ستبقى الجزائر موحدة الشعب والهوية ما بقيت مسلمة عربية

يتبين من روح البيان النوفمبري أن الجزائر وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال سنة 1830 فإنها لم ترضخ ولم تستسلم قط لإرادة المحتل، ولم تتخل عن روحها الوطنية الأصيلة، ولم ترض بالاندماج في الكيان الأجنبي الدخيل..
يتبين من روح البيان النوفمبري أن الجزائر وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال سنة 1830 فإنها لم ترضخ ولم تستسلم قط لإرادة المحتل، ولم تتخل عن روحها الوطنية الأصيلة، ولم ترض بالاندماج في الكيان الأجنبي الدخيل..
شارك الخبر
في الجزائر، لا تزال أسئلة اللغة والهوية والعلاقة بفرنسا مفتوحة على سجال يتجاوز حدود الاختلاف الثقافي إلى صميم تصور الدولة والمجتمع والذاكرة الوطنية؛ فمنذ الاستقلال لم ينقطع الجدل حول موقع العربية، وحضور الفرنسية، والامتداد الأمازيغي، وحدود الانتماء العربي والإسلامي، وما إذا كانت العلاقة بالماضي الاستعماري قد تحولت من إرث تاريخي إلى تأثير ثقافي ولغوي مستمر.

وفي هذا السياق، تنشر "عربي21" ضمن مقالاتها الخاصة للدكتور أحمد بن نعمان، المؤرخ والباحث الجزائري، هذا المقال الذي يعود فيه إلى نصوص الحركة الوطنية وبيان أول نوفمبر وتجربة جمعية العلماء المسلمين، ليجادل بأن وحدة الجزائر، في تصوره، ارتبطت تاريخيا بالإسلام والعربية، وأن معركة الاستقلال لم تكن سياسية وعسكرية فحسب، وإنما كانت أيضا معركة على الشخصية الثقافية واللغوية للبلاد.

ويطرح بن نعمان، في قراءة صريحة ومثيرة للجدل، سؤالا يتصل بجوهر الدولة الجزائرية بعد الاستقلال: هل يمكن بناء هوية وطنية موحدة مع تعدد المرجعيات اللغوية والثقافية، أم أن العربية والإسلام يمثلان، كما يرى، الأساس الذي حافظ على تماسك الشخصية الجزائرية في مواجهة مشروع الفرنسة والاندماج الذي فرضه الاستعمار الفرنسي لأكثر من قرن؟

وبين التاريخ الذي يستدعيه الكاتب، والواقع الجزائري الذي ما زالت الفرنسية والعربية والأمازيغية تتجاور فيه بدرجات متفاوتة من الحضور، يعود النقاش القديم إلى الواجهة: أي جزائر يريد الجزائريون أن يعرّفوا أنفسهم بها، وما الذي بقي من معركة الهوية بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال؟


الجزائر مسلمة

إن الجزائر  مسلمة  وستظل كذلك إن شاء الله  بإرادة المخلصين من أبنائها الواعين الرافضين للاستحلال  مثلما كانوا رافضين للاحتلال وقاوموه من البداية حتى النهاية  متمسكين بوحدتهم وهويتهم الوطنية التي تحطمت على صخرتها الصلبة كل المخططات الفرنسية كما أثبتنا في عدة مقالات سابقة ذات صلة.

مثلما لا توجد (فرنسا الفرنسية) ولا (ألمانيا الألمانية.!؟) لاتوجد كذلك (جزائر جزائرية) "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب" وليس إلى فرنسا أو أوروبا ينتسب!؟ والانتماء هنا أساسه اللغة المتبناة للدولة السيدة والشعب الناطق بها. وهي التي تعطي اسم الشعب في الغالب كقاعدة عامة!؟ مثلما نرى في تسمية المملكات والإمارات والجمهوريات العربية كالعراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا وما إلى ذلك..
ولكن لابد للجزائر الدولة المستقلة من صفة انتماء كما حددها رائد نهضتها وجهادها على الجبهة الثقافية والهوياتية الإمام عبد الحميد بن باديس بقوله:

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب ...
من قال حاد عن اصله  او قال مات فقد كذب..
أو رام إدماجا له رام المحال من الطلب"

فصيغة أو خرافة (الجزائر الجزائرية) قد دفنتها الثورة المباركة مع  صاحبها المناور الجنرال دوجول سنة 1962 بالاستفتاء الساحق على تقرير المصير الأخير!؟

ومثلما لا توجد (فرنسا الفرنسية)  ولا (ألمانيا الألمانية.!؟) لاتوجد كذلك (جزائر جزائرية)
"شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب" وليس إلى فرنسا أو أوروبا  ينتسب!؟ والانتماء هنا أساسه اللغة المتبناة للدولة السيدة والشعب الناطق بها. وهي التي تعطي اسم الشعب في الغالب كقاعدة عامة!؟ مثلما نرى في تسمية المملكات والإمارات والجمهوريات العربية  كالعراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا وما إلى ذلك..

وتوجد استثتاءات (كأمريكا والبرازيل والميكسيك وبلجيكا وكندا والأرجنتين وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا ولبنان والبحرين والصومال وجزر القمر وذلك كله لحسابات ذات علاقة بالمستعمر السابق واللاحق (..).

فالشعب الجزائري بناء على نص البيان النوفمبري الخالد بالنسبة للهوية الموحدة العناصر كما شرحناها هنا وفي مؤلفاتنا مرارا.. إما أن تكون (فرنسية مسلمة) أو (عربية مسلمة...) أو (بربرية مسلمة) ولكن لا يمكن أن تكون (عربية فرنسية) أو (عربية بربرية) في الوقت ذاته مع المحافظة على وحدتها الترابية والشعبية!؟.. وهذا هو الأمر الذي فصل فيه تطبيق البيان النوفمبري بأغلى ثمن من التضحيات في التاريخ  المعاصر.!؟ والرقم معروف وقد أصبح علما على الجزائر في كل بلدان العالم، حيث تعرف بأنها بلد المليون ونصف المليون شهيد من أجل الهوية قبل أوراق الجنسية!؟.          

إن اللغة الوحيدة المكتوبة في الجزائر وكل البلاد المغربية منذ 14 قرنا هي العربية التي تبناها أجدادنا تلقائيا مع الإسلام وحكموا بهآ أنفسهم وعلموا بها أوروبا في جامعات بجاية وتلمسان وفاس وقرطبة لعدة قرون زاهرة هي العربية فقط وليست أية لغة أخرى!؟ ودين الجزائر هو الإسلام أيضا بنص الدستور بناء على نص بيان نوفمبر المرجع الأبدي للجزائر الموحدة ترابا وشعبا!

اعترفوا بهذا أيها الجزائريون مثل كل الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار والأحرار.. وسموا  الجزائر (جزائر) فقط، (دون أية صفة مضافة!؟) لأنها هي وكل البلاد المغربية في الواقع لا تختلف ثقافيا وهوياتيا عن مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها من باقي البلاد الإسلامية العدنانية أي المستعربة (بالرسالة وليس بالسلالة) على غرار نبيها المصطفى العدناني (وليس الكلداني!؟) علما أن جده إسماعيل ابن إبراهيم هو كلداني من العراق وليس من أم القرى في الحجاز، حيث أمره الله بالهجرة إليها مع زوجه هاجر القبطية وابنهما إسماعيل لإعادة  بناء اأول بيت وضع للناس بمكة المكرمة.

 وعلى هذا الأساس قلنا منذ نصف قرن وما نزال نكرر (على ضوء السيرة النبوية) لحكمة  يعلمها الله مدبر الأكوان وحده بأن العروبة باللسان والرسالة وليس بالدماء والسلالة.!؟ وإن أكرم الناس عند الله اتقاهم في كل مكان على امتداد اللسان والآذان من الصين إلى بجاية وتلمسان وطنجة وتيطوان.!؟

إن دولة البرازيل المتعددة الأعراق والألوان (الهندية الحمراء) لغتها هي البرتغالية الرومانية... والميكسيك مثلها في الأصول الهندية الأمريكية لغتها الإسبانية الرومانية كذلك.. وأمريكا نفسها وكندا (بازار الأعراق والألوان البشرية..) لغتهما الإثنان هي الإنجليزية..!؟

هذه اللغة التي لم تكن شيئا مذكورا قبل خمسة قرون فقط مثل أختها الفرنسية (الرومية) لهجة باريس الحالية الغازية لأقطارنا والمسيطرة على مقدراتنا.!؟ فلا عنصرية ولا عرقية في الإسلام والشعوب تأخذ أسماءها من أسماء لغاتها كقاعدة عامة (وليس كاستثناء) وإن لم  تعلنها من الناحية الشكلية!!

وإن إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس (البربري الصنهاجي)  قد حسم الصفة الخالدة بقوله قبل نوفمبر بعقود  "شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب.." وتفصيله العلمي والديني  دبجه في مقال رائع  له بعنوان  "كيف صارت الجزائر عربية!؟" راجعوا نصه الكامل في مقال  سابق  ذي صلة بعنوان  "الشعوب العظيمة تفتن في الشدائد الأليمة"، وبلغة نوفمبر  نقول: "نحن جزائريون.. فنحن  اذن عرب مسلمون".

وليس للمرتدين (دينياً أو وطنياً) كلمة غالبة في الجزائر قبل نوفمبر وحتى الآن والحمد لله  والصناديق (غير المزورة) تشهد على ذلك من عهد نيجلان إلى إدارتنا القائمة الآن.. !؟ وما وحدته يد الرحمان بالإسلام والعربية لا تفرقه يد الشيطان بالردة والتفرقة العنصرية مهما تكن جاهلية عصبية قبلية!؟

إن اللغة الوحيدة المكتوبة في الجزائر وكل البلاد المغربية منذ 14 قرنا هي العربية التي تبناها أجدادنا تلقائيا مع الإسلام وحكموا بهآ أنفسهم وعلموا بها أوروبا في جامعات بجاية وتلمسان وفاس وقرطبة لعدة قرون زاهرة هي العربية فقط وليست أية لغة أخرى!؟ ودين الجزائر هو الإسلام أيضا بنص الدستور بناء على نص بيان نوفمبر المرجع الأبدي للجزائر الموحدة ترابا وشعبا!
وإن تقرير المصير النوفمبري  سنة 1962 أقوى دليل على ذلك بشهادة الأعداء قبل الأشقاء  والأصدقاء ونحن كلنا على ذلك شهود أحياء.. كما سنفصل ذلك كله في مقال لاحق.

وها هي المبادئ النوفمبرية الخالدة التي استشهد من أجلها أحرار الأمة في كل مكان من التراب الوطني  دون استثناء!؟ وإن كثرة الشهداء والعقداء والقادة الكبار في بعض الولايات هي متناسبة (طردياً) مع كثرة الخونة والعملاء الصغار والكبار أيضا!؟

وإن الخيانة والوطنية في الجزائر كما في معظم البلدان هي مسألة فئات وليست مسألة  عنصرية أو تفوق جهات على جهات أبدا!؟ ونص البيان المرجعي للثروة الجزائرية يخاطب  كل الجزائريين الوطنيين دون استثناء ويطالبهم بالاتحاد من أجل تحقيق أهداف الثورة المباركة التي يحددها بالنسبة للهوية الوطنية في النقاط التالية :

1 ـ "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية" (غير الشيوعية وغير اللائكية وغير الجهوية وغير العرقية  وغير العنصرية!؟)

2  ـ "تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي".

ونلاحظ هنا الإعلان الصريح عن الانتماء الطبيعي والهوية الوطنية ذات الأصل الثقافي والبعد الجغرافي والطبيعي (العربي الإسلامي)، وليس الإفريقي أو المتوسطي أو حتى النوميدي، فضلا عن الروماني أو اللاتيني  أو "الفرنكوفوني".

 3ـ "احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني".

ونلاحظ  هنا نفي التمييز العرقي بوضوح وعدم وجود كلمة" لغوي " في البند ، وهو ما يعني صراحة أن البيان النوفمبري الوحدوي والسيادي يقر حرية الاعتقاد وتعدد الأديان داخل المجتمع الواحد، كما هو شأن كل البلاد الإسلامية في العالم، وكما يقره الإسلام ذاته حيث يقر مبدأ (لا إكراه في الدين).. في نص القرءان الكريم، ولكن البيان يرفض التعدد اللغوي الرسمي، لأنه الفيصل القاطع في السيادة، وأن التلاعب فيه أو التلاعب به يؤدي حتما إلى ما لا يقبل التعدد على الإطلاق ألا وهو الهوية الوطنية لوحدة الشعب (لسانا ووجدانا) لأن الإنسان الجزائري لا يمكن أن يكون عربيا وغير عربي في الوقت ذاته أو يكون (عربيا فرنسيا ) أو (عربيا بربريا) في الوقت والمكان ذاته مع المحافظة على وحدة الشعب والوطن  كما  أسلفنا وكما أقره نص البيان ذاته، ونكرر بأن العروبة هنا ( أي الانتماء العربي الإسلامي) هو بالثقافة والرسالة واللسان فقط وليس بخرافة وحدة العنصر والسلالة على الإطلاق !!!

وإن  فرنسا ذاتها  بخليطها البشري من كل الألوان والأصول القارية... مع تمسكها السيادي بوحدتها الوطنية الترابية  واللسانية  والاجتماعية والسياسية لأقوى الأدلة على ما نقول للرد على المحتل الفرنسي ذاته لتفنيد ادعائه فيما يقول بالنسبة لواقع الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي وأثناءه وبعده حتى الآن!؟..

فكيف  للشعب الجزائري أن يكون عربيا مسلما تحت الاحتلال ثم يصبح فرنسيا لائكيا أو "فرنسيا جزائريا" بعدما  كان "مسلما فرنسيا" على الورق قبل ذلك لأكثر من مائة وثلاثين  سنة !!

4 ـ وتفاديا لاحتمالات المستقبل الذي قد يخبئه  للدولة الجزائرية الوطنية المستقلة  التي نعيش تحت رايتها اليوم.. يطالب البيان بحس وطني منقطع النظير وسابق لأوانه بعقود وكأنه استشرف ما يدور في أيامنا هذه من محاولة التلاعب بأسس الكيان ووحدة الهوية والانتماء لغير الأمة المحمدية (دينا ولسانا)  فيقول محررو البيان في أحد بنوده الصريحة مطالبين فرنسا المحتلة للبلاد والإصرار على فرنسة وتهجين الأحرار من العباد بضرورة: "الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية ملغية بذلك كل القرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر ارضا فرنسية التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري".

ونعتقد أن هذا الرفض القاطع للجنسية الفرنسية وهويتها اللغوية والدينية والثقافية، من أصحاب البيان، والذي يصرح فيه الثوار بأن للجزائر هوية وشخصية متميزة تتكامل فيها كل المقومات التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية والثقافية التي تجعلها غير فرنسية ..

وإذا لم تكن لغة الشعب الجزائري هي الفرنسية كما ينص البيان، ولم يكن دين الشعب هو المسيحية كما ينص البيان أيضا، فما هو بديل هذه اللغة و بديل هذا الدين غير العربية والإسلام المؤكدين في البندين (1و2 المذكورين آنفا).

وإذا قال بعضهم بأن اللغة المقصودة هنا في البيان ليست العربية فإننا نحيلهم على نص نشيد "فداء الجزائر" لحزب الشعب الجزائري، الذي ينتمي إليه كل مفجري ثورة نوفمبرالمجيدة  والقائل في أحد مقاطعه: "فلتحي الجزائر مثل الهلال، ولتحي فيها العربية" ويجسد شعاره الخالد المطبوع على بطاقات كل المناضلين في كافة أنحاء الوطن، وهو "الجزائر وطننا، الإسلام ديننا والعربية لغتنا" وهو الشعار ذاته الذي كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين   قد وضعته عند تأسيسها سنة 1931 غداة إحياء الذكرى المئوية للاحتلال والذي رفع المغتصبون  نعشا  يرمز إلى موت الإسلام ولغة القرآن  في الجزائر يومها أملا في البقاء  الأبدي في (الأندلس الثانية) إلى يوم يبعثون  ولذلك نقول دائما لولا تمسك شعبنا الموحد بالاسلام والعربية لكانت الجزائر غرناطة فرنسية..ا!؟

ويتبين من روح البيان النوفمبري أن الجزائر وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال سنة 1830 فإنها لم ترضخ ولم تستسلم قط لإرادة المحتل، ولم تتخل عن روحها الوطنية الأصيلة، ولم ترض بالاندماج في الكيان الأجنبي الدخيل.. وطوال 132 سنة لم تعرف المقاومة الشعبية معنى الراحة، وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين  (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع. حتى الاستفتاء على تقرير المصير في 5 يوليو 1962 والذي تم بموجب نتائجه الساحقة والشفافة أمام العالم كله بـ 97 % بـ (نعم) وهذا الاستفتاء كان بإلحاح من الجنرال دوجول على قيادة الثورة كما قال لي ذلك الرئيس بن يوسف بن خدة وقد أثبته في كتابي: (جهاد الجرائر: حقائق التاريخ ومغالطات الجغرافيا…) الصادر أثناء حياته رحمه الله بمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال سنة 1982!!
التعليقات (0)