عاشت العاصمة
النيجرية نيامي ليلة حبست فيها الأنفاس، إثر اندلاع
اشتباكات مسلحة عنيفة استمرت نحو 12 ساعة في محيط مواقع سيادية حساسة، في مقدمتها القاعدة
العسكرية 101، ومطار نيامي الدولي، والقصر الرئاسي.
الأحداث التي بدأت شرارتها الأولى بعيد منتصف ليل الثامن والعشرين من آب/ أغسطس الجاري أعادت إلى الأذهان هواجس الانقلابات العسكرية التي تعصف بمنطقة الساحل الأفريقي، ووضعت المجلس العسكري الحاكم أمام أصعب اختبار داخلي منذ إطاحته بالرئيس محمد بازوم في تموز/ يوليو 2023.
وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي النيجري، توقيف عشرات العسكريين، المتهمين بالضلوع في
التمرد العسكري، كما توافد عدد من المواطنين على "ساحة التشاور" في نيامي دعما لقوات الدفاع والأمن.
ورغم مسارعة التلفزيون الرسمي إلى بث مشاهد تظهر استسلام عشرات العسكريين، وتأكيد وزارة الدفاع استعادة السيطرة، إلا أن المعطيات تشير إلى أن ما حدث يتجاوز مجرد غضب جنود، وفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل كنا أمام محاولة انقلابية فاشلة مدعومة من الخارج، أم تمرد عسكري مطلبي فرضته تعقيدات المشهد الأمني والاقتصادي في النيجر؟
اظهار أخبار متعلقة
ليلة الرصاص في نيامي
فجر أمس السبت وفي حدود الساعة الواحدة، تحركت مجموعات من العسكريين في خطوة مباغتة، حيث أقدمت على احتجاز زملاء لها داخل ثكنة في القاعدة 101 الاستراتيجية، تلا ذلك إطلاق نار كثيف بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة باتجاه مواقع حساسة.
وسرعان ما امتدت رقعة الاشتباكات لتشمل محيط المطار المدني، مع تسجيل محاولات من فرقة متمردة للتقدم نحو القصر الرئاسي، تزامن ذلك مع قطع للتيار الكهربائي عن المحاور المؤدية إليه.
ولم يتمكن الحرس الجمهوري من صد الهجوم على القصر إلا بعد مواجهات استمرت ساعات، في حين لعب الحليف الروسي دورا حاسما في استعادة السيطرة على القاعدة الجوية.
فقد أكد السفير الروسي في نيامي، فيكتور فوروباييف، أن الجيش النيجري طلب مساعدة "فيلق إفريقيا" (فاغنر سابقا) المتمركز أساسا في القاعدة 101 لتحييد العسكريين المتمردين، حيث قدم الدعم الجوي والبري، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المتمردين واستسلام العشرات منهم.
غضب الجبهات ضد "مكاتب المكيفات"
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن قوات التمرد تتكون من ضباط صغار ومتوسطي الرتب يمثلون خمس فرق عسكرية، أي ما يقارب 10 آلاف عسكري معظمهم من القوات البرية، بقيادة فرقة انطلقت من معسكر "أغالي" في دوسو (مقر المنطقة الدفاعية السابعة).
وقد انضمت إليهم وحدات من مناطق التماس الأمني الساخنة مثل تيلابيري وتيرا، حيث تدور أشرس المعارك ضد التنظيمات المسلحة منذ فترة.
ويطالب هؤلاء الضباط وخاصة أولئك العائدين من دورات تدريبية في المغرب، بترقيات وعدوا بها ولم تنفذ، إضافة إلى صرف رواتبهم المتأخرة منذ أكثر من ستة أشهر.
ويوجه المتمردون غضبهم نحو من يصفونهم بـ"عساكر المكاتب المكيفة" في القصر الرئاسي، متهمين إياهم باحتكار الامتيازات، في حين يترك جنود الميدان يواجهون الموت دون تسليح كافٍ.
كما يطالبون القيادة بالشفافية في الإعلان عن حجم الخسائر البشرية في مسارح العمليات وإعلان الحداد الوطني، تقديرا لتضحيات زملائهم، بدل التكتم الذي يوحي بأن "الأوضاع تحت السيطرة".
اظهار أخبار متعلقة
هل ما حدث تمرد أم محاولة انقلاب.
رغم ضبابية الساعات الأولى، والتكهنات التي سارعت إلى اتهام قوى إقليمية ودولية بالوقوف وراء الحدث، إلا أن تحليل سياق الأحداث ومطالب المتمردين ينفي صبغة "الانقلاب العسكري الشامل" لعدة اعتبارات، من بينها أنه لم يبدي أي من المتمردين معارضة لشخص الجنرال الحاكم حاليا، عبد الرحمن تشياني، بل تركزت شكواهم على الدائرة المحيطة به التي تعرقل قنوات التواصل المباشر.
كما أن هؤلاء الجنود رغم سيطرتهم على مبنى التلفزيون الحكومي لبعض الوقت ولم يقوموا بقراءة بيان، ما يعني أن خطتهم لا تتضمن السيطرة على السلطة.
كما لم يبد أي من هؤلاء المتمردين تذمرا أو معارضة للسياسة الخارجية للبلد، ولم يوجوه أي انتقادات لفرنسا التي تحدث البعض خلال الساعات الأولى أنها قد تكون وراء تحرك هؤلاء الضباط.
لكن متابعين للشأن الأفريقي يرون أنه التمرد الذي حاصل كان يمكن أن يتحول إلى انقلاب بالفعل، خصوصا أن منطقة الساحل الأفريقي قد عرفت نماذج من ذلك، حيث أدى غضب ضباط صغار إلى الإطاحة برئيس بوركينافاسو الأسبق بول هنري داميبا.

ويدرك صناع القرار في نيامي أن تجاهل هذا الغضب الميداني قد يفتح الباب أمام المزيد من عمليات التمرد العسكري، قد تتحول في مرحلة ما إلى انقلاب حقيقي، لذلك يتوقع متابعون أن تبادر السلطات الحاكمة إلى فتح حوار مع هؤلاء الضباط والجنود ينتهي بالإفراج عن المعتقلين والتعهد بتلبية مطالبهم.
وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي المتابع للشأن الأفريقي أحمد محمد فال، أن كل المعطيات تؤكد أن ما حصل هول بالفعل تمرد عسكري، لا يرقى إلى محاولة انقلابية منظمة.
وأشار في تصريح لـ"عربي21" أن استمرار تذمر الجنود وتمردهم على هذا النحو هو مؤشر واضح على أن النيجر معرضة للمزيد من المحاولات الانقلابية، في ظل حالة الاضطراب التي تعرفها المنطقة وهشاشة الوضع الأمني.
اظهار أخبار متعلقة
دعم كونفدرالية الساحل
وبينما التزمت غالبية الدول الغربية والأفريقية الصمت تجاه ما حصل أعلنت كونفدرالية الساحل التي تضم بالإضافة إلى النيجر، مالي وبوركينافاسو، دعمها الكامل لمؤسسات جمهورية النيجر، على إثر التمرد العسكري الذي شهدته البلاد، مضيفة أن ما حصل يعد خيانة.
واعتبرت في بيان أن محاولة مجموعة من الجنود "لزعزعة الاستقرار عبر هجمات استهدفت القاعدة الجوية 101 وبعض المواقع الحساسة بنيامي، تم إحباطها بفضل شجاعة ومهنية القوات الجمهورية الموالية" للنظام العسكري الحاكم في النيجر.
وأعربت عن عزمها على "الحفاظ على وحدة الكونفدرالية وتماسكها واستقرارها"، داعية شعوب الدول الثلاث إلى "اليقظة القصوى أمام حملات التضليل ومحاولات التقسيم التي قد ترافق مساعي زعزعة الاستقرار".
بدورها أعربت الجزائر إدانتها الشديدة لمثل هذه الأعمال، التي قالت إن من شأنها "المساس بالتطلعات المشروعة للشعب النيجيري الشقيق نحو السكينة والتنمية"، وذلك على إثر تمرد عسكري شهدته البلاد".
وأعلنت الجزائر في بيان لوزارة خارجيتها تضامنها الكامل ودعمها الثابت للنيجر، "بما يمكن من تجاوز هذه المحنة والعمل على عودة الاستقرار سريعا إلى هذا البلد".
وشهدت القارة الأفريقية منذ العام 2012 نحو 46 انقلابا أو محاولة انقلابية على السلطة، وذلك بمعدل 4 انقلابات أو محاولة انقلابية في العام تقريبا.
وتشير بعض الإحصاءات إلى أن الانقلابات في أفريقيا شكلت ما يقرب من 36% من جميع الانقلابات على مستوى العالم، وغالبية هذه الانقلابات في بلدان منطقة غرب أفريقيا، التي تضم عدة دول بينها بوركينافاسو ومالي والنيجر وبنين وغامبيا وغانا وغينيا وغينيا بيساو وساحل العاج وليبيريا وسيراليون وتوغو.