تراجع معدلات ادخار المصريين يكشف تهاوي أرصدة البنوك المصرية

أزمات اقتصادية متلاحقة تضرب المصريين منذ الانقلاب- جيتي
أزمات اقتصادية متلاحقة تضرب المصريين منذ الانقلاب- جيتي
شارك الخبر
تراجعت أرصدة البنوك المحلية مع تراجع معدل الادخار في مصر في وضع كاشف عما لحق بالمواطن المصري من ضغوط اقتصادية خلال حكم رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي، وما طاله من أزمات مالية لنحو عقد أفقدته ذائقة "التحويش لأجل الزمن" المعروفة عنه.

وانخفضت السيولة المالية المحلية في البنوك لأول مرة منذ 10 سنوات إلى 15.261 تريليون جنيه بنهاية حزيران/يونيو الماضي، مقارنة بـ15.330 تريليون جنيه نهاية أيار/مايو الماضي، بانخفاض بلغت قيمته 86.928 مليار جنيه، ليصبح هذا هو التراجع الأول بالسيولة المحلية منذ شباط/فبراير 2017.

ووفق بيان البنك المركزي المصري، قبل أيام، تراجع أيضا، المعروض النقدي إلى 4.492 تريليون جنيه، مقارنة بـ4.502 تريليون جنيه عن ذات الفترة، فيما شهد النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي تراجعا ليبلغ 1.649 تريليون جنيه مقارنة بنحو 1.737 تريليون جنيه.

اظهار أخبار متعلقة



وفي ظل تلك المؤشرات، أكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق، أن معدل الادخار في البلاد تراجع من ١٠ بالمئة إلى ١ بالمئة من الناتج المحلي، في وضع، وصفه بأنه "في غاية الخطورة، ويؤكد أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية (وليس بيع الأصول)، لرفع معدلات التشغيل، والإنتاج، والتصدير، وسداد الديون"، وفق قوله عبر "فيسبوك".

وهو التراجع الذي أشار إليه البرلماني المصري محمد فؤاد، في حزيران/يونيو الماضي، مؤكدا أن معدل الادخار في مصر تراجع بالسنوات الماضية من 15 بالمئة إلى 1 بالمئة فقط.

وفي الأرقام الرسمية، ووفق بيانات وزارة التخطيط، 4 حزيران/يونيو الماضي، سجل معدل الادخار المحلي تراجعا حادا بالعام المالي (2025/2024) إلى 1.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي (بقيمة 218 مليار جنيه)، انخفاضا من 6.1 بالمئة (848 مليار جنيه) بالعام المالي السابق، بانخفاض قدره 75 بالمئة خلال عام.

وفي السياق، حذر تقرير لمعهد التخطيط القومي من اتساع الفجوة بين معدلات الادخار والاستثمار المحلي، وما يترتب على ذلك من زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية احتياجات الاقتصاد، موضحا أن الادخار المحلي، كان يساهم بـ80 بالمئة من تمويل الاستثمارات قبل عام 2011، ووصل إلى أقل مستوى بالعام المالي (2024-2025).

تبعات تراجع "التحويش"


ويعكس هبوط معدل ادخار المصريين تآكل قدرتهم المالية بفعل ضغوط التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه، ويعني تحول سلوكهم من الادخار أو "التحويش" بلغتهم العامية إلى إنفاق كل دخلهم على السلع الاستهلاكية والدواء والتعليم أو دفع فواتير الوقود والكهرباء والمياه والغاز والاتصالات والنقل المتفاقمة، وتحول الشريحة الأفضل حالا عن البنوك ونحو ملاذات آمنة كالذهب والعقارات.

وتكشف مؤشرات البنك المركزي عن تراجع المعروض النقدي وانخفاض السيولة المالية بالبنوك بقيمة 86.9 مليار جنيه خلال شهر واحد، عن فقدان الجهاز المصرفي المصري جزء كبير من السيولة النقدية المحلية وتراجع ثقة المصريين في العوائد البنكية.

ويقود هذا التراجع في السيولة لدى البنوك إلى إضعاف قدرة القطاع المصرفي التمويلية، ما يقلل بالتالي التسهيلات الائتمانية للمشروعات والشركات وقطاعات الإنتاج، ما يزيد في المقابل الاعتماد على جذب الاستثمارات الأجنبية، والاستمرار في سياسات الاقتراض الخارجي، وما يتبعهما من تفاقم لأزمات خدمة الديون والاضطرار إلى بيع الأصول والشركات العامة وأراضي الدولة الاستراتيجية.

مشكلة مزمنة لهذا تفاقمت


وفي قراءته الاقتصادية لأسباب هبوط معدل ادخار المصريين، ومدى ما تتحمله القرارات الحكومية من تغيير في سلوك الادخار عند المصريين، والأثر الاقتصادي لتراجع السيولة بالبنوك لأول مرة منذ عقد، تحدث الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، لـ"عربي21".

وأشار أولا إلى "عدم وجود آلية بالبنك المركزي وبالاقتصاد المصري لدراسة حجم الادخار"، ملمحا إلى أنه "منذ عام 1991 ونحاول أن يكون لدينا آلية حقيقية وليست المعادلة المستخدمة لقياسه"، مبينا أن "تراجع حجم الادخار من 10 إلى 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أمر خطير، ولكن على أي أساس تم تقدير هذا الرقم".

المسؤول الحكومي المصري السابق قال: "منذ زمن ونقول بوجود مشكلة في الادخار، وتكلمنا على ضرورة وصول الادخار فوق 18 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق معدل نمو 5 بالمئة، ونتذكر حملات حكومية بالمدارس والمناهج التعليمية تشجع على الادخار، ولكن منذ عام 2000 قال ذلك الاهتمام خاصة مع زيادة نسبة الفقر وتوجه الحكومة بعد اتفاق مع صندوق النقد الدولي إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر والتي أصبحت أحد البدائل المهمة لتنمية الادخار المحلي".

ولفت إلى أن "جزء من المشكلة أن الدولة توجهت إلى الاقتراض من الداخل والخارج، ومن هنا قلت مسألة حسابات التوفير أو التشجيع على الودائع، بل على العكس فرضت البنوك رسوما شهرية وسنوية على دفاتر التوفير، وبدأت كنوع من أنواع جذب المدخرات عمل حساب توفير، وهو في نفس الوقت حساب جاري، وغالبا ما يكون بفوائد قليلة، ما يعني أنه لم يعد هناك تشجيعا حقيقيا للادخار، بجانب تقديم البنوك وسائل أخرى كشهادات الاستثمار، ولم تعد مسألة الادخار ذات أهمية لدى المسؤول عن الملف الاقتصادي والسياسات النقدية".

تغول الدولة وضغوط المعيشة


وعن علاقة تراجع السيولة بمقدار 86.9 مليار جنيه بزيادة الضغوط المعيشية ومضاعفة الالتزامات على ملفات الطعام والدواء والتعليم والسكن على المصريين، وتحول بعضهم إلى ملاذات أكثر أمانا مثل الذهب والعقارات، واصل وكيل وزارة التجارة الخارجية المصرية للبحوث الاقتصادية، حديثه مؤكدا أن "تراجع السيولة صحيح جزء منه احتياجات الناس".

واستدرك: "لكن في جزء منه خاص باحتياجات الدولة التي تدخل كمقترض من الجهاز المصرفي، ونرى الأرقام الأخيرة من الموازنة العامة (2026/2027) والتي تقدر سقف اقتراض الحكومة من القطاع المصرفي بنحو 4.01 تريليون جنيه لتدبير احتياجات الموازنة، لكن الجزء الجيد رغم تراجع معدلات السيولة أن هذا مؤشر على أنه لا يوجد طباعة نقد جديد، وهو أمر يؤخذ في الاعتبار"، مضيفا أن "المصريين كذلك تحولوا إلى ملاذات آمنة بالفعل نحو الذهب والعقارات، حتى الفقراء يبحثون عما يحفظ لهم قيمة ما لديهم من مال".

وتُظهر بيانات البنك المركزي المصري أن الحكومة لا تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من الائتمان المحلي، فقد بلغ صافي الائتمان المحلي 14.87 تريليون جنيه نهاية حزيران/يونيو 2025، لكن هذا التوسع لم يتوزع بالتساوي بين مختلف القطاعات حيث أن 68.1 بالمئة من الائتمان المحلي بقيمة 10.124 تريليون جنيه يذهب إلى الحكومة، في مقابل أقل من ربع التمويل لقطاع الأعمال الخاص 3.326 تريليون جنيه، وفق مقارنة عقدها الباحث الاقتصادي حسن بربري.

وأشار عبدالمطلب، إلى "وجود تكاليف عالية في الحياة وتبعات إثر قانون الإيجارات الجديد الذي رفع القيمة الإيجارية 10 أضعاف ما فاقم أعباء ملايين الأسر، تضاف إلى ارتفاع فواتير الوقود والكهرباء والغاز والنقل والاتصالات وغيرها ما تسبب في تآكل جزء كبير جدا من دخول المواطنين وساهم في تراجع السيولة"، موضحا أن  "التراجع بنسبة 20 بالمئة، وهو رقم ليس كبيرا ولا أعتقد أنه سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد، ولكن المشكلة لو تخطى هذه النسبة ووصل إلى مستويات كما حدث منتصف تسعينيات القرن الماضي بندرة السيولة بالبنوك".

وتحدث الخبير المصري عن جزء اعتبره مهما ويجب أن يؤخذ في الاعتبار وهو أن "تراجع السيولة بالبنوك حدث خلال فصل الصيف مع انصراف جزء من اهتمامات المصريين والعائدين من الخارج إلى السياحة وظهور أماكن سياحية مثل العلمين وغيرها والتي يتم استخدام الدولار فيها لتسوية المعاملات، وهو إحدى أسباب تراجع السيولة في اعتقادي".

ما خسائر السوق؟


وحول تأثير تهاوي أرصدة البنوك ومعدلات الادخار على قدرة الجهاز المصرفي المصري في تمويل مشروعات التنمية وتلبية حاجة الشركات، وزيادة معدلات الإنتاج والتشغيل بالسوق المحلي، قال عبدالمطلب: "لنكن واضحين فإن الجزء الأكبر من أرصدة وتوظيفات البنوك يذهب إلى الحكومة، فهي اليوم تبحث عن الملاذ الآمن بطرح سندات الخزانة أو أن تكون مقرضا مباشر للحكومة؛ صحيح تراجع معدلات السيولة يؤثر على إمكانيات البنوك ولكن كما نرى معدلات الفائدة المرتفعة والمشاكل الموجودة ربما هي نفسها تجعل رغبتها في وجود استثمارات محلية جديدة أو في إنشاء مشروعات جديدة لديها قليل".

وبشأن الحلول التي يجب أن تتبعها السياسات النقدية للبنك المركزي لإعادة تحفيز الادخار، أكد على ضرورة وجود "نية أو رغبة لاتباع سياسة تحفيز الادخار"، ملمحا إلى "وجود كثير من الحوافز والأشكال كحملات زيادة التوعية بأهمية الادخار، وإقرار أسعار فائدة تفاضلية، وإعطاء مميزات لدفاتر الادخار، ومنع الرسوم وأي أعباء مالية على الحسابات المرتبطة بالادخار وفتح تلك الحسابات مجانا".

القرارات المصرفية والأزمة


ومنذ نيسان/أبريل الماضي، ومع وقف بنكا "الأهلي" و"مصر"، الأكبر في السوق، شهادات الادخار السنوية، معتمدا فقط الشهادات الثلاثية بعائد 27 بالمئة و23.5 بالمئة؛ أكد مصريون لـ"عربي21"، سحب مدخراتهم وتراجع لجوئهم إلى الشهادات البنكية والودائع.

وهو ما كشفت عنه أرقام البنك المركزي، التي أكدت ارتفاع أرصدة الشهادات والودائع لأجل بنحو 120.3 مليار جنيه فقط بالأشهر الأربعة الأولى من 2026، لتصل إلى 6.85 تريليون جنيه، بينما كانت قد زادت بمعدل أكبر بلغ 578.8 مليار جنيه عن الفترة نفسها من 2025، ما عزاه محللون إلى تغير سلوك الادخار لدى المصريين.

ورغم طرح الحكومة المصرية "سند المواطن"، عبر البريد المصري في شباط/فبراير الماضي، بعائد ثابت 17.75 بالمئة لمدة عام ونصف، لتغطية 90 بالمئة من احتياجاتها التمويلية في النصف الأول من العام الجاري، إلا أن المبادرة لم تلق الإقبال المتوقع.

اظهار أخبار متعلقة



ويؤكد متعاملون مع البنوك المحلية لـ"عربي21"، على "عدم ثقة كثيرين بتعاملات الجهاز المصرفي، خاصة مع ما طالهم من خسائر منذ ربط مدخراتهم بشهادات بنكية طالها تقزيم مدخراتهم منذ التعويم الأول للعملة المحلية تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وما تلاه حتى آذار/مارس 2024، وتراجع قيمة الجنيه من 7.7 إلى 50 جنيها مقابل الدولار حاليا"، مشيرين إلى أن من يمتلك أية مدخرات يفضل وضعها في سبائك ذهبية أو أراضي أو عقارات.

وارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية بالربع الثاني من 2026 بنسبة 6 بالمئة ليصل إلى 6.2 طن، مقابل 5.9 طن في الفترة نفسها من 2025، بإجمالي مشتريات بلغت 11.9 طن، بحسب تقارير مجلس الذهب العالمي.

وعن دور خفض البنك المركزي المصري معدلات الفائدة كإحدى أسباب تراجع الادخار، وما يثار حول أن غياب الثقة في قرارات الجهاز المصرفي تسببت في إحجام المصريين، وأفشلت محاولات استعادة مدخرات المواطن، لا يعتقد عبدالمطلب، أن "خفض سعر الفائدة له دخل كبير بالموضوع، خاصة وأنه مازال مرتفعا، إضافة إلى وجود أوعية ادخارية وشهادات استثمار مرتفعة العائد".

واستدرك قائلا: "لكن التخوف دوما من تراجع قيمة الحنيه، أو حدوث تعويم جديد، كما أننا نستطيع القول إن رغبة زيادة الأرباح جعلت عدد من المصريين ينوع محفظته الادخارية؛ فهناك تفضيل للذهب وتفضيل لأسهم الشركات، وأذون الخزانة، وأصبحت هناك ظواهر لسرعة تدوير رأس المال باستثمارات قصيرة الأجل مثل أذون الخزانة، أو بيع وشراء الذهب للحصول على عوائد سريعة ومرتفعة".
التعليقات (0)