في الذكرى الـ31.. دموع تتجدد في سربرنيتسا مع وصول رفات ضحايا الإبادة الجماعية
لندن- عربي2110-Jul-2601:33 PM
أهالي ضحايا سربرنيتسا يودعون رفات أحبائهم بعد عقود من الانتظار - جيتي
شارك الخبر
وسط أجواء يختلط فيها الحزن بالإصرار على حفظ الذاكرة، استقبل أهالي ضحايا مجزرة سربرنيتسا رفات عشرة بوسنيين جرى التعرف إلى هوياتهم حديثا، تمهيدا لدفنهم في مقبرة بوتوتشاري التذكارية، تزامنا مع الذكرى الحادية والثلاثين للإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات صرب البوسنة بحق آلاف المسلمين البوشناق في تموز/ يوليو 1995.
وجاءت مراسم الدفن هذا العام في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن مجزرة سربرنيتسا ستظل وصمة في ضمير المجتمع الدولي، محذرة من تصاعد خطاب الكراهية وتمجيد مجرمي الحرب، بينما يواصل الناجون وأسر الضحايا المطالبة بالحفاظ على الحقيقة التاريخية ومواجهة محاولات إنكار الجريمة.
ووصل موكب النعوش العشرة، المغطاة بالأقمشة الخضراء، إلى مقبرة بوتوتشاري الخميس٬ بعد رحلة انطلقت من مدينة فيسوكو مرورا بالعاصمة سراييفو، قبل أن يستقر في مصنع البطاريات القديم المقابل للمقبرة، والذي استخدم قاعدة للقوات الهولندية التابعة للأمم المتحدة خلال الحرب، على أن تنقل النعوش الجمعة إلى المقبرة تمهيدا لدفنها عقب مراسم التأبين الرسمية، بحسب وكالة الأناضول.
واستقبلت عائلات الضحايا النعوش بالدعاء والدموع، في مشهد تكرر للعام الحادي والثلاثين، حيث لا تزال عمليات البحث عن المقابر الجماعية تكشف بين الحين والآخر عن رفات جديدة تعيد فتح جراح المجزرة.
"قبلني ورحل ولم يعد"
وقالت مديحة دوزيتش، وهي تقف أمام نعش والدها محيي الدين عثمانوفيتش، إنها كانت في الخامسة من عمرها عندما رأته للمرة الأخيرة قبل سقوط سربرنيتسا بيد القوات الصربية.
وأضافت للصحفيين: "قبلني ومضى، ولم يعد أبدا. عثروا على جزء من رفاته قبل سنوات، لكننا انتظرنا حتى يعثروا على مزيد من عظامه. هذا العام وجدوا بضع عظام أخرى، وأصبح بإمكاننا دفنه أخيرا".
ومن بين الضحايا الذين سيوارون الثرى هذا العام، الشاب موريز باراكوفيتش، الذي قتل وهو في الثانية والعشرين من عمره.
وقالت زوجته نذيرة باراكوفيتش إنها انتظرت أكثر من ثلاثة عقود حتى تتمكن من دفنه، موضحة أن ما عثر عليه من رفاته لم يتجاوز الجمجمة.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت: "كان قرار الدفن صعبا للغاية، لكنني أردت أن أعرف أين يرقد، حتى أتمكن من زيارة قبره وقراءة الفاتحة على روحه. هذا أقل ما يمكن أن أفعله بعد كل هذه السنوات".
وتحيي الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي اليوم الدولي للتفكر في الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، الذي يوافق الحادي عشر من تموز/ يوليو، بعد اعتماد الجمعية العامة قرارا باعتبار المناسبة يوما دوليا لإحياء ذكرى الضحايا.
تحذيرات من إنكار الإبادة الجماعية
وأكد تشالوكا بياني، المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، أن المجزرة "ستبقى إلى الأبد عبئا ثقيلا على ضمير المجتمع الدولي والأمم المتحدة والتاريخ الحديث"، داعيا إلى الوقوف دقيقة صمت تكريما للضحايا، وللنساء والفتيات اللواتي تعرضن للتهجير القسري والانتهاكات عقب المجزرة، وفقا لبيان الأمم المتحدة.
وشددت الأمم المتحدة على أن ذكرى سربرنيتسا لا ينبغي أن تبقى مناسبة لاستحضار الماضي فحسب، بل محطة للتنبيه إلى مخاطر خطاب الكراهية وإنكار الجرائم الجماعية، في وقت تتزايد فيه النزاعات المسلحة حول العالم.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، في رسالة تلاها رئيس ديوان مكتبه إيرل كورتيناي راتراي خلال مراسم الذكرى، إن العالم تعهد بعد سربرنيتسا بألا تتكرر مثل هذه الجرائم، إلا أن "خطاب الكراهية يتصاعد مجددا، ويغذي التمييز والتطرف والانقسام، بينما يجري تمجيد مجرمي الحرب المدانين"، داعيا إلى عدم تجاهل المؤشرات المبكرة التي قد تقود إلى تكرار المآسي.
وأضاف أن الوقاية من الإبادة الجماعية "مسؤولية مشتركة"، مؤكدا أن التحرك المبكر يبقى الوسيلة الأكثر فعالية لحماية الشعوب من تكرار مثل هذه الجرائم، وفق بيان الأمم المتحدة.
من جانبه، أكد عضو هيئة رئاسة البوسنة والهرسك دينيس بيتشيروفيتش أن الحفاظ على الحقيقة التاريخية بشأن ما جرى في سربرنيتسا بات ضرورة لا تقل أهمية عن تحقيق العدالة.
وقال إن "الحقائق التي أثبتتها المحاكم الدولية لا يجوز أن تتحول إلى مادة للمساومات السياسية"، معتبرا أن "إنكار الإبادة الجماعية بحق البوشناق يمثل عملا مناهضا للحضارة، وإهانة للضحايا، وتهديدا جديدا للأحياء".
وفي السياق ذاته، قالت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك، في رسالة مصورة، إن الإبادة الجماعية لا تبدأ بالمقابر الجماعية، وإنما "تبدأ بالكراهية والتمييز وتقسيم الناس إلى نحن وهم، وتجريدهم من إنسانيتهم".
ودعت المجتمع الدولي إلى تحويل عبارة "لن يتكرر ذلك أبدا" من شعار إلى التزام عملي يمنع وقوع مآس مشابهة مستقبلا.
وبالتزامن مع مراسم استقبال رفات الضحايا، واصل آلاف المشاركين السير في "مسيرة السلام" السنوية، التي انطلقت من بلدة نزوك شرقي البوسنة باتجاه مقبرة بوتوتشاري الأربعاء، في النسخة الحادية والثلاثين من الفعالية التي تحيي ذكرى الضحايا.
آلاف يسيرون على طريق الموت إحياء للذكرى
ويشارك في المسيرة أكثر من ستة آلاف شخص من البوسنة وتركيا وعدد من الدول الأخرى، قاطعين نحو مئة كيلومتر عبر المسار الجبلي المعروف باسم "طريق الموت"، وهو الطريق الذي سلكه آلاف المدنيين البوشناق عام 1995 هربا من قوات صرب البوسنة، قبل أن يقع كثير منهم في الكمائن أو يقتلوا خلال محاولتهم الوصول إلى المناطق الآمنة.
وقال المشارك عصمت سلمان، في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول، إن المشاركة في المسيرة "واجب أخلاقي" للحفاظ على ذاكرة الضحايا ومنع نسيان ما جرى.
وأضاف: "علينا ألا ننسى ما تعرض له شعبنا، وألا نسمح بتكرار هذه المأساة"، مشيرا إلى أنه حمل العلم الفلسطيني خلال المسيرة تضامنا مع الفلسطينيين الذين قال إنهم يتعرضون لإبادة جماعية على يد الاحتلال الإسرائيلي.
كما أوضحت أمرا هاشمي، القادمة من النمسا والمنحدرة من مدينة سربرنيتسا، أنها تشارك في المسيرة برفقة زوجها وابنتها، بعدما فقدت عددا من أقاربها في المجزرة.
وقالت: "أشعر بالفخر لأن ابنتي تشارك معي، وأريدها أن تعرف ما حدث حتى لا ينسى أحد هذه الجريمة".
اظهار أخبار متعلقة
أما ميرسا مهيناغيتش، البالغة من العمر 77 عاما والقادمة من الجبل الأسود، فأكدت أنها تشارك في "مسيرة السلام" للمرة العشرين، معتبرة أن استمرار المشاركة يمثل رسالة وفاء للضحايا وإصرارا على مواجهة محاولات طمس الحقيقة.
وتعد مجزرة سربرنيتسا إحدى أبشع الجرائم التي شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعدما اجتاحت قوات صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش المدينة في 11 تموز/ يوليو 1995، رغم أنها كانت قد أعلنت "منطقة آمنة" تحت حماية الأمم المتحدة.
وخلال أيام قليلة، فصلت القوات الصربية الرجال والفتيان البوشناق عن النساء والأطفال، قبل أن تنفذ عمليات قتل جماعي طالت 8 آلاف و372 مدنيا، تراوحت أعمارهم بين سبعة أعوام وسبعين عاما، بينما جرى تهجير عشرات الآلاف من السكان قسرا، وفق السلطات البوسنية.
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن القوات الهولندية العاملة ضمن بعثة الأمم المتحدة في سربرنيتسا سلمت آلاف المدنيين البوشناق إلى القوات الصربية، في واحدة من أكثر الوقائع عارا في تاريخ عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
لماذا تتجدد مراسم الدفن كل عام؟
وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، واصلت فرق الطب الشرعي استخراج رفات الضحايا من عشرات المقابر الجماعية، بعدما عمدت القوات الصربية إلى نقل الجثامين بين مواقع مختلفة في محاولة لإخفاء معالم الجريمة، الأمر الذي أدى إلى العثور على أجزاء من رفات الشخص نفسه في أكثر من مقبرة جماعية.
ولهذا السبب، لا تزال مراسم الدفن تتجدد كل عام، مع التعرف إلى هويات ضحايا جدد عبر تحاليل الحمض النووي، حيث تفضل بعض العائلات انتظار العثور على أكبر قدر ممكن من الرفات قبل دفن ذويها، بينما تختار عائلات أخرى دفن ما يتم العثور عليه حتى وإن اقتصر على عدد محدود من العظام.
وقد أقرت كل من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بأن ما ارتكب في سربرنيتسا يرقى إلى جريمة إبادة جماعية، فيما صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق عدد من أبرز المسؤولين عن المجزرة، بينهم قائد قوات صرب البوسنة راتكو ملاديتش، والزعيم السياسي لصرب البوسنة رادوفان كارادجيتش.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الجريمة، يؤكد الناجون وعائلات الضحايا أن العدالة لن تكتمل إلا بمواجهة محاولات إنكار الإبادة الجماعية أو التقليل من حجمها، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة.
وتبقى مقبرة بوتوتشاري شاهدة على واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأوروبي دموية، فيما تتحول مراسم الدفن السنوية إلى رسالة متجددة بأن الضحايا لن يطويهم النسيان، وأن استذكار المأساة يمثل جزءا من مواجهة خطاب الكراهية ومنع تكرار جرائم مماثلة في المستقبل.