُبارِ، فقال: وضَعتَ السِّلاحَ؟ واللَّهِ ما وضَعناه، اخرُجْ إليهم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأينَ؟ فأشارَ إلى بَني قُرَيظةَ، فقاتَلَهُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنَزَلوا على حُكمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَدَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُكمَ فيهم إلى سَعدٍ، قال: فإنِّي أحكُمُ فيهم أن تُقتَلَ المُقاتِلةُ، وأن تُسبى الذُّرِّيَّةُ والنِّساءُ، وتُقسَمَ أموالُهم. وفي روايةٍ: لقد حَكَمتَ فيهم بحُكمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".

وفي رواية البخاري أن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال يَومَ الأحزابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصرَ إلَّا في بَني قُرَيظةَ. فأدرَكَ بَعضُهمُ العَصرَ في الطَّريقِ، فقال بَعضُهم: لا نُصَلِّي حتَّى نَأتيَها، وقال بَعضُهم: بَل نُصَلِّي، لَم يُرِدْ مِنَّا ذلك، فذُكِرَ ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَم يُعَنِّفْ واحِداً منهم".

بعد هزيمة الأحزاب بدأت مرحلة جديدة، أعلن عنها رسول الله ﷺ بقوله: اليوم نغزوهم ولا يغزونا، معلنا رجحان كفة أهل الإيمان، وأن زمام المبادرة أصبح بيد المسلمين، لذا خرج عليه الصلاة والسلام في العام التالي قاصدا مكة لأداء العمرة، بعد غياب دام ست سنوات عن أم القرى، وهو ما قابلته قريش بالرفض والصد عن بيت الله الحرام، ومع هذا القرار بدأت واحدة من أهم المراحل المفصلية في حياة خير البرية ﷺ، وبها يكون ختام هذه السلسلة بإذن الله تعالى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل