لماذا يهددنا "حليفنا"؟.. تساؤلات عمانية وسط تصاعد التوتر؟

العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشمل مشروعًا يحمل علامة ترامب التجارية - جيتي
العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشمل مشروعًا يحمل علامة ترامب التجارية - جيتي
شارك الخبر
أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف سلطنة عمان حالة من الدهشة داخل البلد الخليجي، الذي حافظ لعقود على سياسة تقوم على الحياد والوساطة بين الخصوم، بينما يجد العمانيون أنفسهم أمام تساؤلات بشأن أسباب تحول حليف لواشنطن إلى هدف لتهديدات عسكرية أمريكية.

أكدت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير أعدته راشيل تشاسون، إلى أن ترامب قال لشبكة "فوكس نيوز"، في سياق حديثه عن جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز: "إذا وقفت عمان في طريقنا، فسوف نقصفها بشدة"، وهو التهديد الذي بدا مفاجئًا بالنسبة إلى كثير من العمانيين.

وتابعت "واشنطن بوست" أن رد الفعل داخل السلطنة اتسم بالحيرة، إذ إن العمانيين، رغم عدم ميلهم إلى التباهي كجزء من ثقافتهم، يشعرون بالفخر ببلدهم الصغير الواقع في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، والذي يتمتع بطبيعة تضم السلاحف البحرية وواحات المياه العذبة بين الجبال الوعرة، إلى جانب شعب يشتهر بكرم الضيافة والبساطة في منطقة ترتبط غالبًا بالثروات الكبيرة.

ولفتت الصحيفة إلى أن سلطنة عمان اكتسبت، رغم تعقيدات الشرق الأوسط، سمعة مرتبطة بالحياد والوساطة، وهو الدور الذي ظهر بوضوح في الأشهر الماضية مع استضافتها مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وأوضحت "واشنطن بوست" أن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي توسط في ثلاث جولات من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران خلال شباط / فبراير ، وفي أعقاب اجتماع عقد في جنيف يوم 26 شباط / فبراير ، أعلن البوسعيدي عن تحقيق "تقدم ملحوظ".

وفي اليوم التالي، قال البوسعيدي خلال ظهوره في برنامج "واجه الأمة" على شبكة "سي بي إس" إن "اتفاق سلام بات في متناول أيدينا".

لكن في اليوم التالي مباشرة، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، ما أدى إلى اندلاع حرب قالت الصحيفة إنها لم تنته بعد مرور أكثر من ستة أشهر.

وأشارت الصحيفة إلى أن تهديد ترامب في 17 أغسطس/آب بدا أكثر صدمة بالنسبة للعمانيين، خصوصًا أن إطار السلام المبدئي الذي وقعه الرئيس الأمريكي مع طهران في يونيو/حزيران نص على أن تجري سلطنة عمان "حوارًا" مع إيران بشأن مستقبل مضيق هرمز.

ونقلت "واشنطن بوست" عن الباحث العماني عبد الله بعبود، أستاذ كرسي دولة قطر للدراسات الإسلامية بجامعة واسيدا في طوكيو، وصفه تهديد ترامب بأنه "أمر شائن"، معتبرًا أن ذلك يلخص مشاعر عبّر عنها عمانيون خلال الأيام الأخيرة.

وقال بعبود: "لم نفعل خطأ، وكنا نحاول مساعدة الولايات المتحدة"، في إشارة إلى الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، مضيفًا: "هذه هي طبيعتنا".

اظهار أخبار متعلقة


وتابعت الصحيفة أن سلطنة عمان كانت مقررة لاستضافة اجتماع لوزراء خارجية دول الخليج العربي، من بينها إيران، لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز، وفقًا لوزارة الخارجية الإيرانية.

وأشارت إلى أن عقد الاجتماع كان يمكن أن يزيد غضب ترامب تجاه مسقط أو يجعل السلطنة عرضة لمزيد من التهديدات الأمريكية، إلا أن الاجتماع ألغي بسبب عدة أسباب، من بينها اعتراض دول خليجية على مشاركة إيران.

ومنذ إطلاق ترامب تهديداته، بدأ كثير من العمانيين في إعادة النظر في طبيعة العلاقات الطويلة والمعقدة أحيانًا بين بلادهم والولايات المتحدة، وفي الطريقة التي تعبّر بها عمان، المعروفة بتكتمها، عن مواقفها وتاريخ سياستها الخارجية.

وقالت الصحيفة إن عددًا من العمانيين لم يأخذوا تهديد ترامب على محمل الجد، لكنهم يشعرون بالقلق بشأن ما الذي سمعه الرئيس الأمريكي تحديدًا عن السلطنة ودفعه إلى الغضب منها، إضافة إلى القلق مما يمكن أن تفكر فيه دول أخرى تجاه عمان.

ويرى بعض العمانيين، بحسب التقرير، أن الوقت قد يكون حان لكي تقلل مسقط من صمتها المعتاد.

وقال بعبود: "لا نثير ضجة إعلامية لأن هذه ليست طريقة العمانيين. لكننا نعلم أن ذلك يؤدي إلى سوء فهمنا".

وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن أهمية سلطنة عمان ترتبط أيضًا بموقعها الجغرافي المحاذي لمضيق هرمز، إلى جانب اعتماد اقتصادها على الصيد، موضحة أن البلاد حكمت في وقت سابق إمبراطورية امتدت إلى شرق أفريقيا وصولًا إلى موزمبيق.

وتحكم عائلة البوسعيد سلطنة عمان منذ عام 1744، بينما يتولى السلطان هيثم بن طارق الحكم منذ عام 2020، بعد وفاة ابن عمه السلطان قابوس بن سعيد الذي حكم البلاد لنحو نصف قرن.

وأكدت الصحيفة أن السلطان قابوس كان صاحب الدور الرئيسي في تحديد سياسة السلطنة الخارجية القائمة على مبدأ "صداقة مع الجميع وبدون أعداء".

وخلال فترة حكمه، لعبت عمان دور الوساطة في الحرب العراقية-الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، كما توسطت في حل المقاطعة الخليجية لقطر، وشاركت في جهود الوساطة خلال الحرب الأهلية اليمنية.

لكن الصحيفة أشارت في الوقت نفسه إلى أن سياسة الحياد العمانية لم تخل من الانتقادات، ولا سيما بسبب قرار مسقط عدم قطع علاقاتها مع مصر بعد توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979.

كما أثارت رعاية عمان للقنوات السرية المرتبطة باتفاق إدارة باراك أوباما النووي مع إيران غضب عدد من الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية.

وأوضحت "واشنطن بوست" أن عمان تواجه في الوقت الحالي انتقادات بسبب عدم اتخاذها موقفًا واضحًا من إيران، التي استهدفت دول الخليج بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة.

اظهار أخبار متعلقة


ورغم دخول ترامب في الحرب مع إيران، واصلت عمان المشاركة في جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان، بالتوازي مع هذه الجهود وبصورة سرية.

وفي الأسابيع الأخيرة، تساءل عمانيون عن الأسباب التي دفعت ترامب إلى تهديد بلادهم في أيار / مايو ، عندما قال إنه إذا لم "تتصرف بشكل جيد"، فقد تواجه عواقب.

ونقلت الصحيفة عن عبد الوهاب البلوشي، وهو رجل أعمال عماني درس في جامعات أمريكية من خلال منح حكومية، قوله: "لا بد أنه سمع شيئًا، لكننا لا نعلم ما هو".

وأضاف البلوشي، وهو عضو حالي في مجلس إدارة جامعة مسقط: "كان الوضع مختلفًا في عهد كارتر وريغان وبوش وفي عهد الجميع".

من جانبه، قال تايلر باركر، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة ميرسر بولاية جورجيا والمتخصص في الشؤون العمانية، إن ترامب شعر بالإحباط من عمان في البداية بسبب اعتقاده بأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي طلبت إدارة أوباما من السلطنة التوسط بشأنه، كان منحازًا ضد الولايات المتحدة.

وأشار باركر إلى أن ترامب عاد ليغضب من عمان خلال الأشهر الأخيرة بسبب اعتقاده بأن مسقط "أقرب إلى إيران".

وتابع: "لطالما كانت عمان وسيطًا حذرًا جدًا"، مضيفًا أن "إدارة ترامب وجدت صعوبة في فهم هذا النوع من السياسة الخارجية".

ونقلت "واشنطن بوست" عن دبلوماسي أمريكي سابق، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، قوله إن جزءًا من المسؤولية يقع على عاتق العمانيين، بسبب سماحهم للنظام الإيراني بتشكيل الرواية، بما في ذلك تأخرهم في دحض فكرة دعم عمان لنظام الرسوم المقترح في المضيق.

وأضاف الدبلوماسي السابق: "لم يدل العمانيون بتصريحات تذكر، مما جعل من معرفة ما يجري أمرًا صعبًا ويحتمل أن يسمع ترامب شيئًا ما فيشن هجومًا لاذعًا".

وفي الأسبوع الماضي، أكد البوسعيدي أنه "لم يتم التوصل إلى حل بعد" بشأن الجهود العمانية الرامية إلى ضمان حرية مرور السفن.

كما اتهم "بعض قادة العالم" بتهميش الدبلوماسيين المحترفين ومحاولة التوسط في اتفاقات بأنفسهم.

اظهار أخبار متعلقة


وكتب وزير الخارجية العماني في صحيفة "فايننشال تايمز": "لكننا لن ننسحب".

وتابعت الصحيفة أن بعض العمانيين تعاملوا بسخرية مع تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز، بما في ذلك حديثه عن إعادة تسمية المضيق باسمه أو إعلانه أرضًا أمريكية، كما فعل الشهر الماضي.

ونقلت "واشنطن بوست" عن يوسف البلوشي، وهو صياد ومهندس متقاعد، قوله إن العمانيين ضحكوا عندما سمعوا ترامب يتحدث بهذه الطريقة.

وأضاف أن الرئيس الأمريكي يبدو، من وجهة نظره، وكأنه لا يفهم أبسط قواعد الجغرافيا والتاريخ، قائلًا: "المدخل بأيدينا، لطالما كان كذلك نحن من نملك الباب".

وعندما سُئل عن تهديدات ترامب، قال: "إنه لا يفكر، إنه يتكلم فقط، عليه أن يفكر قبل أن يتكلم".

وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن العلاقات التاريخية بين عمان والولايات المتحدة تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما رست سفينة أمريكية، هي "بوسطن رامبلر"، في ميناء مسقط.

وفي عام 1840، أصبح عماني أول دبلوماسي عربي يزور الولايات المتحدة، وكان يحمل معه سجادًا فارسيًا وتمورًا وجلود إبل.

وفي السنوات الأخيرة، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 4 مليارات دولار سنويًا، كما تعد عمان واحدة من نحو 20 دولة تربطها بالولايات المتحدة اتفاقيات تجارة حرة شاملة، وفقًا لغرفة التجارة الأمريكية في عمان.

وتشمل العلاقات الاقتصادية بين البلدين أيضًا مشروعًا يحمل علامة ترامب التجارية، يتمثل في ملعب غولف تبلغ تكلفته 500 مليون دولار، ويقع في التلال المطلة على خليج عمان، ومن المقرر افتتاحه عام 2028.

وقال علي داود، رئيس غرفة التجارة في عمان: "العلاقة بيننا عميقة وطويلة الأمد وقوية ولطالما كنا حليفًا قويًا للولايات المتحدة".

لكن الصحيفة أشارت إلى أن العلاقات بين البلدين لم تخل من تحديات في السنوات الأخيرة.

فبعد طوفان الأقصي في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وبالتزامن مع حصار إسرائيل لقطاع غزة، قاطع العمانيون الشركات الأمريكية في البلاد بصورة واسعة، إلى درجة أن بعض هذه الشركات أغلقت أبوابها.

ولفتت "واشنطن بوست" إلى أنه حتى الآن يصعب العثور على مشروب كوكاكولا في العديد من المطاعم في عمان، بسبب اعتقاد البعض بأن الشركة تدعم إسرائيل.

وقال داود إن عددًا كبيرًا من العمانيين استاؤوا أيضًا من بدء الحرب في شباط / فبراير ، رغم استمرار عمان في أداء دور الوساطة.

وأضاف أن كثيرين "استاؤوا من تصريحات ترامب، كما هو متوقع"، رغم أن أحدًا "لم يصدقها حقًا"، مؤكدًا في الوقت نفسه: "علاقتنا أقوى من أي رئيس".
التعليقات (0)