كشفت التطورات
الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية عن تحول لافت في قدرة موسكو على تطوير وإنتاج
أسلحة جديدة بوتيرة متسارعة، تجمع بين انخفاض التكلفة والتطور التقني، بما يسمح
لها بطرح طائرات مسيّرة وصواريخ أكثر سرعة ودقة بأعداد كبيرة، ويزيد الضغط على
الدفاعات الأوكرانية التي تواجه أسلحة أرخص من تكلفة اعتراضها ما يمنح موسكو قدرة متزايدة
على طرح منظومات هجومية جديدة بوتيرة أسرع من أوكرانيا والولايات المتحدة.
وأشارت صحيفة
"
وول ستريت جورنال" ، في تقرير للكاتب دانيال مايكلز، إلى أن موسكو طورت
ونشرت خلال وقت قصير أسلحة تعمل بمحركات نفاثة، من بينها طائرات "جيرانيوم-5"
وصاروخ "
بانديرول"، في وقت تبدو فيه الصناعات الدفاعية الروسية أكثر قدرة
على الانتقال من مرحلة التطوير إلى الإنتاج واسع النطاق مقارنة بالمسارات الأكثر بطئًا
التي تتبعها
الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
وبحسب التقرير، فإن
التطور الروسي لا يرتبط فقط بامتلاك أسلحة أكثر تقدما، وإنما بقدرة موسكو على إنتاجها
بأعداد كبيرة وبتكلفة منخفضة، وهو ما يخلق تحديا جديدا أمام الدفاعات الأوكرانية التي
تضطر إلى التعامل مع أهداف قد تكون أقل تكلفة بكثير من الصواريخ أو المنظومات المستخدمة
لاعتراضها.
أسلحة جديدة بتكلفة
محدودة
ولفتت "وول ستريت
جورنال" إلى أن بعض هذه الأسلحة تقدر تكلفة إنتاجها بنحو 100 ألف دولار، وهو سعر
منخفض مقارنة بالعديد من الصواريخ التقليدية ومنظومات الضربات الدقيقة التي تستخدمها
الجيوش الحديثة.
اظهار أخبار متعلقة
وتبرز طائرة
"جيرانيوم-5" باعتبارها أحد الأمثلة على هذا الاتجاه، إذ تشبه في خصائصها
صاروخًا جوالًا منخفض التكلفة، لكنها تستطيع تنفيذ هجمات دقيقة مع الاستفادة من تقنيات
إلكترونية تساعدها على الوصول إلى أهدافها ومقاومة بعض وسائل التشويش.
ولا تقتصر التطويرات
الروسية على "جيرانيوم-5"، إذ تعمل موسكو كذلك على نسخ أسرع من طائرات
"جيرانيوم"، بينها "جيرانيوم-4"، التي تصل سرعتها إلى نحو 550
كيلومترًا في الساعة، وفق تقييم لمعهد "Critical Threats"، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة
مقارنة بالإصدارات الأبطأ السابقة.
من التطوير إلى الإنتاج
بسرعة أكبر
وترى الصحيفة أن أحد
أهم عناصر التحول الروسي يكمن في سرعة دورة الإنتاج نفسها؛ فروسيا باتت قادرة على اختبار
نماذج جديدة في ميدان القتال، ثم إدخال التعديلات عليها وإعادة إنتاجها بسرعة، مستفيدة
من منظومة تصنيع مركزية ومن الخبرة المتراكمة خلال الحرب.
وأكدت تقارير حديثة
أن موسكو وسعت إنتاج الطائرات المسيّرة النفاثة من عائلة "جيرانيوم"، فيما
أشارت تقديرات أوكرانية إلى أن
روسيا تنتج آلاف الطائرات من نسختي "جيرانيوم-4"
و"جيرانيوم-5" شهريًا.
وتعني هذه القدرة أن
روسيا لا تعتمد فقط على تطوير سلاح جديد، وإنما تستطيع تحويله بسرعة إلى جزء من ترسانة
واسعة الاستخدام، ثم الاستمرار في تحسينه استنادًا إلى نتائج العمليات العسكرية.
ويشكل ذلك، بحسب
"وول ستريت جورنال"، أحد أوجه التفوق الروسي في سرعة الابتكار والإنتاج،
في مقابل إجراءات تطوير وتسليح أكثر تعقيدًا وبطئًا في الولايات المتحدة والغرب، حيث
تستغرق البرامج الدفاعية الكبرى وقتًا أطول بسبب القيود المالية والإجراءات الشرائية
المعقدة.
"بانديرول".. صاروخ رخيص بمكونات أجنبية
ومن أبرز الأسلحة التي
تناولها التقرير صاروخ "S8000 بانديرول"، الذي يمثل نموذجًا آخر لمحاولة
روسيا الجمع بين التكلفة المنخفضة والقدرات الهجومية المتقدمة.
وتشير بيانات الاستخبارات
العسكرية الأوكرانية وتقارير متخصصة إلى أن "بانديرول" يستخدم محركًا نفاثًا
صيني الصنع من طراز "Swiwin SW800Pro"، إلى جانب مكونات إلكترونية
وبطاريات ومكونات أخرى ذات منشأ أجنبي. كما عثرت عمليات فحص سابقة على مكونات أمريكية
ويابانية وصينية وسويسرية وكورية جنوبية داخل المنظومة.
اظهار أخبار متعلقة
ووفق تقارير أوكرانية،
يستطيع "بانديرول" الوصول إلى سرعة تقارب 500 إلى 600 كيلومتر في الساعة،
ويصل مداه إلى نحو 500 كيلومتر، بينما تقدر تكلفة إنتاجه بعشرات الآلاف من الدولارات،
وهي تكلفة أقل بكثير من عدد من صواريخ كروز الروسية التقليدية.
وتمنح هذه المعادلة
روسيا إمكانية استخدام أعداد أكبر من الأسلحة منخفضة التكلفة بدلًا من الاعتماد بصورة
أكبر على الصواريخ الأغلى ثمنًا، وهو ما يرفع الضغط على الدفاعات الجوية الأوكرانية.
المكونات الصينية تتحدى
العقوبات
وأشارت "وول ستريت
جورنال" إلى أن جزءًا مهمًا من هذا التطور الروسي يرتبط بالحصول على مكونات أجنبية،
ولا سيما مكونات صينية، رغم العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
ولا يعني ذلك بالضرورة
أن الحكومة الصينية تقدم هذه الأسلحة بصورة مباشرة إلى روسيا، لكن تقارير وتحقيقات
متعددة وثقت وصول مكونات صينية إلى منظومات روسية مستخدمة في الحرب.
وفي حالة "بانديرول"،
تم التعرف على محرك نفاث صيني، إلى جانب مكونات إلكترونية من عدة دول. كما أظهر تحليل
حديث لمعهد شرق آسيا أدلة على وصول مواد صينية مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة الروسية،
بما في ذلك شحنة من مواد أولية لألياف الكربون وصلت إلى منشأة مرتبطة بإنتاج الطائرات
المسيّرة في منطقة ألابوجا الروسية.
وتشير هذه الوقائع
إلى أن روسيا تمكنت من الحفاظ على قدراتها الإنتاجية رغم العقوبات، عبر إعادة تشكيل
سلاسل الإمداد والاعتماد على مكونات تجارية يمكن الحصول عليها من أسواق خارجية أو عبر
شبكات توريد متعددة.
معركة اقتصادية فوق
سماء أوكرانيا
ولا تكمن المشكلة بالنسبة
لأوكرانيا في سرعة الأسلحة الروسية أو قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة فقط، وإنما
في المعادلة الاقتصادية التي تفرضها هذه الأسلحة.
فإذا كان السلاح الروسي
منخفض التكلفة، فإن استخدام صاروخ اعتراض باهظ الثمن لإسقاطه قد يؤدي إلى استنزاف مخزون
الدفاع الجوي الأوكراني بوتيرة أسرع من استنزاف الترسانة الهجومية الروسية.
اظهار أخبار متعلقة
وترى "وول ستريت
جورنال" أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي يواجهان المشكلة نفسها، إذ يستثمر
الغرب عشرات المليارات من الدولارات في برامج مضادة للطائرات المسيّرة، بينما تستمر
روسيا في تطوير أسلحة يمكن إنتاجها بكلفة أقل وبأعداد كبيرة.
وأصبحت هذه المعادلة
تدفع الخبراء الغربيين إلى البحث عن دفاعات أكثر قابلية للتوسع وأقل تكلفة، بدل الاعتماد
بصورة أساسية على منظومات اعتراض باهظة الثمن للتعامل مع أسلحة مصممة أصلًا لاستنزاف
الدفاعات الجوية.
روسيا تعيد تشكيل ترسانتها
وبحسب الصحيفة، فإن
التطورات الأخيرة تشير إلى أن روسيا لم تتوقف عند استخدام الطائرات المسيّرة الرخيصة،
بل تعمل على تحويلها إلى منصات أسرع وأكثر دقة وقدرة على مقاومة التشويش، بما يجعلها
أقرب في بعض خصائصها إلى صواريخ كروز منخفضة التكلفة.
وتظهر "جيرانيوم-4"
و"جيرانيوم-5" و"بانديرول" ضمن مجموعة أوسع من الأسلحة الروسية
النفاثة التي يجري تطويرها واستخدامها، في وقت تحاول فيه موسكو زيادة السرعة والمدى
وقدرات التوجيه والتحكم عن بعد.
ويشير هذا المسار إلى
تغير في طبيعة الحرب الجوية فوق أوكرانيا؛ فبدل أن يكون التطور قائمًا فقط على امتلاك
أسلحة أكثر تكلفة وتعقيدًا، أصبحت القدرة على إنتاج سلاح "جيد بما يكفي"
بسرعة وبأعداد ضخمة عنصرًا حاسمًا في المعركة.
وخلصت "وول ستريت
جورنال" إلى أن قدرة روسيا على الجمع بين الابتكار السريع، والإنتاج واسع النطاق،
وانخفاض التكلفة، والوصول إلى مكونات أجنبية، تجعل من صناعتها الدفاعية تحديًا مستمرًا
لأوكرانيا والولايات المتحدة، خصوصًا مع تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يتطلب من الطرفين
القدرة على تطوير الأسلحة وإنتاجها بوتيرة متسارعة.