مسيحيو فلسطين يناشدون الإنجيليين الأمريكيين: لا تتجاهلوا معاناتنا

إسرائيل كثفت دعمها لبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية - جيتي
إسرائيل كثفت دعمها لبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية - جيتي
شارك الخبر
دعا قادة مسيحيون فلسطينيون الإنجيليين الأمريكيين إلى زيارة الأراضي الفلسطينية والاطلاع على واقع حياتهم، محذرين من أن وجود المجتمعات المسيحية القديمة في الأرض المقدسة يواجه تهديدات متزايدة بسبب التوترات السياسية والتوسع الاستيطاني، إلى جانب ما وصفوه بتجاهل بعض التيارات المسيحية العالمية لمعاناتهم.

وأكدت شبكة الـ"سي إن إن" في تقرير حديث أن الأب منذر إسحق، مدير معهد بيت لحم للسلام والعدالة، يرى أن المسيحيين الفلسطينيين باتوا "غير مرئيين" بالنسبة إلى كثير من الإنجيليين الأمريكيين الذين يدعمون حركة "الصهيونية المسيحية" ويربطون عودة اليهود إلى الأرض المقدسة بتحقيق نبوءات دينية.

وقال إسحق إن المسيحية الفلسطينية تمتلك تاريخًا يمتد لأكثر من ألفي عام، مشيرًا إلى أن الأماكن التي شهدت ميلاد المسيح وصلبه تواجه مستقبلًا صعبًا ليس فقط بسبب الصراع المستمر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن أيضًا بسبب مواقف بعض المسيحيين الذين يقدمون الدعم السياسي والمالي للمستوطنات الإسرائيلية.

وأضاف أن رسالته مع الأب بشار فوضله، راعي بلدة الطيبة، آخر بلدة مسيحية بالكامل في الضفة الغربية المحتلة، هي "تعالوا وانظروا"، موضحًا أن زيارة المنطقة ورؤية الجدران الفاصلة والمستوطنات ومعاناة العائلات الفلسطينية تغير نظرة كثير من الزوار.

وقال إسحق: "عندما يأتي القساوسة والعلمانيون إلى فلسطين، ويرون الجدران والمستوطنات، ويلتقون بالعائلات التي تكافح فقط من أجل البقاء في أرضها، عندها تبدأ أعينهم في الانفتاح".

وأشار التقرير إلى أن إسحق وفوضله يحاولان الوصول إلى أتباع الحركة الإنجيلية المعروفة باسم "الصهيونية المسيحية"، التي ترى أن قيام دولة إسرائيل الحديثة يمثل تحقيقًا لنبوءات واردة في الكتاب المقدس.

لكن القادة المسيحيين الفلسطينيين يقولون إن هذا التصور يتجاهل وجود المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون في هذه الأرض منذ قرون، ويتعارض مع رسالة المسيحية القائمة على محبة الآخرين والعدالة والسلام.

وأوضح إسحق أن "اللاهوت تم استخدامه كسلاح"، مضيفًا أن بعض المسيحيين الذين يدعمون هذه الأفكار "يمولون ويدعمون التهديد الأكبر لوجودنا في هذه الأرض اليوم".

تهديدات تواجه أقدم المجتمعات المسيحية

وبحسب التقرير، فإن إسحق، البالغ من العمر 47 عامًا، ولد في بلدة بيت ساحور المسيحية قرب بيت لحم، ويقول إن مساحات واسعة من الأراضي التي كان يلعب فيها خلال طفولته أصبحت اليوم تحت سيطرة المستوطنات.

وأشار إلى أنه لم يعد قادرًا على السير من منزله في بيت لحم إلى القدس كما كان يمكن في السابق للوصول إلى المواقع الدينية القديمة، بسبب الجدار الفاصل الإسرائيلي الذي يحيط بالمدينة ويرتفع إلى نحو 26 قدمًا.

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف التقرير أن إسرائيل كثفت خلال العام الماضي دعمها لبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، وهو ما أدى، بحسب مسيحيين فلسطينيين، إلى زيادة الضغوط على السكان، ودفع بعض العائلات إلى الرحيل، في وقت يعيش فيه نحو 50 ألف مسيحي في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.

وقال الأب بشار فوضله إن أكثر من 90 شخصًا غادروا بلدة الطيبة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي البلدة التي ورد ذكرها باسم "أفرايم" في إنجيل يوحنا، مشيرًا إلى أن عدد سكانها المسيحيين يبلغ حاليًا نحو 1200 شخص فقط، مع احتمال تراجع العدد مستقبلًا.

وأوضح فوضله أن أبناء رعيته يخشون الذهاب إلى بساتين الزيتون لجني المحصول بسبب المخاوف الأمنية، بينما قال رولاند بسير، صاحب مصنع إسمنت بالقرب من الطيبة، إن مصنعه يتعرض لمضايقات وهجمات من المستوطنين بشكل شبه يومي.

وأضاف بسير: "إذا أتيحت لي فرصة المغادرة فسأغادر ولن أبقى في هذه البلدة، لأنه لا يوجد مستقبل لي أو لأطفالي هنا".

جدل حول الصهيونية المسيحية ودعم المستوطنات

ولفت تقرير الـ"سي إن إن" إلى أن قادة الكنائس في القدس أعربوا عن قلقهم من الدعم المالي والسياسي الذي تحصل عليه المستوطنات الإسرائيلية من بعض أتباع "الصهيونية المسيحية".

وفي كانون الثاني / يناير الماضي، أصدر بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس بيانًا وصفوا فيه هذه الأيديولوجية بأنها "ضارة"، معتبرين أنها تؤثر على مستقبل المجتمعات المسيحية في المنطقة.

ويرى أنصار الصهيونية المسيحية أن الكتاب المقدس يدعو إلى دعم وجود اليهود في مختلف أنحاء الأرض المقدسة، باعتبار ذلك جزءًا من مسار يؤدي إلى عودة المسيح الثانية ونهاية العالم.
ومن أبرز المنظمات الأمريكية التي تدعم هذا التوجه، منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" (CUFI)، ومنظمة "أصدقاء المسيحيين للمجتمعات الإسرائيلية" (CFOIC)، اللتان تستخدمان نصوصًا دينية في تبرير دعمهما لإسرائيل والمستوطنات.

وقالت منظمة CFOIC إنها تدعم 80 "مجتمعًا" إسرائيليًا في الضفة الغربية المحتلة، وتطلق عليها الأسماء التوراتية "يهودا والسامرة"، كما تحث أنصارها على تقديم الدعم المالي لما تصفه بـ"ازدهار مجتمعات إسرائيل التوراتية".

لكن كيمبرلي تروب، مديرة مكتب المنظمة في الولايات المتحدة، قالت لشبكة CNN إنها ترى أن المسيحيين الفلسطينيين الذين غادروا بيت لحم فعلوا ذلك بسبب اضطهاد المسلمين، وليس بسبب السياسات الإسرائيلية.

وأضافت في رسالة للشبكة أن "الصهيونية المسيحية تعبير حقيقي عن المعتقدات المبنية على الكتاب المقدس"، وأن أتباعها يؤمنون بأن الله منح أرض إسرائيل للشعب اليهودي.

في المقابل، يرى إسحق أن هذا التصور يتجاهل الواقع اليومي للسكان الفلسطينيين، قائلًا إن الأرض التي يتحدث عنها أنصار هذه الحركة ليست أرضًا فارغة، بل موطن لمسيحيين ومسلمين يعيشون فيها.

وقال إسحق: "مع التهديد الذي يمثله المستوطنون على حياتنا هذه الأيام، وهو تهديد حقيقي ضد وجودنا كمسيحيين فلسطينيين، فإن هؤلاء المسيحيين يمولون ويدعمون الخطر الأكبر على وجودنا في الأرض اليوم".

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف: "ما يظهره ذلك مرة أخرى هو أننا لسنا جزءًا من خطتهم. إنهم لا يفكرون بنا ولا يروننا".

من جانبها، قالت منظمة CUFI في بيان أرسلته إلى CNN إنها تدعم الحكومة الإسرائيلية، ورفضت التعليق على تصريحات إسحق.

خلاف مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي

وتناول التقرير أيضًا انتقادات إسحق لبعض الشخصيات الإنجيلية الأمريكية، ومن بينهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وهو قس معمداني سابق.
وقال إسحق ساخرًا إن بعض الإنجيليين، بمن فيهم هاكابي، يتعاملون مع القضية وكأنهم يعيشون في القرن السابع قبل الميلاد.

لكن هاكابي رفض هذه الانتقادات، وقال لـ"سي إن إن" إنه يعرف شخصيًا مسيحيين فلسطينيين يؤيدون الصهيونية المسيحية.

وأضاف: "لا أحد يتجاهل تجارب المسيحيين الفلسطينيين في الأرض المقدسة، لكن الإنجيليين يؤمنون بالكتاب المقدس كله".

وتابع أن الإيمان بما ورد في الكتاب المقدس بشأن وعود الله لليهود "ليس أمرًا عنصريًا"، مؤكدًا أن "الإيمان اليهودي هو أساس الإيمان المسيحي"، ودعا إسحق إلى الالتزام بما وصفه بـ"سلطة الكتاب المقدس".

جيل جديد من الإنجيليين يراجع مواقفه

وأشار التقرير إلى أن إسحق يسعى إلى تغيير الصورة السائدة عبر التواصل مع الإنجيليين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة في المؤتمرات داخل الولايات المتحدة.

وقال إسحق إنه يعتقد أن عددًا متزايدًا من الإنجيليين أصبح أكثر انفتاحًا على وجهة نظر المسيحيين الفلسطينيين.

وأوضح: "نحن لا ندخل هذا النقاش بالقول: انسوا الكتاب المقدس وتحدثوا عن السياسة. نهجنا هو أن نقرأ الكتاب المقدس معًا، ولكن أيضًا أن نقرأه مع المسيحيين الفلسطينيين ونربطه بالواقع على الأرض".

وفي العام الماضي، تحدث إسحق في كلية ويتون، إحدى أبرز المؤسسات الإنجيلية في الولايات المتحدة، خلال جولة للترويج لكتابه "المسيح وسط الركام".

ويرى أن دعوته إلى مؤسسات إنجيلية محافظة تقليديًا تشير إلى أن الجيل الأصغر من المسيحيين أصبح أكثر استعدادًا للتشكيك في الأفكار القديمة.

وأشارت السي إن إن  إلى دراسة أجرتها جامعة ميريلاند عام 2025، أظهرت أن 51 بالمئة من الإنجيليين الأمريكيين الأكبر سنًا يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين، بينما بلغت النسبة بين الإنجيليين الأصغر سنًا 24 بالمئة.

ونقل التقرير شهادة بن نوركويست، أحد الأشخاص الذين تغيرت نظرتهم تجاه القضية، بعدما نشأ في ولاية مينيسوتا وهو يرى الصهيونية المسيحية باعتبارها رواية مشروعة دون التفكير في تأثيرها على الفلسطينيين.

وقال نوركويست : "كان الفلسطينيون غير مرئيين بالنسبة لي". وأوضح أن موقفه تغير في العشرينيات من عمره بعد أن بدأ في الاستماع إلى قصص الفلسطينيين، قبل أن يسافر لاحقًا إلى الأراضي المقدسة لإجراء دراسة دكتوراه حول التعليم العالي في الأراضي الفلسطينية.

وأضاف: "هذه العملية لم تجعلني أقل مسيحية، ولم تجعلني أشكك في أساس إيماني. شعرت بأنني أكتشف نسخة أكثر صدقًا مما كان يسوع يدعونا إليه طوال الوقت".

دعوة للحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة


وأكد إسحق وفوضله أنهما يشعران بمسؤولية خاصة تجاه الحفاظ على الوجود المسيحي في المنطقة التي بدأت منها قصة المسيحية، وقال فوضله: "كما دعا يسوع تلميذي يوحنا المعمدان، تعالوا وانظروا. اسمعوا قصصنا".

أما إسحق فقال إن المسيحيين الفلسطينيين يحملون "ثقل التاريخ على أكتافهم" لمواصلة الوجود والرسالة المسيحية من المكان الذي بدأت منه، وأضاف: "يجب أن تكون هذه الرسالة قائمة على محبة القريب، والعدالة، وصنع السلام".
التعليقات (0)