نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" الأمريكية
تقريراً يوضح الفوارق الجوهرية بين
مضيقي هرمز وملقا، حيث لا يمكن استنساخ محاولات
إيران وعمان لفرض رسوم عبور على السفن في هرمز من نموذج ملقا، نظراً لاختلاف
الظروف السياسية والأمنية والجغرافية بينهما.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "
عربي21"،
إنّه مع استكشاف إيران وعُمان طرقاً لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز،
اتجهت الأنظار إلى ممر مائي آخر يبعد نحو 3000 ميل، بحثاً عن نموذج يمكن الاسترشاد
به.
أوضحت الصحيفة أنّ
مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا يمثل
شرياناً حيوياً لإمدادات
الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 23 مليون برميل من
النفط يومياً، مقابل 21 مليوناً عبر مضيق هرمز قبل الحرب في إيران، كما يعدّ مساراً
رئيسياً لنفط الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ويضيق كلا الممرين عند نقاط اختناق
جغرافية، ما يجعلهما عرضة للاضطرابات.
وذكرت الصحيفة أنّ أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد،
فمضيق ملقا يربط أوروبا والشرق الأوسط بشرق آسيا، ويمر عبره ثلث التجارة العالمية،
ويشكل أهمية كبيرة للصين، حيث يمر عبره نحو 80 بالمئة من وارداتها النفطية، وهي
ثغرة يسميها قادتها "معضلة ملقا".
اظهار أخبار متعلقة
أضافت الصحيفة أنّ مضيق ملقا، الذي يتخذ شكل قمع
ويبلغ طوله 560 ميلاً، أطول بكثير من مضيق هرمز، كما أنّ حركة المرور فيه أكثر
تنوعاً، حيث تعبره سنوياً حوالي 100 ألف سفينة محملة بشتى البضائع من أثاث وألعاب
وإلكترونيات. ويمثل الممر في أضيق نقاطه رحلة أصعب بكثير للسفن مقارنة بممر الخليج
العربي.
ولدى ملاك السفن بدائل إقليمية عن مضيق ملقا، بما في
ذلك مضيق لومبوك الواقع بين جزيرتي بالي ولومبوك الإندونيسيتين، رغم أنّ هذه
المسارات تزيد من التكلفة والوقت. في المقابل، يمثل مضيق هرمز البوابة البحرية
الوحيدة للخليج العربي، ما يمنح عُمان وإيران نفوذاً أكبر، لعدم وجود بدائل عملية
أمام شركات الشحن.
ووفقاً لمسؤولين ودبلوماسيين مطلعين على المناقشات،
اقترحت عُمان أن تتولى مع إيران تحصيل رسوم من السفن العابرة للمضيق. ولكن تضاربت
التصريحات، إذ ذكر دبلوماسي أنّ الدفع سيكون طوعياً، بينما أكدّ مسؤول إيراني أنّه
سيكون إلزامياً. واستُلهم هذا المقترح جزئياً من ترتيبات مضيق ملقا، لكن مآل هذا
المقترح لا يزال غامضاً في ظل مساعي الوفدين الأمريكي والإيراني لتسوية خلافاتهما
حول قضايا عدة.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ خطة فرض رسوم على العبور عبر
مضيق هرمز كانت في يوم من الأيام أمراً لا يمكن تصوره، حيث تقضي المبادئ الراسخة
التي تحكم الشحن العالمي بأن تظل الممرات المائية الدولية حرة للملاحة.
أوردت الصحيفة أيضاً أنّ مضيق ملقا ظل لعقود يُدار
بشكل مشترك من قبل الدول الثلاث المطلة عليه - سنغافورة، وماليزيا، وإندونيسيا -
دون نزاعات كبرى تُذكر.
وحين أدلى مسؤول إندونيسي بتصريحات في نيسان/ أبريل
الماضي حول فرض رسوم، سارعت سنغافورة وماليزيا إلى رفض الفكرة. وقد نجحت الدول
الثلاث في تجنب الحروب البينية طوال ستة عقود، إذ انتهى آخر صراع بينها عام 1966،
عندما أنهت إندونيسيا مواجهتها مع اتحاد ماليزيا الذي كان قد تشكل حديثاً آنذاك.
اظهار أخبار متعلقة
لا تدفع السفن رسوماً مقابل العبور من مضيق ملقا، بل
تدفع مبالغ مالية عند احتياجها لخدمات محددة، مثل المساعدة في القطر أو الإرشاد
عبر أضيق ممرات المضيق. ويضيق الممر قرب سنغافورة ليصل إلى أقل من ميلين بحريين،
مقارنة بـ 21 ميلاً بحرياً في مضيق هرمز.
ونوّهت الصحيفة إلى أنّ الملاحة في مضيق ملقا قد
تشكّل تحدياً حتى للبحارة ذوي الخبرة، ما أدى إلى وقوع تصادمات. وبحسب كولين كوه،
الزميل البارز المتخصص في الأمن البحري بجامعة "نانيانغ" التكنولوجية في
سنغافورة، فإنّ السفن تستعين أحياناً بما يُعرف بـ "مرشدي الموانئ" في
سنغافورة للمساعدة في توجيهها خلال الرحلة.
يشير المحللون إلى سبب آخر يجعل من مضيق ملقا نموذجاً
محدوداً لمضيق هرمز، وهو أنّ البيئات السياسية والأمنية المحيطة بكل منهما تختلف
اختلافاً جذرياً.
ونقلت الصحيفة عن ناظري خالد، خبير بحري في جامعة
مالايا في كوالالمبور، قوله: "سيتعين عليهم ابتكار صيغتهم الخاصة"،
مضيفاً أنّ ذلك يتطلب توافق دول منطقة مضيق هرمز على نهج موحد، وهو "أمر
سيكون في غاية الصعوبة، نظراً لأن المنطقة تشهد انقسامات حادة بالفعل".
وقد نشأ النموذج التعاوني في ملقا من التحول الأوسع
الذي شهدته جنوب شرق آسيا في ستينيات القرن الماضي، حيث أسست إندونيسيا وماليزيا
وسنغافورة وتايلاند والفلبين رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، واتفقوا
على تسوية النزاعات عبر الحوار لا الحروب.
وبيّنت الصحيفة أن إحدى المشكلات آنذاك كانت الفوضى
وغياب القانون في مضيق ملقا، حيث تسببت حوادث لناقلات نفط عملاقة يابانية في
تسربات نفطية هائلة.
اقترحت الدول المطلة على المضيق إنشاء ممرات مخصصة،
وعمليات تجريف دورية، وتحسين أنظمة التحكم في المرور والمساعدات الملاحية، وتشكيل
قوة شرطة بحرية مشتركة، لكن تكاليف هذه التحسينات شكّلت عائقاً، إذ كانت ماليزيا
وإندونيسيا تعانيان من اقتصادات نامية وتواجهان صعوبة في تحمل تلك الأعباء مقارنة
بسنغافورة.
اظهار أخبار متعلقة
وتدخلت "مؤسسة نيبون" اليابانية، وهي
مجموعة خيرية خاصة ذات صلات بالحكومة، للمساعدة. فمنذ عام 1969، مولت المؤسسة
عمليات مسح الممرات البحرية وإعداد الخرائط الملاحية وتوفير المعدات اللازمة
لتحسين السلامة، وبعد عقود، حين تفاقم تهديد القرصنة، وسّعت المؤسسة دعمها ليشمل
المبادرات الأمنية.
وأفادت الصحيفة أنّه بحلول منتصف العقد الأول من
الألفية الثانية، أدّى تنامي التجارة العالمية إلى إحياء المخاوف بشأن تمويل صيانة
المضيق، فاقترح يوهي ساساكاوا، رئيس مؤسسة نيبون، في عام 2007 أن تقدم السفن
مساهمات طوعية عند العبور، مقدراً أنّ الخطة قد تجمع 40 مليون دولار سنوياً.
لكن المقترح تعثر، إذ حذر محامون مختصون بالشؤون
البحرية من انتهاكه لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في حين خشيت صناعة
الشحن أن يشجع ذلك دولاً أخرى تشرف على ممرات استراتيجية على فرض رسوم مماثلة.
وبدلاً من ذلك، أعادت المؤسسة والمنظمة البحرية
الدولية والدول الثلاث المشاطئة صياغة الفكرة، وأطلقوا في العام نفسه مبادرة
تعاونية جديدة وصفتها سنغافورة بأنّها إطار عمل تاريخي للإدارة المشتركة لأحد أكثر
ممرات الشحن ازدحاماً في العالم.
وفيما بعد، تقرر أن تقبل جهة تُعرف بـ "صندوق
مساعدات الملاحة" مساهمات طوعية من الدول التي تعتمد بشكل كبير على المضيق،
كاليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند والإمارات، وتُخصص هذه الأموال لصيانة
المنارات والعوامات وأنظمة التوجيه الرقمية، وقد صرحت حكومة سنغافورة بأنّ الصندوق
جمع أكثر من 23 مليون دولار بحلول عام 2023.
اختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى تصريح أرسينيو
دومينغيز، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، الذي قال
إنّ إنشاء صندوق طوعي في مضيق هرمز قد يكون أمراً قابلاً للتطبيق، رغم أنّ فرض
مدفوعات إجبارية مقابل العبور يتعارض مع المبدأ الراسخ لحرية الملاحة في الممرات
المائية الدولية، مؤكداً أنّ مضيق ملقا ومضيق هرمز ليسا "متشابهين تماماً".