حنانينكم علينا معشر السوريين

أواب المصري
"السوريون المؤيدون للثورة والناقمون على النظام البائد حساسون جداً تجاه كل ما يمتّ لهذا النظام بصلة"- الإخبارية السورية
"السوريون المؤيدون للثورة والناقمون على النظام البائد حساسون جداً تجاه كل ما يمتّ لهذا النظام بصلة"- الإخبارية السورية
شارك الخبر
نشر أحد المؤثرين السوريين على حساباته بوسائل التواصل الاجتماعي صورة يظهر فيها وزير لبناني سابق مع أشخاص آخرين على مائدة الغداء. واعتبر المؤثر الذي يتابعه مئات الآلاف على منصات التواصل أن الوزير السابق الظاهر في الصورة هو أحد أبرز حلفاء نظام الأسد ويقوم بإيواء من وصفهم بـ"فلول الأسد" في منطقته، ووجّه صاحبنا "المؤثر" نقده وتجريحه للأشخاص الجالسين معه إلى الطاولة باعتبارهم "خونة".

مشكلة المؤيدين لما كان يُعرف بـ"الثورة السورية" -قبل أن تتحول إلى السلطة في سوريا- أنهم لم يدركوا التغيرات التي طرأت على قادة ثورتهم منذ انتصرت، والأداء الذي تقدمه هذه السلطة، وما زالوا يتصرفون مع الآخرين وكأن الثورة ما زالت مستمرة. فتراهم ينقضّون بالتخوين والتشهير على كل من يتواصل مع أحد كانت له صلة يوماً ما بالنظام البائد أو أحد أعوانه، متغافلين عن أداء السلطة السورية التي تجاوزت منطق الثورة، وتتصرف بذهنية جديدة، بعيدة عما كانت عليه في السابق.

منذ انطلاق الثورة في سوريا عام 2011، وارتكاب نظام الأسد جرائم قتل وتنكيل وتهجير بحق شعبه، كان السوريون المؤيدون للثورة والناقمون على النظام البائد حساسون جداً تجاه كل ما يمتّ لهذا النظام بصلة. ومن المعروف أن أبرز فصائل المقاومة الفلسطينية -التي كان نظام الأسد يحتضنها ويدعمها وقدم لها ما لم يقدمه لها أي نظام عربي آخر- خرج من سوريا احتجاجاً على قمع النظام للمدنيين، ودفع في سبيل ذلك ثمناً كبيراً. رغم ذلك، لم يسلم هذا الفصيل وقادته من ألسن السوريين، ونالتهم سهام التخوين والنقد، فقط لأنهم لم يعلنوا موقفاً واضحاً بدعم الثورة السورية، علماً أن أداءهم كان واضحاً بهذا الاتجاه.

السلطة السورية الجديدة تجاوزت هذا الأداء منذ وصلت إلى السلطة قبل قرابة عامين، وهي قدمت -وما زالت- أداء سياسياً قلب صفحة الماضي، ونال إشادة من العديد من قادة العالم، وفي مقدمهم الرئيس الأمريكي حين التقاه الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض بواشنطن

الحساسية لم تكن تجاه نظام الأسد فقط، بل توسعت لتشمل حلفاءه. فالشتائم والتخوين والتهشيم كانت تطال كل من يتواصل مع إيران، أو حزب الله، أو روسيا، ولو كان هذا التواصل اضطراراً، أو بهدف تحقيق مصلحة.

ربما كانت هذه الحساسية مفهومة خلال سنوات الثورة، خاصة أن نظام الأسد وحلفاءه مارسوا أبشع الجرائم بحق الشعب السوري، لكن أن يتواصل هذا الأداء اليوم من قبل المؤيدين للسلطة في سوريا تجاه كل من يتواصل مع أطراف كانت يوماً ما حليفة للنظام السوري، فهذا مستغرب ومستهجن. فالسلطة السورية الجديدة تجاوزت هذا الأداء منذ وصلت إلى السلطة قبل قرابة عامين، وهي قدمت -وما زالت- أداء سياسياً قلب صفحة الماضي، ونال إشادة من العديد من قادة العالم، وفي مقدمهم الرئيس الأمريكي حين التقاه الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض بواشنطن.

كما أن الرئيس السوري قام بزيارة روسيا التي تؤوي وتحتضن رأس النظام البائد بشار الأسد، والتقى بالرئيس الروسي الذي كان شريكاً لنظام الأسد في التنكيل وتهجير السوريين وقتلهم بالبراميل المتفجرة. رغم ذلك، لم يطلب الشرع من بوتين استرداد بشار الأسد، ولم يعاتبه على المجازر التي ارتكبها بحق السوريين، بل إنه أشاد "بالدور الروسي في تحقيق الاستقرار"، معبراً عن التطلع لآفاق تعاون أوسع، وحرص على وصف روسيا بأنها "أرض مباركة".

أما "فلول نظام الأسد" التي يعيّر بعض المتحمسين من يقترب منهم، فقد عقدت السلطة في دمشق "تسوية" مع العشرات منهم، وصار بعضهم من أركان النظام الجديد. حتى حزب الله الذي لطالما كان شيطاناً رجيماً أعلن الرئيس السوري بشكل واضح عدم ممانعته الحوار معه.

لذلك، فإنه لو كان لهؤلاء المتحمسون جرأة ونزاهة لكانت سهامهم أصابت السلطة في سوريا قبل أن تصيب أي أحد آخر خارجها، ثم كانت لتصيب أنظمة عربية عملت قبيل سقوط نظام بشار الأسد على إعادة تلميعه وإخراجه من عزلته، ودعته للمشاركة بقمم عربية وأفسحت له المجال للحديث، واستقبلته ورحبت به. لو كان الغيارى على مصلحة سوريا يملكون الجرأة لانتقدوا لقاء وزير خارجيتهم أسعد الشيباني مع مدير جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن، رغم أن إسرائيل تحتل مناطق واسعة داخل الأراضي السورية في القنيطرة وحوض اليرموك إضافة للجولان. وإذا أراد هؤلاء المتحمسون التغاضي عن الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم، فهل يتغاضون عن حقيقة أن إخوانهم الفلسطينيين واللبنانيين يتعرضون كل يوم لقصف إسرائيلي في غزة وجنوب لبنان يودي بعدد من الشهداء؟

ربما يكون أداء السلطة في سوريا مفهوماً لناحية حرصها على عدم الصدام مع إسرائيل، والتفرغ لإنهاء مشاكلها الداخلية والانشغال بعملية البناء وإعادة الإعمار بعد عقود من حكم نظام الأسد الذي ترك بلداً مفككاً وممزقاً من جميع النواحي. لكن ما هو غير مفهوم، أن يكون أداء السلطة في سوريا على هذه الشاكلة، ثم يأتي من ينتقد ويخوّن ويشهّر بمن يقوم بجزء يسير مما تقوم به السلطة السورية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)