تتجه الأنظار إلى
العاصمة
الفلبينية مانيلا مع انطلاق محاكمة عزل نائبة الرئيس
سارة دوتيرتي، وسط
اتهامات بالفساد وإساءة استخدام المال العام وتهديد الرئيس، بينما ترى دوتيرتي أن
ما تواجهه يستهدف إقصاءها من سباق الرئاسة المقبل.
وأكدت
صحيفة نيويورك
تايمز الأمريكية أن
مجلس الشيوخ الفلبيني بدأ، الاثنين، محاكمة عزل نائبة الرئيس سارة
دوتيرتي، وسط صراع متصاعد بين اثنتين من أكثر العائلات السياسية نفوذًا في الفلبين،
بعدما انهار التحالف الذي جمعهما خلال الانتخابات الرئاسية عام 2022.
وأشارت الصحيفة إلى
أن أعضاء مجلس النواب يتهمون دوتيرتي، ابنة الرئيس السابق رودريغو دوتيرتي، باختلاس
أموال عامة، وخيانة الثقة التي منحها لها الناخبون، بعد اتهامها بإساءة استخدام الأموال
الحكومية خلال فترة توليها منصب نائبة الرئيس، وكذلك خلال شغلها حقيبة وزارة التعليم
بين عامي 2022 و2024. كما تواجه اتهامات على خلفية تصريحات قالت فيها إنها كانت تخطط
لاغتيال الرئيس
فرديناند ماركوس الابن.
وأضافت الصحيفة أن
سارة دوتيرتي، التي تولت منصب نائبة الرئيس عقب فوزها إلى جانب ماركوس في انتخابات
2022، نفت جميع الاتهامات، مؤكدة أن القضية تهدف إلى عرقلة طموحاتها السياسية وإبعادها
عن سباق الانتخابات الرئاسية المقرر عام 2028.
وتابعت نيويورك تايمز
أن دوتيرتي أعلنت بالفعل نيتها الترشح للرئاسة، لتسير على خطى والدها الرئيس السابق
رودريغو دوتيرتي، الذي يقبع حاليًا في أحد سجون مدينة لاهاي الهولندية، في انتظار محاكمته
أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، على خلفية الحرب الدامية
على المخدرات التي أطلقها خلال فترة رئاسته.
ولفتت الصحيفة إلى
أن فريق الدفاع عن نائبة الرئيس وصف القضية، الشهر الماضي، بأنها "مخالفة للدستور،
وتشوبها عيوب إجرائية وتفتقر إلى الأساس القانوني والموضوعي"، معتبرًا أن إجراءات
العزل لا تستند إلى مبررات قانونية سليمة.
وأوضحت الصحيفة أن
النظام الدستوري في الفلبين يمنح مجلس الشيوخ سلطة محاكمة المسؤولين الذين يصوت مجلس
النواب على عزلهم، على غرار النظام المعمول به في الولايات المتحدة، حيث يتولى الشيوخ
الفصل في ما إذا كان المسؤول المُحال للمحاكمة يستحق الإدانة أو البراءة.
وأكدت نيويورك تايمز
أن مجلس النواب صوّت بأغلبية ساحقة في مايو/أيار الماضي لصالح عزل دوتيرتي، بعدما أثار
النواب تساؤلات بشأن الثروة التي قالوا إنها جمعتها خلال توليها رئاسة بلدية مدينة
دافاو ابتداءً من عام 2019، إضافة إلى اتهامها بإساءة استخدام الأموال المخصصة لمكتبها
خلال عملها نائبة للرئيس ووزيرة للتعليم.
وأضافت الصحيفة أن
النواب استندوا أيضًا إلى تصريحات سابقة أدلت بها دوتيرتي، قالت فيها إنها رتبت لشخص
ما اغتيال الرئيس ماركوس إذا تعرضت هي للقتل، وهي التصريحات التي أصبحت أحد المحاور
الرئيسية في ملف العزل.
وأشارت نيويورك تايمز
إلى أن دوتيرتي كانت قد واجهت محاولة عزل مماثلة العام الماضي استنادًا إلى الاتهامات
نفسها، إلا أن المحكمة العليا قضت بعدم دستورية تلك الإجراءات، بينما صوّت مجلس الشيوخ
آنذاك على حفظ القضية دون المضي فيها.
وتابعت الصحيفة أن
إدانة نائبة الرئيس تتطلب تأييد ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، البالغ عددهم 24 عضوًا، وفي
حال تحقق ذلك فسيتم عزلها من منصبها وحرمانها من الترشح لأي منصب عام في المستقبل،
وهو ما قد ينهي مسيرتها السياسية قبل انطلاق السباق الرئاسي المقبل.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت أن موازين القوى
داخل مجلس الشيوخ شهدت تغيرًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما فقد حلفاء دوتيرتي الأغلبية
التي تمكنوا من السيطرة عليها لفترة وجيزة في مايو/أيار، وهو ما قد يزيد من احتمالات
صدور حكم بإدانتها.
وأشارت الصحيفة إلى
أن السيناتور رونالد ديلا روزا، قائد الشرطة السابق خلال رئاسة رودريغو دوتيرتي والمطلوب
لدى المحكمة الجنائية الدولية بسبب اتهامات تتعلق بدوره في الحرب على المخدرات، خرج
لفترة وجيزة من مخبئه للمساعدة في محاولة استعادة الأغلبية داخل مجلس الشيوخ، قبل أن
يغادر مجددًا بعد أحداث فوضوية شهدها المجلس وانتهت بإطلاق نار.
وأكدت نيويورك تايمز
أن هذه المحاكمة تمثل ذروة الانهيار الكامل للتحالف الذي جمع عائلتي ماركوس ودوتيرتي
في انتخابات عام 2022، حين وافقت سارة دوتيرتي على الترشح لمنصب نائب الرئيس إلى جانب
فرديناند ماركوس الابن، قبل أن يحققا فوزًا كاسحًا.
وأوضحت الصحيفة أن
النظام السياسي الفلبيني ينص على انتخاب الرئيس ونائبه بشكل منفصل، في آلية تهدف إلى
خلق نوع من التوازن السياسي بين المنصبين، إلا أن العلاقة بين الطرفين سرعان ما تدهورت
بعد بدء مجلس النواب مراجعة ميزانية مكتب نائبة الرئيس.
وأضافت أن الأزمة بلغت
ذروتها بعد اعتقال الرئيس السابق رودريغو دوتيرتي العام الماضي، بعدما كان الرئيس ماركوس
قد تعهد في البداية بحمايته من الملاحقة القضائية، قبل أن يسلمه لاحقًا إلى المحكمة
الجنائية الدولية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الرئيس السابق يصف الاتهامات الموجهة إليه بأنها "مهزلة" دبرها خصومه
السياسيون، في حين يؤكد الرئيس ماركوس أنه لا يتدخل في إجراءات محاكمة نائبة الرئيس.
ونقلت نيويورك تايمز
عن محللين قولهم إن إجراءات العزل عمقت الانقسام السياسي في الفلبين، البلد الذي تسيطر
فيه مجموعة محدودة من العائلات النافذة على الحياة السياسية، بينما لا تزال قضايا الفساد
تمثل تحديًا كبيرًا.
وقال المحلل السياسي
إدموند تاياو، بحسب الصحيفة، إن الكونغرس التزم بالإجراءات المنصوص عليها في الدستور
الفلبيني بشأن
محاكمة العزل، لكنه أعرب عن مخاوفه من أن يشكل أنصار دوتيرتي، الذين
احتشدوا خارج مجلس الشيوخ في مايو/أيار دعمًا للسيناتور رونالد ديلا روزا، تهديدًا
لنزاهة المحاكمة.
كما نقلت الصحيفة عن
تشيستر كابالزا، مؤسس معهد التنمية الدولية والتعاون الأمني في مانيلا، قوله إن ما
تشهده الفلبين حاليًا هو "صراع محسوب على السلطة بين اثنتين من أكبر السلالات
السياسية المتنافسة".
وأضاف كابالزا أن أنصار
عائلة دوتيرتي ينظرون إلى المحاكمة باعتبارها "انتقامًا سياسيًا انتقائيًا"
يهدف إلى إضعاف العائلة قبل الانتخابات المقبلة، بينما يرى منتقدوها أن القضية تمثل
اختبارًا حقيقيًا لمبدأ محاسبة المسؤولين.
وتابعت نيويورك تايمز
أن المحلل إدموند تاياو لا يتوقع صدور إدانة بحق دوتيرتي، لكنه يرى أن عرض الأدلة أمام
الرأي العام قد تكون له آثار سياسية بعيدة المدى، مضيفًا: "إذا اطلع الجمهور على
الأدلة وناقشها، فقد يكون ذلك نهاية الاسم السياسي لعائلة دوتيرتي".
وفي السياق نفسه، قالت
ليلى دي ليما، عضو مجلس النواب وعضو فريق الادعاء، إن المحاكمة ستكون "طويلة ومرهقة"،
مشيرة إلى أن فريق الادعاء يستعد لمواجهة حملات إلكترونية وهجمات عبر الإنترنت خلال
سير القضية.
وأضافت دي ليما، التي
أمضت أكثر من ست سنوات في السجن بتهم وُجهت إليها خلال حكم رودريغو دوتيرتي قبل أن
تتم تبرئتها والإفراج عنها، أن قضايا العزل تحمل بطبيعتها أبعادًا سياسية، لكنها شددت
على أن الأدلة المقدمة في هذه القضية قوية.
واختتمت الصحيفة بنقل
تأكيد دي ليما أنه "لا يمكن اعتبار ما يجري اضطهادًا سياسيًا طالما أن الشروط
الدستورية والقانونية اللازمة لتقديم دعوى العزل قد جرى الالتزام بها".