"الأحباش".. جماعة كل المراحل والأنظمة

أواب المصري
"استغل النظام السوري وجود الأحباش في لبنان واستخدمهم، فحرّكهم تبعاً لمصلحته، خاصة في مناكفة من كان يعتبرهم خصومه"
"استغل النظام السوري وجود الأحباش في لبنان واستخدمهم، فحرّكهم تبعاً لمصلحته، خاصة في مناكفة من كان يعتبرهم خصومه"
شارك الخبر
شهدت العديد من المناطق اللبنانية خلال الأيام الماضية احتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف نظمتها جماعة "الأحباش"، فاصطبغت الكثير من الأحياء باللون الأصفر، وهو اللون الذي تعتمده الجماعة في شعاراتها ويافطاتها وراياتها.

تعود نشأة الأحباش إلى المحدث الشيخ عبد الله الهرري الذي قدِم إلى لبنان من الحبشة واستقر في مدينة بيروت نهاية الستينيات من القرن الماضي، فأُطلق على مريديه لقب الأحباش نسبة للشيخ "الحبشي". لكن منذ بداية الثمانينات، نال مريدو الحبشي ترخيصاً لجمعية فصاروا "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية"، وعملوا منذ ذلك الحين تحت هذا الاسم.

شهد عام 1992 أول حضور سياسي للجمعية، حين فاز مرشحها عن مدينة بيروت في الانتخابات النيابية التي جرت بعد اتفاق الطائف، ليتواصل هذا الحضور في جميع المحطات الانتخابية التي تلتها، قبل أن يتوسع في آخر استحقاق انتخابي عام 2022 وتحصل الجمعية على نائبين وكادت تحصل على ثالث، كما باتت تتمتع الجمعية بحضور شعبي وازن في مختلف المناطق التي يشكل المسلمون السنّة فيها أغلبية.

هذا الانتشار لا يعود فقط لنشاط العاملين في الجمعية ومثابرتهم وحماسهم، بل أيضاً لرعايتهم واحتضانهم ودعمهم من سلطات بعض الدول العربية والغربية، ليكونوا بمواجهة التيار الإسلامي الذي يشكل الإخوان المسلمون العصب الرئيس له

انتشار الأحباش لا يقتصر على لبنان، بل امتد إلى بلدان الاغتراب. هذا الانتشار لا يعود فقط لنشاط العاملين في الجمعية ومثابرتهم وحماسهم، بل أيضاً لرعايتهم واحتضانهم ودعمهم من سلطات بعض الدول العربية والغربية، ليكونوا بمواجهة التيار الإسلامي الذي يشكل الإخوان المسلمون العصب الرئيس له.

حظي الأحباش بدعم مطلق من الوصاية السورية في لبنان، فكانوا يستولون على المساجد بالقوة، والمسجد الذي يقف عثرة في طريقهم تقوم الاستخبارات السورية بإغلاقه بذريعة الحرص على منع الاحتكاك بين المصلين. هذا الدعم ارتفعت وتيرته بشكل كبير عقب اغتيال رئيس الجمعية نزار حلبي بإطلاق النار عليه في بيروت في آب/أغسطس 1995.

استغل النظام السوري وجود الأحباش في لبنان واستخدمهم، فحرّكهم تبعاً لمصلحته، خاصة في مناكفة من كان يعتبرهم خصومه. ومن بين هذه المصالح، تنظيم تظاهرة عام 2001 رفع خلالها "الأحباش" السواطير والفؤوس والخناجر والسلاسل لتهديد المطالبين بانسحاب الجيش السوري من لبنان.

قبل انسحاب الجيش السوري عام 2005 كانت جمعية المشاريع تقيم احتفالات مركزية سنوية حاشدة بمناسبة ما كانت تطلق عليه "يوم الجيشين السوري واللبناني"، ولم يكن يجرؤ مسؤول في الدولة اللبنانية على التغيب عنه. لكن بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ومن بعده انسحاب الجيش السوري من لبنان، ابتعدت الجمعية عن المشهد لسنوات، بعد التفاعل الكبير الذي لقيه اغتيال الحريري، والنقمة الواسعة على النظام السوري وحلفائه الذين وُجهت لهم أصابع الاتهام. وما زاد في عداء الشارع السني للأحباش حينها، اتهام لجنة التحقيق الدولية لعدد من قادة الجمعية بتقديم دعم لوجستي للجناة الذين اغتالوا الحريري، وتمّ اعتقالهم لسنوات.

انضوى الأحباش ضمن ما يُعرف بقوى 8 آذار التي شكل حزب الله أبرز أركانها، لكنهم تمسكوا بقدر من الاستقلالية، وحافظوا على مسافة من الجميع. يملك الأحباش بنية تنظيمية متينة ومتماسكة، وماكينتهم الانتخابية من بين الأفضل بين جميع الأحزاب اللبنانية.

اليوم، يشكل "الأحباش" حيثية شعبية حقيقية في الشارع السنّي، ويملكون مساجدهم ومراكزهم الطبية ومؤسساتهم التربوية والاستهلاكية الممتدة على الأراضي اللبنانية

لم تكن لجماعة الأحباش مشاركة خلال سنوات الحرب، لذلك لا يمكن الحديث عن بنية أمنية أو عسكرية ظاهرة؛ المرة الوحيدة التي انكشفت قدرات الأحباش العسكرية كان عام 2010، حين اندلعت اشتباكات مسلحة مع حزب الله استمرت لساعات، سقط خلالها قتلى وجرحى واستُخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية.

منهج الأحباش قائم على تكفير كل من يخالفهم، وفي مقدم هؤلاء ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وابن باز الذين تسير على نهجهم المملكة العربية السعودية. ويمكن الرجوع إلى تصريحات ومواقف مسؤوليهم التي يتهمون فيها حكام المملكة بأنهم يتبعون منهج اليهود (خطبة لرئيس الجمعية الراحل نزار حلبي متاحة على شبكة الإنترنت). لكن منذ سنوات، بات الأحباش يتجنبون التطرق لمواقف تكفيرية حادة، وينتهجون مساراً أكثر انفتاحاً واعتدالاً مع القوى الأخرى.

منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة عام 2019، واستمرار "الحرم" السعودي عليه منذ ذلك الحين، بات التمثيل السني في التركيبة السياسية اللبنانية شاغراً. حاول البعض ملأه لكنهم لم يفلحوا، لضعف قدرتهم أولاً والأهم بسبب عدم رغبة المملكة العربية السعودية بذلك. اليوم، يشكل "الأحباش" حيثية شعبية حقيقية في الشارع السنّي، ويملكون مساجدهم ومراكزهم الطبية ومؤسساتهم التربوية والاستهلاكية الممتدة على الأراضي اللبنانية، ولعلّ ميزة الأحباش الأبرز بالنسبة للسعودية تكمن في عدائهم للتيارات الإسلامية الأخرى وفي مقدمهم الإخوان المسلمون، وقد يكون ذلك حافزاً للمملكة للتغاضي عن تكفير رموزهم ومحاربتهم طوال عقود، وإفساح المجال أمامهم ودعمهم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)