كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على
إيران عن ضغوط متزايدة تواجه اثنين من أبرز حلفاء واشنطن العرب، إذ وجد الأردن نفسه منخرطا في تداعيات المواجهة رغم سعيه إلى تجنب الصراعات الإقليمية، بينما تراجع حضور
مصر في ترتيبات الأمن والوساطة بالمنطقة، رغم تعهدات سابقة بالوقوف إلى جانب دول الخليج عند تعرض أمنها للخطر.
وقالت مجلة "
إيكونوميست" البريطانية، في تقرير نشرته، أول أمس الاثنين، إن الحرب أضعفت موقعي مصر والأردن في النظام الإقليمي، لكن بصورة مختلفة، إذ يدفع الأردن ثمنا أمنيا واقتصاديا مباشرا بسبب علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة واستضافته قوات أميركية، في حين تبدو الخسارة المصرية حتى الآن سياسية واستراتيجية أكثر منها اقتصادية.
وقبل نحو عامين، أبلغ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المملكة لن تكون "ساحة للصراعات الإقليمية"، لكن اندلاع الحرب وضع الأردن أمام معادلة صعبة بين هذا الموقف وتحالفه الاستراتيجي مع واشنطن.
اظهار أخبار متعلقة
ويستضيف الأردن آلاف الجنود الأميركيين في قواعد عسكرية، أبرزها قاعدة موفق السلطي الجوية في الصحراء الشرقية، إلى جانب مقاتلات وطائرات للتزود بالوقود جوا ومعدات عسكرية تستخدمها
الولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران. وحول هذا الوجود العسكري المملكة إلى هدف مباشر للهجمات الإيرانية، إذ أطلقت طهران ما لا يقل عن 262 صاروخا وطائرة مسيرة باتجاه الأردن خلال الشهر الأول من الحرب وحده، وفق "إيكونوميست".
وأثارت التطورات ضغوطا داخلية على الحكومة الأردنية، بعدما وقع مئات السياسيين وضباط الجيش المتقاعدين وشخصيات عامة رسالة تطالب بانسحاب القوات الأميركية، في وقت يحد فيه اعتماد عمان على واشنطن أمنيا وماليا من قدرتها على تغيير طبيعة العلاقة بين البلدين. وحصل الأردن خلال العام الماضي على أكثر من 1.6 مليار دولار من المساعدات الأميركية، تعادل نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تعهدت الولايات المتحدة خلال أغسطس/آب الجاري بتقديم 355 مليون دولار إضافية لتمويل مشروعات في البنية التحتية والتعليم وقطاعات أخرى.
الأردن يدفع الثمن
وتضاعف الحرب حاجة الأردن إلى الدعم الخارجي، بعدما انعكست المواجهة سريعا على السياحة والطيران والطاقة، وهي قطاعات شديدة الحساسية بالنسبة إلى اقتصاد المملكة. وأدت الهجمات الصاروخية إلى إلغاء رحلات جوية وإحجام زوار عن السفر إلى الأردن، ما زاد الضغوط على قطاع السياحة المتضرر أصلا من تداعيات الحرب في غزة. وتراجعت إيرادات السياحة بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتفاقمت الضغوط مع اضطراب إمدادات الطاقة، إذ يعتمد الأردن على الغاز الإسرائيلي في إنتاج نحو نصف احتياجاته من الكهرباء. وأوقفت إسرائيل صادرات الغاز مع بداية الحرب خشية استهداف إيران منصات الإنتاج، ما دفع شركة الكهرباء الحكومية إلى استخدام الديزل وزيت الوقود الثقيل وشراء شحنات فورية من الغاز الطبيعي المسال بتكاليف أعلى.
ورغم استئناف صادرات الغاز في أبريل/نيسان، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع فاتورة واردات الطاقة الأردنية بنهاية العام بنسبة 36% مقارنة بعام 2025. وبالتوازي مع الهجمات، سعت طهران إلى مخاطبة الرأي العام الأردني بصورة منفصلة عن الحكومة، إذ أكد الحرس الثوري الإيراني أنه لا يحمل "عداء" للشعب الأردني، وحمل الوجود العسكري الأميركي مسؤولية تعريض المملكة للخطر، في محاولة لزيادة الضغوط الداخلية على عمان.
اظهار أخبار متعلقة
وفي مصر، تبدو التداعيات الاقتصادية أقل حدة حتى الآن، إذ يتوقع نمو الاقتصاد بنسبة 4.6% خلال العام الجاري، فيما أفرج صندوق النقد الدولي عن شريحة جديدة بقيمة 1.8 مليار دولار ضمن برنامج تمويل مدته أربع سنوات، وحافظ قطاع السياحة، الذي يوفر نحو 13% من الوظائف، على نموه باستقبال أكثر من 9 ملايين زائر خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 3% على أساس سنوي، كما ارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة 30% من 1.8 مليار دولار إلى 2.4 مليار دولار، وسجلت تحويلات المصريين في الخارج مستوى قياسيا خلال العام المنتهي في يونيو/حزيران، إلا أن "إيكونوميست" حذرت من أن هذه المؤشرات قد لا تعكس بعد التأثير الكامل للحرب، إذ تهدد الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر إيرادات القناة، بينما قد يؤدي استمرار التباطؤ الاقتصادي في الخليج إلى تقليص فرص العمل للمصريين والتأثير في تحويلاتهم.
القاهرة تخسر مساحة نفوذ
ورغم المخاطر الاقتصادية، اعتبرت المجلة أن التحدي الأكبر الذي تواجهه مصر في الحرب الحالية، بحسب التقرير، يتعلق بمكانتها الإقليمية أكثر من وضعها المالي، بعدما تقلص الدور الذي لعبته القاهرة خلال الحرب في غزة. وبعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت مصر إلى أحد أهم الوسطاء بين إسرائيل وحركة حماس، مستفيدة من حدودها مع قطاع غزة وعلاقات أجهزة الاستخبارات المصرية بقيادة الحركة.
وزار وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن مصر سبع مرات خلال العام التالي للهجوم، أكثر من أي دولة باستثناء إسرائيل، فيما استضافت مدينة شرم الشيخ المفاوضات النهائية لوقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. لكن القاهرة لم تحظ بالدور نفسه في الحرب مع إيران، إذ برزت تركيا وباكستان ودول الخليج بصورة أكبر في جهود الوساطة والتحركات الدبلوماسية، ما دفع مصر إلى موقع أقل تأثيراً في إدارة الأزمة.
اظهار أخبار متعلقة
كما بقي الدور العسكري المصري محدودا في الدفاع عن دول الخليج، رغم امتلاك مصر أكبر جيش عربي وحصولها على عشرات المليارات من الدولارات من المساعدات الخليجية منذ عام 2013. وتبرر القاهرة موقفها بأن دول الخليج تحصل على دعم من حلفاء آخرين، بينما تواجه مصر تهديدات أمنية متعددة على حدودها، إلا أن محدودية تحركها أثارت انتقادات خليجية.
وفي مارس/آذار الماضي، انتقد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، موقف دول عربية "كبرى" في ظل الهجمات الإيرانية على الخليج، متسائلاً: "أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟". وأرسلت مصر لاحقا سربا من مقاتلات "رافال" إلى الإمارات، لكنها لم تعلن عن الخطوة إلا في مايو/أيار، بعد شهر من دخول وقف إطلاق النار الأولي بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ.
اتفاق مكة يكشف التحول
وظهر تغير موازين التحالفات بصورة أكثر وضوحاً في 7 أغسطس/آب، مع توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك من دون مشاركة مصر، رغم إشارة مسؤولين سعوديين إلى إمكانية انضمام القاهرة إليه في مرحلة لاحقة، بحسب التقرير. ولم يعف ابتعاد مصر عن المواجهة العسكرية البلاد من تداعيات الحرب، إذ ارتفعت تكلفة وارداتها من الطاقة الخليجية، بينما استهدفت طائرة مسيّرة في يوليو/تموز منشأة للغاز الطبيعي في دمياط على ساحل البحر المتوسط.
وترى "إيكونوميست" أن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يقدم مؤشرا إلى التحول الجاري في بنية الأمن الإقليمي، مع سعي دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها وبناء ترتيبات أمنية جديدة في ظل تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية التي اعتمدت عليها المنطقة لعقود.
وتضع هذه التحولات الأردن أمام معضلة الموازنة بين تحالفه مع واشنطن وتجنب الانجرار إلى صراعاتها، بينما تواجه مصر تحديا مختلفا يتمثل في استعادة دورها داخل نظام إقليمي تتقدم فيه قوى وتحالفات جديدة إلى مساحات كانت القاهرة تاريخيا لاعبا رئيسيا فيها.