أثار امتلاك بعض الأشخاص نوعاً رابعاً من الخلايا المخروطية المُتخصصة في
العين، والتي تتيح تلقي دماغهم معلومات أكثر تنوعاً، النقاش حول إمكانية
رؤية النساء ألواناً لا يستطيع آخرون رؤيتها، بسبب تطور الحساسية لديهن عبر طيف الضوء المرئي.
وفي هذا الشأن، سردت الـ"
بي بي سي" قصة الفنانة التشكيلية، كونشيتا أنتيكو، التي اكتشفت عدم تمكن طلابها من رؤية ألوان تستطيع هي رؤيتها.
تقول أنتيكو إنها شعرت بالصدمة حين أدركت ذلك، مشيرة إلى قدرتها على رؤية "عدد لا يُحصى من الألوان" في الأشياء اليومية، مثل الظلال، بينما يرى معظم الناس لوناً واحداً فقط، حيث ظنت أن الجميع يرون العالم كما تراه، إلى أن اتضح لها من طلابها أنهم لا يرونه كذلك.
"الرؤية رباعية الألوان"
وبعد إجرائها الفحص الجيني، علمت أنتيكو أنها تمتلك القدرة البيولوجية المسماة "tetrachromacy"، وتعني "الرؤية رباعية الألوان" - وهي نوع من الرؤية اللونية المُحسّنة - والتي قد تُمكّن الفرد من رؤية ألوان لا يراها الآخرون.
اظهار أخبار متعلقة
يمتلك معظم الناس ثلاثة أنواع من الخلايا المُتخصصة في العين تُسمى "المخاريط" أو "الخلايا المخروطية"، ويتم تنشيط كل نوع منها بواسطة مجموعة من الأطوال الموجية المختلفة للضوء، والتي تتوافق تقريباً مع الأحمر والأخضر والأزرق.
ويعتمد اللون المُحدد الذي نراه على مُركب الإشارات التي يتلقاها الدماغ من الخلايا المخروطية المُختلفة، ونظراً لامتلاك بعض الأشخاص نوعاً رابعاً من الخلايا المخروطية، فقد يعني هذا أن دماغهم يتلقى معلومات أكثر تنوعاً.
كروموسومان إكس
وفقاً للبحث الذي نشرته الـ"بي بي سي"، يوجد الجينان المسؤولان عن ترميز الخلايا المخروطية الحساسة للونين الأحمر والأخضر على الكروموسوم إكس. ولكي يكون الشخص "رباعي الخلايا المخروطية" ويتمتع برؤية رباعية للألوان، يجب أن يحمل ويُعبّر عن متغيرين مختلفين لأحد هذين الجينين.
وبما أن النساء لديهن كروموسومان إكس، بينما يمتلك الرجال عادة كروموسوماً واحداً فقط، فإن النساء البيولوجيات فقط هن من يمكنهن عموماً أن يمتلكن رؤية رباعية الألوان. أما عند الرجال، فإن نفس المتغير الجيني غالباً ما يؤدي إلى شكل من أشكال القصور في رؤية الألوان.
يُطلق على امتلاك نوع رابع من الخلايا المخروطية اسم retinal tetrachromacy أو "رباعية الألوان الشبكية (نسبة إلى شبكية العين)"، ويمكن للاختبارات الجينية تحديد الأشخاص الذين يحملون الأنواع الجينية التي تُنتج الأنواع الأربعة.
تشير التقديرات إلى أن حوالي 12 في المئة من النساء يمتلكن هذه القدرة الجينية، وفقاً لمشروع "رباعية الألوان" في جامعة نيوكاسل في بريطانيا، مع أن الأبحاث تُشير إلى أن هذه النسبة قد تختلف بين المجموعات السكانية، ورغم هذا، فلا يعني امتلاك خلية مخروطية إضافية أن الشخص يتمتع برؤية ألوان مُحسّنة.
القدرة الجينية ورؤية الألوان
يُطلق على هذه الحالة (التمتع برؤية ألوان مُحسّنة) اسم "رباعية الألوان الوظيفية"، وفقاً للدكتورة كيمبرلي إيه جيمسون، من مركز برونسون لأبحاث الرؤية التطبيقية التابع لجامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وهي حالة يصعب إثباتها.
مع ذلك، توجد أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذه القدرة الجينية قد تُؤدي إلى تحسين رؤية الألوان بالفعل.
وجدت إحدى الدراسات التي أجرتها جيمسون أن النساء، اللواتي يمتلكن أربعة أنواع من الخلايا المخروطية، قادرات على تقسيم طيف الألوان إلى درجات أكثر تبايناً، ما يشير إلى أنهن قد يدركن مظاهر الألوان بشكل أكثر وضوحاً، مقارنة بالأشخاص ذوي الخلايا المخروطية ثلاثية الألوان - أي الأشخاص الذين يمتلكون ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية.
يقول الدكتور مايكل نيوال، أستاذ الفلسفة بجامعة أديلايد في أستراليا، الذي كتب بحثاً حول ما يراه الأشخاص ذوو الرؤية رباعية الألوان: "هناك اتجاه فكري... مفاده أنه إذا كان لديك مُستقبِل لوني إضافي... فقد ترى ألواناً لا يمكن وصفها، تماماً كما لا يمكننا أن نوضح لشخص مصاب بعمى الألوان كيف يبدو اللون الأحمر أو الأخضر، إذا كان مصاباً بعمى الألوان الأحمر-الأخضر".
ويضيف: "ثمة احتمال آخر… ربما يكون الأمر مجرد أنهم قادرون على رؤية تدرجات أدق للألوان العادية"، ويُعدّ التقييم العلمي للألوان التي يراها الناس أمراً صعباً.
تقول الدكتورة جيني بوستن: "من المستحيل قياس حتى التجربة الذاتية العادية للألوان، حتى في حالة الرؤية الثلاثية".
وتضيف الدكتورة كيمبرلي إيه جيمسون أن الأمر يزداد تعقيداً نظراً لوجود أنواع عديدة من الرؤية رباعية الألوان، مع احتمال وجود تباين كبير اعتماداً على حساسية نوع الخلايا المخروطية الإضافية.
لكن تحليل أمور مثل مدى قدرة الناس على التمييز بين الألوان، أو كيفية تقييمهم للاختلاف بين درجاتها، يمكن أن يساعد الباحثين على فهم الاختلافات في كيفية رؤية الناس، كما تقول بوستن.
كيف تكتشف من هم أصحاب الرؤية رباعية الألوان؟
سيؤدي البحث على الإنترنت إلى ظهور العديد من المواقع التي تقدم اختبارات للرؤية رباعية الألوان عبر الإنترنت، لكن الخبراء يقولون إنه من المستحيل التعرف على الشخص ذي الرؤية رباعية الألوان بهذه الطريقة.
تحتوي معظم الشاشات الحديثة على ثلاث قنوات لونية فقط — الأحمر والأخضر والأزرق — ما يعني أنه حتى لو كان أصحاب الرؤية رباعية الألوان قادرين على رؤية ألوان جديدة، فمن المرجح ألا يتمكنوا من رؤيتها بوضوح على الشاشة.
ورغم أن ذلك يجعل إجراء الاختبار أمراً صعباً، فإن ملاحظة اختلافات ثابتة بين الألوان التي تراها في الواقع وتلك التي تراها على الشاشات قد يشير إلى وجود حالة "الرؤية رباعية الألوان"، وفقاً لنيوال، على الرغم من أن ذلك يختلف اختلافاً كبيراً اعتماداً على التكنولوجيا التي تستخدمها.
وتقول جيمسون إن أحد المؤشرات الأخرى التي تدل على احتمال أن يكون الشخص من ذوي الرؤية رباعية الألوان، هو أنه يلاحظ باستمرار أن إدراكه للألوان يبدو مختلفاً عن إدراك الآخرين، وتضيف: "لديهم وعي عميق... منذ صغرهم، كان لديهم إدراك للألوان أكثر حدة وحساسية (من غيرهم)".
من الأمور المثيرة للاهتمام أيضاً، التي قد تشير إلى أن شخصاً ما قد يكون من ذوي الرؤية رباعية الألوان، هي الحساسية الشديدة تجاه ضوء مصابيح LED القاسي، مقارنة بالألوان الأكثر دفئاً.
تقول: "النساء ذوات الرؤية رباعية الألوان... لا يستطعن تحمل المصابيح التي لا تحتوي على مكون قوي من الموجات الطويلة"، "سيجادلن مع زميلاتهن في السكن قائلات: لا أطيق هذا الضوء، لا أطيق أنابيب الفلورسنت هذه، إنها تُشعرني بالتعاسة والغثيان".
كما أن الأشخاص، الذين يعاني آباؤهم من شكل خفيف من عُسر التمييز بين الألوان (عمى الألوان)، هم أيضاً أكثر عرضة لأن يكونوا رباعيي الألوان، ولكن، على الرغم من أن هذه الأمور قد تُعطي بعض الدلائل، إلا أن الاختبار الجيني والدراسة المخبرية يُعدان مؤشرين أكثر موثوقية.
مرونة أجزاء أخرى من الجهاز البصري
هناك أمر آخر لا يزال الباحثون لا يفهمونه، بشأن رباعية الألوان، وهو ما الذي يحوّل "رباعية الألوان الشبكية" إلى "رباعية الألوان الوظيفية" أو (الرؤية المحسنة للألوان)، إن كان هناك شيء من هذا القبيل.
اظهار أخبار متعلقة
تقول الدكتورة جيني بوستن، عالمة الأعصاب البصرية في جامعة ساسكس: "هل يحتجن إلى نوع محدد للغاية من الخلايا المخروطية؟ أم أن الأمر يتعلق بكيفية تعلمهن استخدام هذه الإشارات؟"، مشيرة إلى أن الأمر قد يكون مرتبطاً أيضاً بمرونة أجزاء أخرى من الجهاز البصري.
وتضيف: "هناك احتمال آخر، وهو أنهن قد يحتجن إلى استخدام تلك الإشارات اللونية في أمور ذات صلة في حياتهن (اليومية)، حتى يتمكنَّ من تطوير القدرة على تمييزها".