أعلن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، السبت،
أنه "يحب أن يرى أيرلندا موحّدة"، معتبراً أن توحيد الجزيرة "سيحدث
في نهاية المطاف"، ومضيفاً في عبارة لافتة: "قد يحدث الآن أيضاً".
وجاءت
تصريحات ترامب خلال زيارته إلى
العاصمة الأيرلندية دبلن، حيث التقى رئيس الوزراء ميشال مارتن، قبل أن ينتقل إلى
الحديث مع الصحفيين عن عدد من الملفات الدولية، بينها الحرب مع إيران، وأزمة مضيق
هرمز، والحرب في غزة، والهجوم على خط أنابيب نفطي سعودي.
لكن حديثه عن الوحدة الأيرلندية كان الأكثر
حساسية سياسياً، نظراً إلى أن أيرلندا الشمالية لا تزال جزءاً من المملكة المتحدة،
وأن مستقبلها الدستوري يمثل إحدى أكثر القضايا ارتباطاً بتاريخ الصراع الأيرلندي
البريطاني.
وقال ترامب: "لا أريد أن أتسبب في أي
مشاكل، لكنني سأقول إنني أحب أن أراها موحّدة".
وأضاف: "لدي أصدقاء على الجانبين، أناس
رائعون. إنهم أيرلنديون. كيف يمكن أن يكونوا سيئين؟".
ثم تابع: "أحب أن أراها موحّدة. أعتقد
أنها ستكون بمثابة إنجاز رائع للجميع إذا حدث ذلك. سيحدث في نهاية المطاف".
وفي إشارة بدت موجهة إلى رئيس الوزراء
الأيرلندي ميشال مارتن، قال ترامب: "قد يحدث الآن أيضاً... أنتم لديكم الرجل
المناسب هنا لدفع الأمر إلى الأمام".
واستدرك قائلاً إن "المملكة المتحدة
سيكون لديها ما تقوله في هذا الأمر، بطبيعة الحال"، قبل أن يعود للتأكيد على
أن الوحدة "ستكون أمراً رائعاً".
تصريح سياسي.. لا قرار أمريكي
ورغم قوة العبارة التي استخدمها ترامب، فإن
تصريحاته لا تعني أن واشنطن اتخذت قراراً رسمياً بتغيير سياستها تجاه أيرلندا
الشمالية، ولا أن الطريق بات ممهداً تلقائياً أمام وحدة الجزيرة.
فالوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية تحكمه
ترتيبات اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998، الذي أنهى الجزء الأكبر من عقود الصراع
المعروفة باسم "الاضطرابات".
ويقوم الاتفاق على ما يعرف بـ "مبدأ
الموافقة"، أي أن أيرلندا الشمالية تبقى جزءاً من المملكة المتحدة ما لم
يعبّر غالبية سكانها عن رغبتهم في تغيير هذا الوضع.
وفي المقابل، يعترف الاتفاق بحق سكان
الجزيرة في السعي سلمياً وديمقراطياً نحو قيام أيرلندا موحّدة.
وبالتالي، فإن القرار النهائي لا يملكه
البيت الأبيض، ولا الحكومة البريطانية، ولا الحكومة الأيرلندية منفردة، وإنما
يرتبط بإرادة الناخبين في أيرلندا الشمالية ضمن الآلية الدستورية المنصوص عليها في
اتفاق السلام.
وهذه النقطة تجعل تصريحات ترامب أقرب، في
المرحلة الحالية، إلى إعلان موقف سياسي مؤيد لفكرة الوحدة منها إلى طرح مبادرة
أميركية رسمية لتحقيقها.
لماذا تكتسب تصريحات ترامب أهمية خاصة؟
تكمن أهمية التصريح في أن الولايات المتحدة
كانت لاعباً رئيسياً في عملية السلام الأيرلندية، كما أن الرؤساء الأميركيين
المتعاقبين حافظوا على اهتمام خاص بالملف نظراً إلى الروابط التاريخية الواسعة بين
الولايات المتحدة وأيرلندا.
لكن ترامب ذهب هذه المرة إلى أبعد من
التأكيد التقليدي على دعم السلام والاستقرار، إذ أعلن صراحة أنه يفضّل رؤية
الجزيرة موحدة، بل توقع أن يحدث ذلك "في نهاية المطاف".
والأكثر لفتاً أنه قال إن الوحدة "قد
تحدث الآن"، وهي عبارة يمكن أن تثير حساسية خاصة في لندن وبين القوى الوحدوية
في أيرلندا الشمالية.
فأنصار بقاء الإقليم ضمن المملكة المتحدة
ينظرون إلى أي تدخل خارجي في مسألة السيادة بوصفه قضية شديدة الحساسية، بينما يرى
القوميون والجمهوريون أن التغيير الدستوري بات موضوعاً مشروعاً للنقاش السياسي،
شرط أن يتم عبر الوسائل الديمقراطية.
مارتن.. "الرجل المناسب"؟
وضع ترامب رئيس الوزراء الأيرلندي ميشال
مارتن في قلب تصريحاته عندما قال إن دبلن لديها "الرجل المناسب" لدفع
قضية الوحدة إلى الأمام.
لكن مارتن لم يعلن، في التصريحات المنشورة
عقب اجتماعه بترامب، عن مبادرة جديدة لإجراء استفتاء على الوحدة.
وكان رئيس الوزراء الأيرلندي قد ركز، قبل
زيارة ترامب، على العلاقات الاقتصادية والثقافية والإنسانية العميقة بين الولايات
المتحدة وأيرلندا، وعلى القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.
وهذا الحذر مفهوم، لأن الحكومة الأيرلندية
تدرك أن أي نقاش حول الاستفتاء على الوحدة يمكن أن تكون له تداعيات كبيرة على
العلاقات بين دبلن ولندن، وعلى التوازن السياسي والطائفي داخل أيرلندا الشمالية.
"أيرلندا الجديدة".. النقاش يتوسع
مع ذلك، فإن تصريح ترامب لم يأت في فراغ
سياسي. فالنقاش بشأن مستقبل
أيرلندا الشمالية شهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً، بالتزامن مع التحولات
الديموغرافية والسياسية التي شهدها الإقليم.
كما أصبحت فكرة الاستفتاء على الوحدة
موضوعاً أكثر حضوراً في النقاش العام، خصوصاً مع صعود الأحزاب القومية والجمهورية
وتراجع الهيمنة السياسية التقليدية للأحزاب الوحدوية.
لكن الطريق من ارتفاع النقاش حول الوحدة إلى
امتلاك أغلبية مؤيدة لها يظل طويلاً. فالسؤال لا يتعلق بالهوية فقط، وإنما أيضاً بما ستبدو عليه الدولة
الأيرلندية الموحدة، وكيف ستُدار المؤسسات، وكيف ستُحمى الهوية البريطانية
والوحدوية، وما مصير الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية، إضافة
إلى علاقة أيرلندا الموحدة بالمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وهذه الملفات تجعل الوحدة مشروعاً سياسياً
ودستورياً بالغ التعقيد، وليس مجرد عملية نقل للسيادة من لندن إلى دبلن.
ترامب يوجه رسائل أخرى إلى بريطانيا
ولم يقتصر حديث ترامب في دبلن على أيرلندا
الشمالية. فخلال لقائه بالصحفيين،
تحدث الرئيس الأمريكي أيضاً عن جزر فوكلاند المتنازع عليها بين بريطانيا
والأرجنتين، وقال إنه قد يُطلب منه التدخل للمساعدة في تسوية النزاع.
وتزامن ذلك مع تصاعد الجدل بين لندن وبوينس
آيرس بشأن مستقبل الجزر، في وقت أثارت فيه تصريحات ترامب السابقة حول الموقف الأمريكي
من سيادة بريطانيا عليها تساؤلات في الأوساط السياسية البريطانية.
كما انتقد ترامب بصورة غير مباشرة أداء
بريطانيا في ملف الطاقة، قائلاً إن فتح موارد بحر الشمال من شأنه أن يؤدي إلى خفض
أسعار الطاقة.
وهكذا وجد ترامب نفسه، خلال زيارة قصيرة إلى
أيرلندا، يتحدث عن قضيتين تمسان مباشرة ملفات السيادة البريطانية: الوحدة
الأيرلندية وجزر فوكلاند.
من الشرق الأوسط إلى أيرلندا
وجاءت التصريحات في يوم حافل بالنسبة إلى
ترامب، إذ تحدث أيضاً عن الحرب مع إيران، متوقعاً انتهاءها بعد انتخابات التجديد
النصفي الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر، وقال إن أسعار النفط ستتراجع بعد انتهاء
الحرب.
كما قال إن إيران ربما تقف وراء هجوم
بطائرات مسيرة استهدف خط أنابيب نفطياً سعودياً، في وقت تشهد فيه منطقة الخليج
اضطرابات حادة على خلفية أزمة مضيق هرمز.
وتحدث ترامب كذلك عن جماعة الحوثي، قائلاً
إن الجماعة أبلغت واشنطن بأنها لا تريد أن تتدخل الولايات المتحدة ضدها.
هذه التصريحات الإقليمية والدولية وضعت حديث
ترامب عن أيرلندا في سياق أوسع من الزيارة، حيث ظهر الرئيس الأمريكي مرة أخرى وهو
يقدم مواقف مباشرة بشأن ملفات شديدة الحساسية، بعضها يتعلق بحلفاء واشنطن
التقليديين.
هل تغير واشنطن موقفها؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن
الولايات المتحدة انتقلت إلى تبني سياسة رسمية جديدة بشأن الوحدة الأيرلندية. لكن تصريح ترامب يحمل قيمة
سياسية ورمزية لا يمكن تجاهلها. فحين يقول الرئيس الأمريكي إنه "يحب أن يرى" أيرلندا موحدة،
ويتوقع أن يحدث ذلك "في نهاية المطاف"، ثم يضيف أنه "قد يحدث الآن"،
فإن ذلك يمنح قضية الوحدة زخماً دولياً، حتى وإن ظل القرار الفعلي خاضعاً للآليات
الديمقراطية في أيرلندا الشمالية.
كما أن تصريحاته تضع الحكومة البريطانية
أمام واقع سياسي جديد: رئيس أميركي موجود في دبلن لا يكتفي بالتأكيد على العلاقات
الأمريكية ـ الأيرلندية، بل يعلن تفضيله الشخصي لنتيجة دستورية من شأنها، إذا
تحققت، أن تنهي اتحاد أيرلندا الشمالية مع المملكة المتحدة.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى تلك النتيجة لا
يزال يمر من بوابة واحدة: الإرادة الديمقراطية لسكان أيرلندا الشمالية. ولذلك قد
يكون الأهم في تصريحات ترامب ليس أنها أعلنت قرب قيام أيرلندا الموحدة، وإنما أنها
كشفت بوضوح عن استعداده للحديث عن هذا الاحتمال باعتباره نتيجة سياسية مشروعة، بل
نتيجة يفضل شخصياً رؤيتها.
وفي بلد ما زالت ذاكرته السياسية مثقلة
بعقود من الصراع، فإن السؤال الذي يظل مفتوحاً ليس فقط: هل ستتحد أيرلندا؟ بل
أيضاً: متى، وبأي شروط، وبأي صيغة تحفظ حقوق وهوية من يريدون البقاء جزءاً من
المملكة المتحدة؟
أيرلندا وملف الوحدة.. من التقسيم إلى "استفتاء
الحدود"
تقع جزيرة أيرلندا في أقصى غرب أوروبا، وتضم
اليوم دولتين سياسيتين: جمهورية أيرلندا التي تشغل معظم مساحة الجزيرة، وأيرلندا
الشمالية التي تتكون من ست مقاطعات وتشكل جزءاً من المملكة المتحدة.
ولم يكن هذا التقسيم قائماً بصورته الحالية
طوال تاريخ الجزيرة، بل جاء نتيجة قرون من الصراع على العلاقة مع بريطانيا، قبل أن
يتحول في القرن العشرين إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في أوروبا.
من الحكم البريطاني إلى التقسيم
خضعت أيرلندا لقرون من النفوذ والحكم
البريطاني، فيما تطورت داخل الجزيرة حركة قومية أيرلندية طالبت بالحكم الذاتي ثم
بالاستقلال عن بريطانيا.
وبعد حرب الاستقلال الأيرلندية، أُبرمت المعاهدة
الأنجلو ـ أيرلندية عام 1921، التي مهدت لإنشاء الدولة الأيرلندية الحرة، بينما
بقيت ست مقاطعات في شمال شرق الجزيرة ضمن المملكة المتحدة.
وفي عام 1922 أصبحت الدولة الأيرلندية
الجديدة كياناً سياسياً مستقلاً بدرجة كبيرة، ثم تطورت لاحقاً إلى جمهورية أيرلندا
الحالية.
أما أيرلندا الشمالية فبقيت داخل المملكة
المتحدة، وهو ما أدى إلى ترسيخ انقسام سياسي وهوياتي استمر لعقود.
وكان الانقسام يحمل بعداً سكانياً ودينياً
وسياسياً في الوقت نفسه: فغالبية المجتمع الوحدوي في أيرلندا الشمالية كانت مرتبطة
تاريخياً بالتقاليد البريطانية والبروتستانتية، بينما كان المجتمع القومي
الأيرلندي يرتبط بصورة أكبر بالهوية الأيرلندية والكاثوليكية، مع أن الواقع
الاجتماعي والسياسي أكثر تنوعاً وتعقيداً من هذا التقسيم الثنائي.
الاضطرابات.. عقود من العنف
بلغ الصراع ذروته خلال الفترة التي عُرفت
باسم "الاضطرابات"، التي امتدت بصورة أساسية من أواخر ستينيات القرن
الماضي إلى اتفاق السلام عام 1998.
وكان الصراع يدور حول مستقبل أيرلندا
الشمالية: هل تبقى جزءاً من المملكة المتحدة أم تنضم إلى جمهورية أيرلندا في دولة
أيرلندية موحدة؟
وشهدت تلك العقود أعمال عنف نفذتها جماعات
جمهورية ووحدوية، إضافة إلى مواجهات مع قوات الأمن البريطانية، وأسفرت عن مقتل
أكثر من 3,500 شخص وإصابة عشرات الآلاف.
وكان الجيش الجمهوري الأيرلندي (IRA) أبرز
التنظيمات الجمهورية المسلحة، فيما ظهرت في الجانب الآخر تنظيمات وحدوية مسلحة عدة.
ولم يكن الصراع مجرد مواجهة بين مجموعات
مسلحة، بل انعكس على الحياة السياسية والاجتماعية في أيرلندا الشمالية، وأدى إلى
استقطاب عميق بين قطاعات من المجتمع.
اتفاق الجمعة العظيمة.. التسوية التاريخية
جاء التحول الكبير عام 1998 مع توقيع اتفاق
بلفاست، المعروف باسم اتفاق الجمعة العظيمة. وشكل الاتفاق تسوية سياسية تاريخية
شاركت فيها حكومات وأحزاب من أيرلندا الشمالية، بدعم ومشاركة أمريكية، وأسست لنظام
جد يد لتقاسم
السلطة بين التيارات السياسية المختلفة.
وكان أحد أهم عناصر الاتفاق أنه لم يحسم
مسألة الوحدة أو بقاء أيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة لصالح أي طرف. بدلاً من ذلك، أرسى ما
يعرف بـ "مبدأ الموافقة" ومعنى ذلك أن الوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية
لا يتغير إلا إذا عبّر غالبية سكانها عن رغبتهم في ذلك عبر الوسائل الديمقراطية. وبالتالي، فإن أيرلندا
الشمالية تبقى جزءاً من المملكة المتحدة ما دامت أغلبية سكانها ترغب في ذلك، لكن
الاتفاق يعترف في الوقت نفسه بحق السكان في السعي سلمياً إلى قيام أيرلندا موحدة.
كيف يمكن أن تحدث الوحدة؟
هذه النقطة هي جوهر ملف الوحدة اليوم. ينص اتفاق الجمعة العظيمة
على إمكانية إجراء استفتاء بشأن الوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية، وهو ما يُعرف
عادة باسم "استفتاء الحدود",
ويملك وزير الدولة البريطاني لشؤون أيرلندا
الشمالية صلاحية الدعوة إلى مثل هذا الاستفتاء إذا بدا له أن هناك احتمالاً لأن
تؤيد أغلبية المصوتين تغيير الوضع الدستوري. وإذا صوتت الأغلبية في
أيرلندا الشمالية لصالح الوحدة، فإن الاتفاق يتيح بدء عملية تحقيق هذا التغيير. كما أن الاتفاق يتصور
إجراء استفتاء في جمهورية أيرلندا أيضاً في إطار عملية الانتقال إلى دولة أيرلندية
موحدة.
وهنا تكمن أهمية القضية: الوحدة ليست قراراً
يمكن للحكومة البريطانية أو الأيرلندية فرضه من طرف واحد، كما أنها ليست نتيجة
تلقائية لتغير ميزان القوى الانتخابي؛ بل لها آلية دستورية متفق عليها.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا عاد الحديث عن الوحدة؟
ظل ملف الوحدة الأيرلندية حاضراً طوال سنوات
السلام، لكنه اكتسب زخماً أكبر في السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من التحولات
السياسية والديموغرافية. وكان أحد أهمها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فأيرلندا الشمالية أصبحت
بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خارج الاتحاد الأوروبي، بينما بقيت جمهورية
أيرلندا عضواً فيه.
وأصبح الحفاظ على الحدود المفتوحة بين شمال
الجزيرة وجنوبها أحد أكثر الملفات حساسية في مفاوضات بريكست، نظراً إلى أن إعادة
إقامة حدود مادية بين الجانبين كانت ستشكل تهديداً مباشراً لأحد إنجازات اتفاق
الجمعة العظيمة.
وفي النهاية، جرى اعتماد ترتيبات خاصة
بأيرلندا الشمالية لتجنب الحدود الجمركية التقليدية على الجزيرة، وإن أثارت تلك
الترتيبات بدورها خلافات سياسية حادة، خصوصاً بين القوى الوحدوية.
التحول الديموغرافي والسياسي
هناك عامل آخر يتمثل في التغيرات
الديموغرافية والسياسية داخل أيرلندا الشمالية. ففي تعداد عام 2021، أصبحت
نسبة السكان الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم كاثوليك أو نشأوا في خلفية كاثوليكية أكبر
قليلاً من نسبة البروتستانت أو المنتمين إلى طوائف مسيحية أخرى، في تحول تاريخي عن
التركيبة التي كانت سائدة لعقود.
لكن الهوية الدينية لا تساوي بصورة آلية
الموقف السياسي من الوحدة؛ فليس كل كاثوليكي مؤيداً للوحدة، وليس كل بروتستانتي
معارضاً لها. والأهم سياسياً أن
الانتخابات الأخيرة شهدت تحولات مهمة في موازين القوى.
ففي انتخابات جمعية أيرلندا الشمالية عام
2022، أصبح حزب شين فين، وهو الحزب القومي الأبرز، أكبر حزب في الجمعية، في تطور
تاريخي جعله مؤهلاً لتولي منصب الوزير الأول في نظام تقاسم السلطة.
وفي انتخابات 2024 العامة في المملكة
المتحدة، حقق شين فين أيضاً نتائج مهمة، مع استمرار امتناعه عن شغل مقاعده في مجلس
العموم البريطاني التزاماً بسياسته الجمهورية التقليدية.
لكن هل تعني هذه التحولات أن الوحدة أصبحت
وشيكة؟
ليس بالضرورة. فهناك فرق بين ارتفاع
التأييد لفكرة الوحدة وبين وجود أغلبية مستقرة ومستعدة للتصويت لصالحها في استفتاء. كما أن القضية لا تُحسم
بالهوية القومية وحدها.
فبالنسبة إلى كثير من الوحدويين، تعني
الوحدة الأيرلندية تغييراً جذرياً في الدولة التي يعيشون فيها، وقد تثير مخاوف
بشأن الهوية البريطانية، والرموز والمؤسسات، والعلاقات مع بريطانيا.
وفي المقابل، يرى القوميون والجمهوريون أن
التحولات السياسية والديموغرافية تجعل النقاش حول مستقبل الجزيرة أكثر إلحاحاً،
خصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
لذلك يدور جانب كبير من النقاش الحالي حول
سؤال أكثر تعقيداً من مجرد "الوحدة أم الاتحاد": كيف يمكن بناء دولة
أيرلندية موحدة تكون مقبولة أيضاً بالنسبة إلى السكان الذين يعتبرون أنفسهم
بريطانيين؟
الجمهورية الأيرلندية نفسها تغيّرت
ومن المفارقات أن النقاش حول الوحدة لم يعد
يجري في أيرلندا الشمالية وحدها. فجمهورية أيرلندا شهدت بدورها تحولاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً خلال
العقود الأخيرة، وأصبحت أقل ارتباطاً بالمؤسسات والهوية الكاثوليكية التقليدية،
كما تغيرت مواقف المجتمع من قضايا اجتماعية عديدة.
وهذا يعني أن مشروع الوحدة، إذا وصل إلى
مرحلة جدية، لن يكون مجرد «إعادة توحيد» جغرافية، وإنما سيكون مشروعاً لإعادة
تصميم ترتيبات سياسية ودستورية واقتصادية لدولة جديدة أو معاد تشكيلها.
بريطانيا لا تستطيع تجاهل الملف
بالنسبة إلى لندن، تظل أيرلندا الشمالية
جزءاً من المملكة المتحدة بموجب الوضع الدستوري القائم. لكن اتفاق الجمعة العظيمة
ألزم بريطانيا أيضاً باحترام حق سكان الجزيرة في تقرير مستقبلهم ديمقراطياً.
ومن هنا تنشأ حساسية ما يسمى "استفتاء
الحدود": فإذا خلصت الحكومة البريطانية إلى وجود احتمال حقيقي لتصويت
الأغلبية لصالح الوحدة، فقد تصبح مطالبة بإجراء الاستفتاء وفق الشروط المنصوص
عليها في الاتفاق.
أما إذا لم ترَ وجود أساس كاف لذلك، فإنها
تستطيع الامتناع عن الدعوة إليه. وهذا يجعل توقيت الاستفتاء وشروط الدعوة إليه من أكثر القضايا إثارة
للجدل في السياسة الأيرلندية والبريطانية.
دور الولايات المتحدة
تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقة تاريخية
وثيقة بأيرلندا، ويرجع ذلك جزئياً إلى حجم الجالية الأيرلندية الأمريكية وإلى
الدور الذي لعبته واشنطن في دعم عملية السلام.
وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون من
أبرز الرؤساء الأمريكيين الذين انخرطوا في ملف السلام الأيرلندي، كما لعب مبعوثه
الخاص جورج ميتشل دوراً مهماً في المفاوضات التي قادت إلى اتفاق الجمعة العظيمة.
ومنذ ذلك الوقت، حافظت الإدارات الأمريكية
المتعاقبة على اهتمام خاص باستقرار أيرلندا الشمالية. لكن تصريحات ترامب الحالية
تكتسب حساسية مختلفة لأنها لا تقتصر على دعم عملية السلام أو الدعوة إلى احترام
الاتفاق، بل تتضمن تعبيراً شخصياً واضحاً عن تفضيله قيام أيرلندا موحدة.
ملف الوحدة اليوم
يمكن اختصار المشهد الحالي في ثلاث حقائق:
أولاً ـ أيرلندا الشمالية لا تزال جزءاً من
المملكة المتحدة، ولا يوجد تغيير دستوري وشيك لمجرد أن النقاش حول الوحدة تصاعد.
ثانياً ـ اتفاق الجمعة العظيمة جعل الوحدة
نتيجة ديمقراطية ممكنة، إذا أيدتها أغلبية سكان أيرلندا الشمالية وفق الآليات
المنصوص عليها.
ثالثاً ـ التحولات الديموغرافية والانتخابية
وبريكست جعلت سؤال الوحدة أكثر حضوراً من أي وقت مضى، لكنها لم تحسم بعد ما إذا
كانت هناك أغلبية مستقرة لصالحها.
ولهذا فإن تصريحات ترامب من دبلن مهمة
سياسياً، لكنها لا تختصر المعادلة. فمستقبل الجزيرة سيظل في النهاية مرتبطاً بموازين القوى داخل أيرلندا
الشمالية، وبقدرة دبلن ولندن والقوى السياسية في الشمال على صياغة تسوية يمكن أن
تستوعب هويتين سياسيتين متعارضتين تاريخياً داخل إطار واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الحقيقي الذي
يواجه ملف الوحدة ليس فقط ما إذا كانت أيرلندا ستصبح دولة موحدة، وإنما كيف يمكن
تحقيق ذلك من دون إعادة إنتاج الانقسام الذي أنهى اتفاق الجمعة العظيمة عقوداً من
العنف بسببه.
اظهار أخبار متعلقة