رقصة ميسي الأخيرة أمام إسبانيا المتكاملة في نهائي المونديال (تحليل)

إسبانيا تبحث عن لقبها المونديالي الثاني والأرجنتين عن الرابع- جيتي
إسبانيا تبحث عن لقبها المونديالي الثاني والأرجنتين عن الرابع- جيتي
شارك الخبر
تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم، مساء الأحد، إلى ملعب "ميتلايف" في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، لمشاهدة نهائي كأس العالم 2026 بين بطلة العالم الأرجنتين، وبطلة أوروبا إسبانيا.

ولا يقتصر النهائي على كونه صراعاً على النجمة الرابعة للأرجنتين أو الثانية لإسبانيا، بل يمثل أيضاً مواجهة بين جيلين؛ فبينما يستعد ميسي (39 عاماً) لخوض آخر مباراة له في كأس العالم، يواصل الإسباني الشاب لامين يامال (19 عاماً) كتابة بدايات مسيرة ينظر إليها كثيرون باعتبارها امتداداً لحقبة النجم الأرجنتيني.

وخلال اليومين الماضيين، سلطت وسائل إعلام الضوء على الصورة الشهيرة التي التقطها ميسي عام 2007 وهو يحمل الرضيع يامال خلال جلسة تصوير خيرية في برشلونة، في مفارقة كبيرة قال النجم الأرجنتيني إنها مثيرة جدا، حيث سيواجه في النهائي الطفل الذي حمله رضيعا.



 طريقان مختلفان إلى النهائي

وصل المنتخبان إلى النهائي، لكن بأسلوبين متناقضين تماماً. بدأ المنتخب الإسباني البطولة بتعادل سلبي مفاجئ أمام الرأس الأخضر، قبل أن يستعيد توازنه سريعاً بالفوز على السعودية برباعية نظيفة، ثم التغلب على أوروغواي بهدف دون رد ليتصدر مجموعته.

ومع انطلاق الأدوار الإقصائية، بدا وكأن المنتخب الإسباني يرتقي بمستواه مع كل مباراة؛ فتجاوز النمسا بثلاثية، ثم أطاح بالبرتغال بهدف قاتل أنهى المسيرة المونديالية الأخيرة لكريستيانو رونالدو، قبل أن يتفوق على بلجيكا (2-1)، ويقدم واحدة من أفضل مبارياته في البطولة بإقصاء فرنسا بثنائية نظيفة في نصف النهائي.

أما الأرجنتين، فسلكت طريقاً أكثر وعورة رغم سهولة أسماء المنافسين على الورق. ورغم تصدرها مجموعتها بسهولة بعد تجاوز الجزائر والأردن والنمسا، فإن مرحلة خروج المغلوب تحولت إلى سلسلة من اختبارات البقاء.

فاحتاج "التانغو" إلى الأشواط الإضافية لتجاوز الرأس الأخضر، ثم قلب تأخره بهدفين أمام مصر إلى فوز مثير (3-2) في مباراة شهدت جدلاً تحكيمياً واسعاً، قبل أن يعبر سويسرا بصعوبة في الأشواط الإضافية، ثم يخطف بطاقة النهائي من إنجلترا بفضل هدف متأخر سجله لاوتارو مارتينيز في الدقائق الأخيرة من المباراة.

وبينما فرضت إسبانيا شخصيتها على معظم منافسيها منذ البداية، بدت الأرجنتين وكأنها تعيش على حافة الخروج في أكثر من مناسبة، لكنها كانت تجد دائماً طريقاً للنجاة.

قوة كتيبة دي لا فوينتي
يقدم المنتخب الإسباني بقيادة مدربه لويس دي لا فوينتي واحداً من أكثر العروض الدفاعية إقناعاً في تاريخ البطولة الحديثة، مع كرة هجومية ممتعة أيضا.

واستقبلت شباك "لا روخا" هدفاً واحداً فقط خلال سبع مباريات، ولم تسمح لمنافسيها سوى بعشر تسديدات بين القائمين والعارضة طوال البطولة، كما يعد معدل الأهداف المتوقعة ضده (xG Against) من بين الأدنى في تاريخ كأس العالم، وهو ما يعكس ليس فقط قوة خط الدفاع، بل نجاح المنظومة بأكملها في منع المنافس من الوصول إلى مناطق الخطورة.

ولا تعتمد إسبانيا على غزارة الأهداف بالمعنى التقليدي لتأكيد أفضليتها الهجومية، إذ سجلت 13 هدفاً مقابل 19 للأرجنتين، كما أنها لا تلعب بمهاجم صريح، إذ يميل أويارزابال للتراجع والتوجه نحو الأطراف كثيرا. وتعتمد إسبانيا أيضا على البديل الذهبي ميكيل ميرينو الذي سجل هدفي الحسم ضد البرتغال، وبلجيكا، رغم كونه لاعب وسط بالأساس لكنه بات يلعب كمهاجم في بعض المباريات.

ولا تقوم قوة إسبانيا على الدفاع المتراجع، بل على العكس تماماً؛ إذ يعتمد المدرب لويس دي لا فوينتي على ضغط عالٍ يبدأ منذ لحظة فقدان الكرة، بحيث يتحول فقدان الاستحواذ إلى إشارة لبدء عملية استعادته خلال ثوانٍ قليلة.

ويشكل رودري محور هذه المنظومة، إذ لا يقتصر دوره على قطع الكرات، بل يعد نقطة الانطلاق لكل هجمة، فيما يمنح فابيان رويز وداني أولمو وأويارزابال ويامال والبديل نيكو ويليامز الفريق مرونة كبيرة في تغيير مواقعهم باستمرار، وهو ما يجعل الضغط الإسباني يبدو وكأنه حركة جماعية واحدة.

أما في الخلف، فقد تحول الثنائي باو كوبارسي وإيميريك لابورت إلى أحد أكثر خطوط الدفاع انسجاماً في البطولة، بمساندة الظهيرين بيدرو بورو ومارك كوكوريلا والحارس أوناي سيمون.

"تكتيك هوديني".. كيف تنجو الأرجنتين دائماً؟
في المقابل، لا تقدم الأرجنتين كرة القدم الأكثر جمالاً، لكنها ربما تقدم الفريق الأكثر قدرة على البقاء.
وشبه محللو "ذا أتلتيك" المنتخب الأرجنتيني بساحر الهروب الشهير "هوديني"، في إشارة إلى قدرته المتكررة على الإفلات من المواقف التي تبدو مستحيلة.

ففي كل مرة بدا فيها المنتخب قريباً من الخروج، وجد طريقاً للعودة. أمام مصر، قلب تأخره بهدفين إلى انتصار تاريخي. وأمام إنجلترا، تأخر مبكراً، قبل أن يفرض شخصيته تدريجياً حتى انتزع الفوز في الدقائق الأخيرة.

ولا تكشف هذه العودة المتكررة عن قوة هجومية فقط، بل عن صلابة ذهنية استثنائية جعلت الفريق لا يفقد إيمانه بإمكانية الفوز مهما تأخر أو تعقدت ظروف المباراة.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف أهداف الأرجنتين جاءت بعد الدقيقة الخامسة والسبعين، وهو مؤشر على قدرة الفريق على رفع نسق اللعب في الأوقات الحاسمة، مستفيداً من خبرة لاعبيه وهدوء ميسي في إدارة اللحظات الكبيرة.

رودري يصنع النظام... وميسي يكسره
قد تبدو المواجهة وكأنها بين ميسي ولامين يامال، لكن المعركة الحقيقية ربما تدور في مكان آخر.
فإسبانيا تدور بالكامل تقريباً حول رودري.

لا لأنه أكثر اللاعبين لمساً للكرة فحسب، بل لأنه المسؤول عن تحويل الدفاع إلى هجوم، وعن إخراج الفريق من الضغط، وعن إعادة تنظيمه عند فقدان الكرة.

وفي المقابل، لا تعتمد الأرجنتين على منظومة لاعب واحد، لكنها تبقى مرتبطة بقدرة ميسي على إنتاج اللحظة التي لا يستطيع أي لاعب آخر إنتاجها.

ويتصدر قائد الأرجنتين قائمة هدافي البطولة بثمانية أهداف، إلى جانب أربع تمريرات حاسمة، بعدما ساهم بصورة مباشرة في 12 هدفاً من أصل 19 سجلها منتخب بلاده.

لكن اللافت أن ميسي لا يقدم هذه الأرقام عبر الجري المستمر، رغم تقديمه أفضل نسخة له في المونديال في مشاركته السادسة.

لماذا يبدو ميسي "الأكثر كسلاً"؟
من بين أكثر الملاحظات إثارة في تحليلات ESPN ، أن ميسي هو أكثر لاعبي البطولة سيراً على الأقدام.
إذ يقضي ما يقارب ثلثي زمن المباراة دون جهد بدني كبير، في مشهد قد يفسره البعض على أنه تراجع بدني.

غير أن الحقيقة مختلفة تماماً. فالمهاجم الأرجنتيني يستخدم المشي كوسيلة للمراقبة، وقراءة تمركز المدافعين، والحفاظ على طاقته للحظة الحاسمة.

وخلال تلك الدقائق التي يبدو فيها غائباً، يكون في الواقع يبحث عن المساحة التي يمكن أن تتحول بتمريرة واحدة أو مراوغة قصيرة إلى هدف. ولهذا السبب، فإن أخطر لحظات ميسي غالباً ما تأتي بعد فترات طويلة من الهدوء.

كيف تحاول إسبانيا إيقاف ميسي؟
لا يخطط دي لا فوينتي لمراقبة ميسي برقابة فردية. فالمدرب الإسباني يدرك أن ملاحقة اللاعب في كل مكان تمنحه المساحات التي يبحث عنها.

وبدلاً من ذلك، ترتكز الخطة الإسبانية على حرمانه من استلام الكرة أصلاً، عبر غلق زوايا التمرير، والضغط على حامل الكرة قبل أن يتمكن من إيصالها إلى قائد الأرجنتين.

وتدرك إسبانيا أن أفضل طريقة لإيقاف ميسي ليست مواجهته، بل منعه من الدخول في المباراة.

ويجمع محللون أن الفريق الذي يفرض إيقاعه في منطقة الوسط هو الذي سينتصر في النهاية، إذ تتملك إسبانيا رودري ورويز وأولمو، ومن الأرجنتين الثلاثي الشرس إنزو فيرنانديز، ودي باول، وماك أليستر، ويشاركهم أيضا باريديس.
التعليقات (0)