لم تعد الحرب الاقتصادية
في العالم نتيجة الحروب في المنطقة تدور فقط داخل البنوك وغرف المقاصة وأسواق العملات،
بعدما أصبحت
الموانئ وخطوط الملاحة والممرات البحرية نقاطًا رئيسية في صراعات الدول
على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، حيث يظهر ذلك بوضوح في التطورات الأخيرة حول إيران
ومضيق هرمز، لكن الظاهرة تتجاوز الشرق الأوسط إلى إعادة تشكيل أوسع لعلاقة الاقتصاد
العالمي بالجغرافيا والسياسة.
وجاء
التصعيد الأمريكي
ضد إيران أمس الاثنين ليكشف هذا التحول بصورة واضحة، بعدما وسعت إدارة الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب عقوباتها على طهران، مستهدفة عشرات الأفراد والكيانات والسفن المرتبطة
بالتجارة والنفط الإيراني، مع تحذير الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران من
إمكانية تعرضها لعقوبات ثانوية.
وقال وزير الخزانة
الأمريكي سكوت بيسنت إن الدول الأخرى ستضطر إلى الاختيار بين التعامل مع إيران وبين
الحفاظ على إمكانية الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
لكن اللافت في هذه
المواجهة أن العقوبات لم تعد تستهدف الأموال فقط؛ فالسفن التي تنقل النفط، والشركات
التي تشغلها، والموانئ التي تستقبلها، والممرات التي تمر عبرها، أصبحت جميعها جزءًا
من الحسابات الاقتصادية والسياسية.
عندما تتحول السفينة
إلى أداة ضغط
كان النظام المالي
العالمي لعقود يمثل إحدى أهم أدوات العقوبات، فإذا أرادت دولة معاقبة دولة أخرى، يمكنها
منع بنوكها من الوصول إلى الدولار، وتجميد الأصول، وفرض قيود على التحويلات، أو معاقبة
المؤسسات التي تتعامل معها، لكن
التجارة العالمية لا تتحرك بالأموال وحدها.
هناك سلعة تحتاج إلى
سفينة، وسفينة تحتاج إلى ميناء، والميناء مرتبط بشبكة طرق برية وسكك حديدية ومخازن،
بينما تحتاج السفينة إلى التأمين والتمويل والخدمات اللوجستية، ولذلك فإن تعطيل حلقة
واحدة من هذه السلسلة يمكن أن يرفع تكلفة التجارة أو يؤخرها أو يمنعها بالكامل.
وأشارت
دراسة أكاديمية
حديثة نشرت في تموز / يوليو الماضي إلى أن النقل البحري ما زال يمثل العمود الفقري
للتجارة العالمية، وأن تركّز التجارة في موانئ رئيسية يمنح هذه الموانئ أهمية اقتصادية
كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يخلق نقاط ضعف يمكن أن تتحول إلى مخاطر جيوسياسية. وتخلص
الدراسة إلى أن زيادة سيطرة الدول على الموانئ الحيوية تثير مخاوف اقتصادية وجيوسياسية
جديدة.
وهذا يعني أن الميناء
لم يعد مجرد مكان تدخل منه البضائع وتخرج؛ بل أصبح أصلًا استراتيجيًا يمكن أن يؤثر
في قدرة دولة كاملة على التجارة.
حرب إيران تكشف التحول
تقدم التطورات الحالية
في
مضيق هرمز المثال الأوضح على ذلك حيث أن الممر المائي الذي كان يعبره أكثر من
130 عبورًا يوميًا من سفن السلع قبل الأزمة، شهد انخفاضًا حادًا في حركة الملاحة، إذ
تراجع عدد العبور إلى نحو 16 يوميًا، وفق ما أوردته
"فايننشال تايمز". كما
هددت إيران عشرات السفن بالغرامات والاحتجاز أو مصادرة الشحنات بدعوى مخالفة قواعد
العبور.
وبحسب رويترز، لم تعبر
سوى أربع سفن للسلع مضيق هرمز يوم الأحد، مقابل 13 سفينة في اليوم السابق، بينما تراجعت
حركة العبور خلال الأسبوع المنتهي في 21 آب / أغسطس إلى مستويات أقل بنحو 90
بالمئة من المستويات السابقة للصراع، وهنا تكمن أهمية الحدث بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
اظهار أخبار متعلقة
المضيق لا يحمل أهمية
لإيران وحدها، وإنما يمثل أحد أهم الممرات التي تمر عبرها تجارة الطاقة العالمية، وبالتالي،
عندما تتعطل حركة السفن فيه، فإن آثار الأزمة لا تتوقف عند حدود الدولة التي تخوض الحرب.
وقد حذرت "أونكتاد"
في تقريرها لعام 2026 من أن التوترات الجيوسياسية أدت بالفعل إلى اضطرابات في أسواق
الطاقة والظروف المالية وطرق الشحن الرئيسية، ومن بينها مضيق هرمز، وهو ما انعكس على
التجارة وسلاسل الإمداد العالمية. كما توقعت المنظمة أن يتباطأ نمو تجارة السلع العالمية
في 2026 إلى ما بين 1.5 بالمئة و2.5 بالمئة، مقارنة بـ4.7 بالمئة في 2025.
الممرات أصبحت جزءًا
من الحرب
ولا يقتصر الأمر على
هرمز، فخلال السنوات الأخيرة، أظهرت الاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب كيف يمكن
لهجمات أو مخاطر أمنية في ممر بحري واحد أن تدفع شركات الشحن إلى تغيير طرقها.
وعندما تضطر السفن
إلى الابتعاد عن طريق بحري رئيسي، فإن المسافة لا تزيد فقط، بل ترتفع معها تكاليف الوقود
والتأمين والوقت، وقد تتأخر البضائع، وهو ما يمكن أن يصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين.
وتكشف بيانات
رويترز
أن حركة السفن في باب المندب تراجعت أيضًا مع تصاعد التوترات، بالتزامن مع انخفاض حركة
الملاحة في هرمز، وفي 20 آب / أغسطس، سجلت
بيانات تتبع السفن مرور 27 سفينة للسلع عبر باب المندب، مقارنة بـ32 في اليوم السابق.
وهكذا بدأت الشركات
تتعامل مع الجغرافيا السياسية باعتبارها جزءًا من تكلفة المنتج نفسه.
فالمنتج الذي كان يصل
إلى السوق في 20 يومًا قد يحتاج إلى وقت أطول إذا تغير الطريق، والسفينة التي كانت
تحصل على تأمين بتكلفة معينة قد تواجه تكلفة أعلى عندما تدخل منطقة نزاع.
لماذا تهتم أوروبا
بالموانئ؟
التحول لم يعد مرتبطًا
فقط بالدول التي تخوض حروبًا، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي هذا العام استراتيجية جديدة
للموانئ، مؤكداً أن الموانئ أصبحت جزءًا من الأمن الأوروبي والاستقلال الاستراتيجي
وتأمين سلاسل الإمداد والطاقة.
وقالت المفوضية الأوروبية
إن الموانئ تمثل واجهة أساسية بين الاقتصاد الأوروبي والأسواق الدولية، وإن الجغرافيا
السياسية تمر مباشرة عبر سلاسل الإمداد، ما يجعل الموانئ حيوية للأمن والاستقلال الاستراتيجي
الأوروبي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي حزيران / يونيو،
وافقت دول الاتحاد الأوروبي على استنتاجات بشأن استراتيجية الموانئ، معتبرة الموانئ
أصولًا استراتيجية للاقتصاد والأمن وإمدادات الطاقة، وليس مجرد بوابات للتجارة.
وتحتاج الدول التي
تريد حماية اقتصادها إلى موانئ آمنة، وشبكات نقل قادرة على استيعاب الصدمات، وطرق تجارية
بديلة إذا أُغلق أحد الممرات الرئيسية، لا تحتاج فقط إلى بنوك قوية وعملة مستقرة.
دبي.. عندما يصبح الميناء
مركزًا في الحرب الاقتصادية
تظهر دبي مثالًا مختلفًا
على التحول نفسه، ففي الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران، لم تكن واشنطن تركز على
المؤسسات المالية الإيرانية وحدها، وإنما ضغطت أيضًا على الإمارات لتقييد القنوات التجارية
والمالية التي تستخدمها طهران.
ووفق
"وول ستريت
جورنال"، فإن استراتيجية ترامب تجاه الاقتصاد الإيراني تعتمد بدرجة كبيرة على
قطع إحدى أهم القنوات التجارية والمالية لإيران عبر دبي، بعدما أعلنت الإمارات تعليق
التعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، وترى الإدارة الأمريكية أن تجفيف تدفقات الأموال
والتجارة عبر دبي يمكن أن يفرض ضغطًا كبيرًا على طهران.
الميناء لا يعمل منفصلًا
عن البنك، بل إن قوته تأتي من ارتباطه بالبنك وشركة التأمين وشركة الشحن والمخازن وشبكات
النقل والمشتري النهائي.
ولهذا يمكن لدولة ما
أن تعاقب شركة شحن، أو تمنعها من دخول ميناء، أو تضع سفينة على قائمة العقوبات، فتجد
الشركة نفسها أمام مشكلة أكبر من مجرد تحويل مالي مرفوض.
النفط يكشف حجم المشكلة
أكثر القطاعات التي
تظهر فيها أهمية الموانئ هو النفط، حيث لا يمكن تصديره عبر النظام المصرفي وحده، يحتاج
إلى ناقلة وميناء ومسار بحري ومشتري.
وفي حالة إيران، أدى
الضغط الأمريكي إلى تراجع عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين، فيما ارتفعت الأسعار
المطلوبة للشحنات، وفق مصادر تجارية نقلت عنها رويترز، وأشارت الوكالة إلى أن الحصار
الأمريكي أدى إلى تقليص شحنات النفط الإيرانية، بينما يظل المشترون الصينيون من أهم
منافذ الخام الإيراني.
عصر "نقاط الاختناق"
ما يحدث حول إيران
يمثل حالة واضحة، لكنه يكشف اتجاها أوسع في الاقتصاد العالمي: الدول لم تعد تنظر إلى
العقوبات باعتبارها أدوات مالية فقط، وإنما تبحث عن نقاط الاختناق التي يمكن من خلالها
التأثير في التجارة، وقد تكون نقطة الاختناق ميناءً، أو مضيقًا، أو قناة مائية، أو
شبكة أنابيب، أو شركة شحن، أو منصة لوجستية.
وتزداد أهمية هذه النقاط
لأن التجارة العالمية أصبحت شديدة الاعتماد على شبكات مترابطة. وكلما زاد اعتماد الاقتصاد
على عدد محدود من المراكز الكبرى، أصبحت هذه المراكز أكثر قيمة في أوقات الأزمات، لكنها
أصبحت أيضًا أكثر عرضة للتحول إلى أدوات ضغط.
وأشارت الدراسة الأكاديمية
المنشورة هذا العام إلى أن اقتصاديات الحجم أدت إلى تركّز التجارة البحرية في مراكز
رئيسية، وهو ما يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة، لكنه يخلق في المقابل نقاط ضعف محلية يمكن
أن تكون لها آثار أوسع على الشبكة التجارية.
هل انتهى عصر البنوك؟
البنوك والدولار لا
تزال أدوات هائلة في الحرب الاقتصادية، وربما تظل الأداة الأكثر تأثيرًا عندما يتعلق
الأمر بمنع التمويل والتحويلات، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن البنك لم يعد وحده
في المعركة.
فالعقوبات الأمريكية
الجديدة على إيران تستهدف أيضًا قطاعات الشحن والنفط، بينما تتعامل إيران مع مضيق هرمز
باعتباره ورقة ضغط، وتعيد الدول حساباتها بشأن أمن الموانئ وسلاسل الإمداد. وفي مايو،
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ما وصفته بـ"هيئة مضيق الخليج الفارسي"،
متهمة إياها بمحاولة ابتزاز السفن التي تمر عبر المضيق.
وفي المقابل، أدى اضطراب
هرمز إلى التأثير في أسواق النفط العالمية، حتى مع بقاء الأسعار دون مستويات الذروة
التي سجلتها في وقت سابق من العام، وفق تحليل "رويترز". وحذرت الوكالة من
أن استمرار انخفاض المخزونات وتوتر طرق الإمداد قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجددًا.
وهكذا، فإن ما بدأ
كحرب اقتصادية على إيران يكشف تحولًا أكبر في طريقة إدارة الصراعات الاقتصادية عالميًا.
الدولة التي تريد خنق
خصمها اقتصاديًا لم تعد تحتاج فقط إلى معرفة أين توجد أمواله، وإنما أين توجد سفنه،
وأي ميناء يستقبل بضائعه، وأي طريق ينقلها، ومن يؤمن عليها، ومن يشتريها.
ولهذا أصبحت الموانئ
والممرات البحرية جزءًا من المعركة الاقتصادية مثلها مثل البنوك والعملات والعقوبات.