ممرات بديلة لهرمز.. خريطة أوسع لتأمين ممر التجارة العالمية (شاهد)

سوريا تقع في الملتقى الجغرافي بين شبه الجزيرة العربية وشرق البحر المتوسط - عربي21
سوريا تقع في الملتقى الجغرافي بين شبه الجزيرة العربية وشرق البحر المتوسط - عربي21
شارك الخبر
نشر موقع "أتلانتيك كاونسيل" تقريرًا قال فيه إن بناء شبكة ممرات بديلة تضم عُمان والسعودية ومصر وسوريا هو الضمانة الموثوقة الوحيدة للتغلب على اضطرابات مضائق الشرق الأوسط، وتوسيع آفاق الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي.

وذكر الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي 21"، أنه خلال قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في نيودلهي عام 2023، أعلنت السعودية والاتحاد الأوروبي والهند والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة عن خطط لإنشاء "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" كشريان نقل متعدد الوسائط. 

وكان تقرير للمجلس الأطلسي صدر عام 2025 أقر الجدوى الاقتصادية لهذا الممر بطاقة 1.5 مليون حاوية سنوياً لتوسيع نطاقه. ورغم عدم اكتمال مساره الأصلي بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران والتي تسببت في اضطرابات ميناء جبل علي في دبي، فإن إغلاق مضيق هرمز في شباط/ فبراير 2026، والذي أحدث أكبر انقطاع لإمدادات النفط تاريخياً، يعزز الحاجة الملحة لهذا الممر كأداة تحوط إستراتيجية ضد الاضطرابات المستقبلية.

وفي حين يظل الشريان الرئيسي للممر الممتد من الإمارات إلى ميناء حيفا في إسرائيل محورياً، فإن التقرير ينظر إلى الممر كشبكة ممرات أوسع، مستكشفاً أربعة منافذ رئيسية يمكن أن تشكل إضافات تشغيلية موثوقة، وهي: عُمان، والسعودية، ومصر، وسوريا عبر الأردن.

وأفاد الموقع أن سلطنة عُمان توفر بوابة بحرية تقع بالكامل خارج مضيقي هرمز وباب المندب، وتدعمها ثلاثة موانئ مجهزة للعمل في المياه العميقة.

وأضاف الموقع أن السعودية تمثل العمود الفقري الهيكلي للممر، وتُشكل موانئها على البحر الأحمر في جدة ونيوم مخارج بديلة قابلة للتطبيق للمسار الشمالي المغلق.

أما مصر فهي تُعد منفذاً للممر ولكنه غير مستغل بالكامل؛ حيث يجري حالياً توسيع مجمع موانئها على البحر المتوسط لتصبح مراكز إعادة شحن عملاقة، بالتزامن مع مواصلة تشييد السكة الحديدية السريعة التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.

واعتبر الموقع أن سوريا، عقب الإطاحة ببشار الأسد ودخول عملاقي الشحن والخدمات اللوجستية "موانئ دبي العالمية" و"سي إم إيه سي جي إم" بموجب عقود امتياز لإدارة موانئ طرطوس واللاذقية لمدة ثلاثين عاماً، تقدم مخرجاً ثانياً في شرق البحر المتوسط، مما يمنح الممر مرونة وخيارات بديلة إضافية عند نهايته المتجهة نحو أوروبا.

وأوضح الموقع أن هذه المنافذ الأربعة توفر مجتمعة طاقة استيعابية سنوية للخروج عبر البحر المتوسط تُقدّر بنحو 20 مليون حاوية نمطية، وهو ما يعادل تقريباً 60 بالمئة من إجمالي الحاويات التي تعبر مضيق هرمز، مما يساهم في زيادة القدرة الاستيعابية والتشغيلية للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بشكل كبير.

وأشار الموقع إلى أن هذه المنافذ مجتمعة ستدعم وتنشط تجارة مُمكَّنة تزيد قيمتها عن 330 مليار دولار، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالطاقة الاستيعابية للممر وإمكاناته التجارية الواعدة.

ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات شبكة أوسع من روابط الطرق والسكك الحديدية والموانئ، وهي بنية شبكية متكاملة تحافظ على جوهر المسار الأصلي وقدراته، وتعمل في الوقت نفسه على توزيع المخاطر السياسية، ومضاعفة القدرة الاستيعابية، وضمان استمرارية التدفقات التجارية حتى عند تعطل بعض المنافذ الفردية.

وقال الموقع إن هذا التقرير يضع خريطة طريق موسعة تحدد المنافذ الأساسية بدقة، ويطرح مصفوفة عملية لتفعيل دور الشركاء والفاعلين، إلى جانب تقديم حزمة من التوصيات الشاملة والحلول للمعوقات القائمة في المجالات السياسية والدبلوماسية، والتنظيمية والجمركية، والتجارية والتمويلية، والتقنية المرتبطة بالبنية التحتية، فضلاً عن متطلبات الأمن والاستقرار.

وذكر الموقع أنه تم الإعلان عن "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" في 9 أيلول/ سبتمبر 2023 كشريان متعدد الوسائط يربط موانئ الهند الغربية بأوروبا عبر الخليج وبلاد الشام. وينقسم هيكل الممر إلى مسارين: شرقي يربط الهند بالخليج بحراً، وشمالي بري يمر عبر السعودية والأردن وإسرائيل وصولاً إلى ميناء حيفا، ومنه بحراً إلى موانئ أوروبا.


Image1_72026383934221301260.jpg

وبين الموقع أن المنطق الإستراتيجي للممر يرتكز على ثلاثة أبعاد: تقديم بديل مباشر لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وتفعيل التعاون الاقتصادي والعملي بين إسرائيل والدول العربية عبر مشاريع بنية تحتية مشتركة، ودعم أهداف تنويع الاقتصاد لدول الخليج بما يتماشى مع رؤية 2030.

وأشار الموقع إلى تعثر الممر لاحقاً نتيجة تجميد محادثات التطبيع السعودي الإسرائيلي إثر حرب غزة، وتراجع الملاحة بقناة السويس بنسبة 50 بالمئة بسبب هجمات البحر الأحمر. وقد أكد إغلاق مضيق هرمز في شباط/ فبراير 2026، الذي يعبره سنوياً نحو 33 مليون حاوية و20 مليون برميل نفط يومياً، الحاجة الملحة لوجود مسارات بديلة ومرنة للتحوط ضد هشاشة طرق التجارة العالمية.

وأضاف الموقع أن التقرير يستعرض ثلاثة مسارات بديلة تضاف إلى المسار الأصلي: العُماني لتوسيع الطاقة الاستيعابية عبر موانئ تقع خارج مضيق هرمز، والمصري لربط البحرين الأحمر والمتوسط برياً، والسوري الذي يتيح بعد إعادة الإعمار منفذاً إضافياً على المتوسط.

ويزيد نهج الشبكة المتكاملة القدرة الاستيعابية، ويحد من التعرض للاضطرابات السياسية والتجارية، كما يحسن الجدوى الاقتصادية للمشروع من خلال توزيع تكاليف الاستثمار الرأسمالي وتحفيز التنافسية لخفض رسوم العبور والخدمات اللوجستية.

عُمان بوابة تكميلية

وذكر الموقع أن سلطنة عُمان تتمتع بموقع جغرافي فريد على الطرف الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية بشريط ساحلي يبلغ طوله 3165 كيلومتراً، مما يمنحها ميزة إستراتيجية بتشغيل موانئ تقع بالكامل خارج مضيق هرمز.

منافذ الدخول: موانئ البوابات الثلاثة 


وأشار الموقع إلى أن البنية التحتية للموانئ العُمانية ترتكز على ثلاثة موانئ رئيسية: صحار في الشمال، وصلالة في الجنوب، والدقم في الوسط. وتلعب هذه الموانئ أدواراً وظيفية وجغرافية متباينة تشكل معاً ركيزة المنظومة اللوجستية الوطنية، حيث تسهم الاستثمارات الضخمة الأخيرة في توسعة المحطات والمشاريع الصناعية والطاقة الخضراء في تحويلها من مجرد مرافق شحن تقليدية إلى مراكز لوجستية متكاملة متعددة الوسائط.

البنية التحتية الداخلية: الطرق والسكك الحديدية

ترتبط الموانئ العُمانية الثلاثة بمنفذ "رملة خيلة" الحدودي مع السعودية؛ حيث يوفر ميناء صلالة مساراً ملاحياً مباشراً عبر البحر الأحمر، بينما يمنح طريق الربع الخالي، الذي تم افتتاحه في شباط/ فبراير 2026، ميناء صحار مساراً برياً مباشراً نحو الحدود، ليصبح نقطة الانطلاق الرئيسية للجسر البري العُماني.

ويعزز مشروع "قطار حفيظ" مكانة عُمان كبوابة للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، كأول سكة حديد خليجية عابرة للحدود تربط ميناء صحار بشبكتي الإمارات والسعودية وصولاً لبحر العرب. ويمتد الخط بطول 238 كم، ليختصر زمن الشحن بين صحار وأبوظبي إلى 100 دقيقة وبطاقة استيعابية تبلغ 15,000 طن لكل قطار، وقد تم إنجاز نحو 40 بالمئة من المشروع حتى الآن.


Image1_72026383923915071772.jpg

السعودية كالعمود الفقري للممر

وتُعد السعودية العمود الفقري والمكون الجغرافي الأكبر للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا؛ إذ تعبرها بالكامل البضائع المتجهة من الإمارات إلى الأردن وأوروبا. كما تربط منفذ الدخول الشرقي في الخليج (ميناء جبل علي) بالمراكز الغربية على البحر الأحمر مثل جدة ونيوم، لتجمع بذلك بين دوري ممر العبور ومركز التوزيع في آن واحد.

ويمتد المسار الداخلي للسعودية من معبر الغويفات الحدودي مع الإمارات شمالاً عبر المملكة إلى حدود الأردن عند معبر الحديثة بطول 1300 كيلومتر، وقد صُمم في الأصل كخط سكك حديدية يربط قطار الاتحاد الإماراتي بشبكة السكك الحديدية السعودية الأردنية المستقبلية، ثم بميناء حيفا عبر شبكة سكة حديد الحجاز.

منافذ الدخول: الإمارات وعُمان

وتلتقي الشحنات البرية الداخلة من الإمارات إلى السعودية عند معبرين رئيسيين، الأول هو "الغويفات - السلع" الذي يمثل الشريان الأساسي لحركة الشحن بين أبوظبي وجدة، والثاني هو "البطحاء - الوجاجة" الذي يخدم التدفقات الثانوية القادمة من منطقتي العين والبريمي، بما فيها بضائع ميناء صحار العُماني العابرة عبر الإمارات.

البنية التحتية الداخلية: الطرق والسكك الحديدية


وتمتد شبكة الطرق الداخلية لمسافة 1800 كيلومتر من معبر رملة خيلة الحدودي عبر الربع الخالي وصولاً إلى مفرق حرض، ومن ثم إلى الرياض وميناء جدة. وتخترق وصلة "رملة خيلة - حرض" البالغ طولها 564 كيلومتراً صحراء الربع الخالي عبر طريق سريع مخصص، متجاوزة الالتفافات الساحلية الطويلة، مما يتيح للشاحنات إتمام الرحلة بأكملها في غضون 22 إلى 24 ساعة تقريباً.

وأشار الموقع إلى أن الربط بالسكك الحديدية يظل الفجوة الأكثر تأثيراً في البنية التحتية للممر؛ حيث يسعى مشروع "الجسر البري السعودي" إلى تحويل المملكة من ممر عبور بري يعتمد على الطرق إلى شبكة سكك حديدية متكاملة تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر.


Image1_72026383954761384900.jpg

وأوضح الموقع أن اكتمال ممر السكك الحديدية السعودي الذي يربط "قطار الاتحاد" في الشرق بمينائي جدة ونيوم في الغرب سيوفر شرياناً حديدياً متصلاً يمتد من موانئ الهند عبر الخليج والسعودية وصولاً إلى مصر والبحر المتوسط، لافتاً إلى أن هذا المشروع يستهدف الاكتمال بحلول عام 2034.

منافذ الخروج: جدة ونيوم

وأشار الموقع إلى أن غياب ربط السكك الحديدية بين الأردن وإسرائيل شرقاً وغرباً لا يزال يقيد المسار الشمالي الأصلي للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وفي ظل هذا الغياب، توفر موانئ البحر الأحمر السعودية - ميناء جدة ومحطة أوكساجون في نيوم - منافذ خروج غربية تدعم حركة التجارة نحو البحر المتوسط وتشكل تفريعاً بحرياً يمنح الممر بعداً مصرياً. 

وأوضح الموقع أن ميناء جدة يتعامل حالياً مع أكثر من 8 ملايين حاوية نمطية سنوياً، في حين يمثل ميناء نيوم استثماراً بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير البنية التحتية البحرية ومحطات الحاويات، حيث تم إنجاز نحو 68 بالمئة منه مستهدفاً التشغيل في عام 2026.

مصر كعقدة للممر على البحر المتوسط

وذكر الموقع أن مصر تقع عند ملتقى البحرين الأحمر والمتوسط، وتمتلك نقاط دخول على خليجي السويس والعقبة، ومجمع موانئ متوسطية يشمل بورسعيد والإسكندرية والدخيلة وأبو قير ودمياط. وتعمل البنية التحتية المصرية للممر - المتمثلة في شبكة سكك حديدية مكهربة بطول 660 كيلومتراً تخضع للتشغيل التجريبي، وتوسيع موانئ المتوسط، ومنفذي البحر الأحمر النشطين - كأصول منفصلة بدلاً من نظام ممر متكامل، ويتمثل التحدي الرئيسي في ربط هذه الأصول بشبكة موحدة ضمن الهيكل الإقليمي.

منافذ الدخول: من جدة ونيوم إلى العين السخنة

وأضاف الموقع أن البضائع تدخل مصر عبر منفذين سعوديين على البحر الأحمر؛ الأول من ميناء جدة بحراً نحو العين السخنة، بوابة مصر التجارية الرئيسية على البحر الأحمر بتشغيل "موانئ دبي العالمية" والتي تبعد 43 كيلومتراً جنوب السويس، ويجري توسيعها لتصل طاقتها إلى 1.7 مليون حاوية نمطية، والثاني من محطة "أوكساجون" في نيوم نحو ساحل سيناء عبر خليج العقبة. 

وسيوفر مشروع "جسر الملك سلمان" المقترح، وهو جسر بري وسكك حديدية بطول 32 كيلومتراً يقطع مضيق تيران بتمويل سعودي كامل قيمته 4 مليارات دولار، مكملاً برياً للمنفذ البحري ليربط شبكات السكك الحديدية السعودية والمصرية مباشرة، وحتى تشغيله، يظل مسار "جدة-العين السخنة" هو الشريان النشط للممر.

البنية التحتية الداخلية: الطرق والسكك الحديدية

ويهدف الخط الحديدي الكهربائي السريع الذي يربط بين العين السخنة والقاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح إلى تعزيز كفاءة الممر البري المصري، برفع طاقة الشحن السنوية إلى 13-15 مليون طن مقارنة بـ 4-5 ملايين طن للشبكة الحالية. وقد بدأ تشغيله التجريبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

وأشار الموقع إلى أن مصر أعادت إحياء شبكة سكك حديد سيناء في عام 2024، والتي ستوفر عند تشغيلها بالكامل ربطاً برياً لشحن البضائع من ساحل سيناء إلى ميناء شرق بورسعيد على البحر المتوسط. 

وقد بدأ التشغيل التجريبي في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 لقطاع "الفردان- بئر العبد" بطول 100 كيلومتر كبوابة للمرحلة الأولى من خط بطول 500 كيلومتر يربط شرق بورسعيد بطابا. كما تجري دراسة امتداد منفصل بطول 59 كيلومتر يربط العين السخنة بمدينة السويس لتعزيز التكامل بين الموانئ وشبكة السكك الحديدية عند المدخل الجنوبي للقناة.


Image1_72026384010247330036.jpg

منافذ الخروج: مجمع موانئ البحر المتوسط

ويمثل مجمع موانئ مصر على البحر المتوسط بنية خروج أساسية للممر؛ حيث احتل ميناء شرق بورسعيد المرتبة الثالثة عالمياً والأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفقاً لمؤشر أداء موانئ الحاويات لعام 2024 الصادر عن البنك الدولي، بتعامله مع 3.9 ملايين حاوية نمطية في عام 2024. كما أضافت توسعة محطة حاويات قناة السويس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 طاقة استيعابية سنوية تبلغ 2.2 مليون حاوية نمطية، ليرتفع إجمالي الطاقة الاستيعابية إلى 7 ملايين حاوية نمطية. 

اظهار أخبار متعلقة


ومن المتوقع أن تضيف التوسعات الجارية في الموانئ المتوسطية نحو 10 ملايين حاوية نمطية سنوياً خلال ثلاث إلى خمس سنوات، في حين عالج ميناء الإسكندرية والدخيلة معاً 74.8 مليون طن في العام المالي 2024-2025 بنمو سنوي بلغ 14 بالمئة.

ممر الأردن وسوريا: الجسر البري إلى شرق البحر المتوسط

وذكر الموقع أن سوريا تقع في الملتقى الجغرافي بين شبه الجزيرة العربية وشرق البحر المتوسط، حيث يشكل الشريان الرئيسي للطريق الدولي السريع -الذي يمتد من الحدود الأردنية مروراً بدمشق وحمص وصولاً إلى الساحل- مساراً برياً مباشراً يربط الخليج بمينائي طرطوس واللاذقية على المتوسط. وبعد قطيعة دامت قرابة عقد من الزمن بسبب الصراع والعقوبات وانهيار الدولة، أعاد الانتقال السياسي في عامي 2024-2025 فتح هذا المسار الإستراتيجي.

وقال الموقع إن منطق إعادة الإعمار والربط متلازمان، إذ لا يمكن لموانئ سوريا على المتوسط أن تعمل كنقاط في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا دون الطرق والسكك الحديدية التي تغذيها، ولا يمكن إعادة بناء هذه الشبكة دون تدفقات الاستثمار التي يتيحها دمج الممر. 

وتعكس عقود الامتياز التي وقعتها شركة "موانئ دبي العالمية" بقيمة 800 مليون دولار في طرطوس، وشركة "سي إم إيه سي جي إم" بقيمة 230 مليون يورو في اللاذقية بعد رفع العقوبات عام 2025، إدراك القطاع الخاص لإمكانات سوريا؛ حيث تضيف إعادة دمج سوريا منفذًا ثالثًا على شرق المتوسط إلى جانب إسرائيل ومصر، ما يمنح الممر مرونة إضافية عند نهايته الأوروبية.

نقاط الدخول: السعودية والأردن - الحديثة


وأشار الموقع إلى أن الأردن يمثل الوسيط الضروري بين السعودية وسوريا، إذ تحده السعودية جنوبًا وسوريا شمالًا والعراق شرقًا وخليج العقبة من الجنوب الغربي، وتمر كل تجارة الأردن البحرية عبر ميناء العقبة. وتشكل الطرق الرئيسية مثل الطريق الصحراوي وطريق عمّان–دمشق الدولي العمود الفقري الذي يربط الحدود السعودية عند مدينة الحديثة شمالًا بعمّان ومنها إلى سوريا عبر معبر نصيب - جابر. لكن غياب شبكة سكك حديدية أردنية، إضافة إلى مشكلات الربط الحدودي مع إسرائيل وسوريا، ما زال يعيق هذا الجزء الحيوي من الممر.

وتعد الهند والسعودية وأوروبا، وهي الأطراف الرئيسة في اتفاق الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أكبر أسواق صادرات الأردن، ما يمنح السعودية مصلحة مباشرة في تفعيل الممر. 

وتصل البضائع القادمة من الخليج إلى الأردن عبر ممرين بريين: الطريق البري عبر السعودية من الإمارات وعُمان، وخط السكك الحديدية السعودي الشمالي الجنوبي الذي بدأ تشغيله في أذار/ مارس 2026 وينتهي عند الحدود السعودية الأردنية في مدينة الحديثة، ويمتد هذا الخط أكثر من 1700 كيلومتر من الدمام–الجبيل حتى الحدود الأردنية، وينقل أكثر من 400 حاوية في القطار الواحد، متجاوزة ممرات مضيق هرمز والبحر الأحمر.



Image1_72026384022952150313.jpg

البنية التحتية الداخلية: الطرق والسكك الحديدية

وأوضح الموقع أن شبكة الطرق السورية ترتكز على محورين رئيسيين: الطريق "إم 5" الذي يربط دمشق وحمص وحلب كعمود فقري بين الشمال والجنوب، والطريق الساحلي "إم 1" الذي يصل اللاذقية بطرطوس، وتتقاطع جميع الطرق القادمة من الحدود الأردنية في دمشق قبل أن تتفرع نحو الميناءين. 

أما خطوط السكك الحديدية من اللاذقية إلى حلب ومن طرطوس إلى دمشق فستكون جاهزة لنقل البضائع في مطلع 2026، بينما لم يكتمل بعد خط دمشق - عمّان، حيث يُتوقع تشغيله للركاب نهاية 2026 ولشحن البضائع بعد ثلاث إلى خمس سنوات، وسيوفر هذه الخط خيارًا مباشرًا للبضائع التي تدخل سوريا عبر معبر النصيب إلى دمشق ومن ثم إلى الخطوط الساحلية التي تخدم طرطوس واللاذقية.

المعابر الحدودية بين الأردن وسوريا واللوائح التنظيمية


وأفاد الموقع بأن الممر يمر عبر معبرين حدوديين متتابعين: الأول الحديثة/ العمري بين السعودية والأردن، وهو المعبر الرئيسي للشحن بين السعودية والأردن، والثاني جابر/ نصيب بين الأردن وسوريا، وهو الشريان الرئيسي للشحن بين البلدين ويمر عبره أكثر من ألف شاحنة يوميًا. وهناك معبر ثانوي في الرمثا/درعا يتعامل مع أحجام أقل.  

وقد سمحت سياسة جديدة أقرت في آذار/ مارس 2026 للشاحنات الأردنية والسورية بدخول أراضي الطرف الآخر مباشرة من دون تفريغ وإعادة تحميل، ما قلّص زمن وكلفة العبور، بينما تبقى الشاحنات القادمة من دول ثالثة خاضعة لإجراءات إعادة الشحن. ولتحقيق الإمكانات التي تتمتع بها سوريا كمركز متوسطي، سيتعين على الحكومة السورية، بالتنسيق مع الأردن، اتخاذ مزيد من الخطوات لتيسير البيئة التنظيمية.

نقاط الخروج: طرطوس واللاذقية

ولفت الموقع إلى أن ميناء اللاذقية يتعامل حاليًا مع نحو 95 بالمئة من تجارة سوريا المعبأة في حاويات، وقد تجاوزت حركة الشاحنات اليومية عند معبر نصيب/ جابر 1300 مركبة، وأعيد فتح معبر باب الهوى بين سوريا وتركيا في شباط/ فبراير 2026 بعد خمسة عشر عامًا، مما أتاح للشاحنات الأردنية الوصول إلى الأسواق التركية والأوروبية، فيما أعلنت تركيا رسميًا إعادة فتح الممر البري بين تركيا وسوريا والأردن بحلول 2026.

نقطة التلاقي في البحر المتوسط: ممران وبحر واحد

وقال الموقع إن شبكة الممرات تتقاطع عند سؤال إستراتيجي: أين يبدأ الجزء الأوروبي من الممر في البحر الأبيض المتوسط؟ ينتهي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا عند ميناء حيفا في إسرائيل، بينما يصل المسار المصري والمسار الأردني-السوري إلى البحر من اتجاهات مختلفة.

وتشمل منافذ مصر بورسعيد والإسكندرية والدخيلة وأبو قير ودمياط، فيما تشمل منافذ سوريا طرطوس واللاذقية؛ وتشكل هاتان المجموعتان معًا ثلاث نقاط دخول متوسطية متميزة ومتكاملة للشحن الموجه نحو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا؛ حيث تدخل من أيهما البضائع إلى ممرات الشحن البحري القصير التي تغذي الموانئ الجنوبية لأوروبا، وهنا تصبح المنافسة بين الموانئ الأوروبية المرشحة ذات أهمية تحليلية.

وتُعد اليونان وإيطاليا وفرنسا المرشحون الرئيسيون لاستضافة المحطة الأوروبية النهائية للممر؛ حيث تخضع كل من بيرايوس وثيسالونيكي وترييستي ومارسيليا للدراسة الجادة حاليا، ويحظى كل ميناء بميزة جغرافية وبنية تحتية مختلفة، والأهم أن كل ميناء يرتبط بشكل مختلف بمجموعتي منافذ البحر المتوسط السابق ذكرها. وهذا هو المنطق الشبكي المطبق على أوروبا؛ حيث يقلل تعدد المنافذ الأوروبية المخاطر السياسية ويمنح الممر مرونة أكبر.

تقع مجموعة الموانئ المصرية على مقربة جغرافية من كل من بيرايوس ووسط البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها الممر الطبيعي للتوزيع في جنوب أوروبا، بينما يوفر ميناء ترييستي أقصر مسافة بحرية إلى أسواق أوروبا الوسطى، كما أن تميزه بنسبة عالية من النقل عبر السكك الحديدية، يوفر اتصالاً متعدد الوسائط لا مثيل له بالدول الأوروبية الوسطى غير الساحلية.

اظهار أخبار متعلقة


من ناحية أخرى، تقع موانئ سوريا في منطقة الشام على مقربة من ممرات الشحن البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط التي تغذي ميناء بيرايوس ونظام الموانئ اليونانية، مما يجعلها الممر الطبيعي لشبكة التوزيع في منطقة البلقان والبحر الأسود.

وقد ركزت فرنسا أيضًا على تطوير ميناء مرسيليا، باعتبارها الميناء المهيمن في غرب البحر الأبيض المتوسط وارتباطها المباشر بالسكك الحديدية والطرق البرية بفرنسا والمناطق الداخلية لشبه الجزيرة الأيبيرية، مما يوفر للممر محطة نهائية في أوروبا الغربية لا يمكن لمينائي بيرايوس أو ترييستي خدمتها بنفس الفعالية.

عائد الشبكة: ما الذي توفره الخيارات المتاحة؟


وأكد الموقع أن الإمكانات التجارية لهذا الممر ضخمة، إذ يمكن أن تمر عبره تجارة بقيمة 331 مليار دولار، كما أنه قادر على استيعاب أكثر من 70 بالمئة من تجارة الهند مع أوروبا المقدرة بـ135 مليار دولار، وتوفير بديل لنحو 60 بالمئة من حركة الحاويات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز.

ويمكن أيضًا لهذه الشبكة توفير مسار بديل لما يصل إلى 220 مليار دولار من تجارة مجلس التعاون الخليجي الداخلية التي تمر حاليًا عبر الممرات البحرية الضيقة، ويستطيع هذا النهج الشبكي وحده تقليل الاعتماد على المضائق الثلاثة: هرمز وباب المندب وقناة السويس، التي واجهت جميعها حالات انسداد في السنوات الأخيرة.

يتطلب تحقيق هذا الحجم شبكة متعددة المنافذ على البحر الأبيض المتوسط عبر إسرائيل ومصر وسوريا، مدعومة ببنية تحتية قوية من الطرق والسكك الحديدية في شبه الجزيرة العربية والشرق الأدنى. وتحقق هذه الشبكة أربع فوائد هيكلية:

أولاً: المرونة عبر تعدد الخيارات

من خلال دمج مسارات بحر العرب والبحر الأحمر والشرق الأدنى في نظام متعدد الوسائط واحد، يتحول الممر من سلسلة خطية عرضة للخطر إلى شبكة مرنة يتم فيها استيعاب الاضطرابات وتسمح بإعادة توجيه الشحنات عبر مسارات متعددة.

ثانيًا: زيادة القدرة الاستيعابية

تزيل هذه البنية الحدود القصوى الصارمة للسعة، وبدلًا من الاعتماد على ممر سكك حديدية واحد، تتوسع سعة النقل عبر أنظمة الموانئ والسكك الحديدية المترابطة.

ثالثًا: ديناميات تسعير تنافسية

تؤدي المسارات المتوازية المتعددة إلى إثارة المنافسة في كل عقدة، مما يؤدي إلى خفض تكاليف النقل ومنع الاختناقات الاحتكارية.

رابعًا: توزيع المخاطر وتقليل الاعتماد على منفذ واحد

يقلل هذا النموذج من التعرض لعدم الاستقرار الذي لا يزال يعصف بالشرق الأوسط، ويسمح لمختلف القطاعات بالعمل بشكل مستقل. كما يضمن ألا تؤدي الانتكاسات في ممر واحد إلى شلّ البنية بأكملها من خلال توزيع المخاطر السياسية عبر ولايات قضائية مختلفة.


القيود على مستوى الشبكة


وأوضح الموقع أن العقبة الرئيسية للممر لا تكمن في البنية التحتية بل في التجزئة عبر المجالات السياسية والتنظيمية والأمنية على طول سلسلة العبور؛ ورغم عدم وجود عقدة واحدة تشكل عائقًا حاسمًا، إلا أن عدم التوافق بين العقد يخلق احتكاكات تراكمية تقوض موثوقية الممر.

وتعد سلطنة عُمان جاهزة تشغيليًا مع مخاطر تنظيمية وأمنية منخفضة، أما القيود المتبقية فهي قيود تقنية تتعلق باستكمال السكك الحديدية ودمج الموانئ، ما يجعلها نقطة تفعيل فورية لتدفقات الممر المبكرة.

أما السعودية فتمتلك قدرة تمويل قوية وزخمًا في البنية التحتية، لكن القيود السياسية، خصوصًا التطبيع مع إسرائيل، ما زالت تعرقل المسار الشمالي الأصلي، فيما تبقى المسارات البديلة ممكنة لكنها تحتاج التزامًا استراتيجيًا سعوديًا مستدامًا.

وأضاف الموقع أن مصر مستقرة سياسيًا ونشطة تجاريًا، لكن التجزئة التنظيمية بين الموانئ وغياب التنسيق الجمركي مع السعودية يحد من انسيابية العبور، لذا فإن تفعيل قابلية التشغيل المشترك يمثل الرافعة الرئيسة في المدى القريب.

يعاني الأردن من اختناقات تنظيمية وغياب البنية التحتية للسكك الحديدية، إضافة إلى حساسيات سياسية وأمنية، وتعتمد جدوى الممر على حل بروتوكولات عبور الدول الثالثة وسد الفجوات الرئيسة في السكك الحديدية.

أما سوريا فهي العقدة الأعلى خطرًا والأكثر تأثيرًا، إذ تواجه عقبات في جميع المجالات، ويتوقف دمجها في الممر على الاستقرار التدريجي وإعادة الإعمار المدعوم مدعوم بتمويل خارجي.

وأفاد الموقع بأن الهيكل الإداري الحالي للممر، وهو مذكرة التفاهم بين ثمانية أطراف، وُضعت لمسار واحد، لكنها تحتاج تحديثًا لتشمل أعضاء إضافيين واستراتيجية توسع لشبكة ممرات، مع آليات لتنسيق الأولويات وحل النزاعات الحدودية ومواءمة جداول الاستثمار. وتنقسم التوصيات إلى شق وظيفي عام وشق خاص بالمساهمين مع تحديد الإجراءات والجداول الزمنية وفق ما يمكن تفعيله فورًا أو ما يتطلب تسلسلًا مدروسًا أو ما يرتبط بظروف سياسية متغيرة.

أولًا: إنشاء آلية تنسيق شبكي لوضع بروتوكولات موحدة

وأفاد الموقع بأنه ينبغي على الحكومات إنشاء أمانة عامة مرنة للممر لإدارة المعايير اللوجستية عبر الحدود، وتحديث لحالة البنية التحتية، والتواصل مع القطاع الخاص. وينبغي ضم مصر والأردن وإسرائيل وعُمان كأعضاء رسميين، مع منح سوريا صفة مراقب ريثما تتقدم عملية إعادة الإعمار.

يجب أيضًا أن تراعي خطط العمل خصوصية كل دولة ، وينبغي استخدام أدوات تشخيصية مجربة مثل مجموعة أدوات إدارة ممرات التجارة والنقل التابعة للبنك الدولي ودراسة منظمة الجمارك العالمية لترتيب أولويات الإصلاحات وتسلسلها.

ثانيًا: تعزيز ثقة القطاع الخاص

وأشار الموقع إلى أن بناء ثقة القطاع الخاص في الممر يتطلب التزامات حكومية واضحة واستثمارات عامة مرئية، إضافة إلى تجارب أولية عبر شحنات تجريبية واختبارات انقطاع لضمان الموثوقية وتقليل المخاطر. كما أن مشاركة القطاع الخاص في النقاشات ضرورية لتحويل الاتفاقات الأولية إلى التزامات رأسمالية واسعة النطاق.

ثالثًا: تنسيق تطوير البنية التحتية بين الدول

وأكد الموقع أن تطوير البنية التحتية للممر يجب أن يكون جزءًا من شبكة متكاملة لا مشاريع وطنية معزولة، وأن التخطيط لكل جزء يجب أن يكون موحدًا عبر الحدود. وينبغي تنظيم هذا التنسيق بشكل رسمي من خلال آلية أمانة/ ممثلين فنيين في مرحلة تخطيط المشروع، بهدف وضع خريطة لمشاريع البنية التحتية على نطاق الممر بأكمله**.**

رابعًا: تطوير خطوط السكك الحديدية الرئيسية


وبين الموقع أن الفجوة الأهم في البنية التحتية تبقى في ربط الأردن بالسكك الحديدية، حيث تصل سكك الحديد السعودية إلى الحدود الأردنية، فيما تعمل الخطوط الساحلية السورية على الجانب الآخر. وقد تكون إعادة إحياء جزء قصير من سكة حديد الحجاز في الأردن وسيلة لخلق محور متصل يربط الدمام والرياض عبر الأردن إلى دمشق وموانئ المتوسط.

وتتمتع السعودية بأفضل إمكانيات لقيادة تمويل هذا المشروع الصغير عالي الأثر. كما أن خط السكك الحديدية السعودي المقترح بين الشرق والغرب سيؤسس شبكة سكك حديدية متكاملة وفعالة؛ ما يقلل زمن العبور إلى أقل من عشر ساعات مقارنة بـ22 إلى 24 ساعة بالشاحنات، ويعزز التكامل مع شبكة الاتحاد للسكك الحديدية شرقًا وموانئ البحر الأحمر غربًا، مما يسهل تدفق التجارة من المحيط الهندي عبر الخليج نحو مصر وأوروبا.

ويخلص الموقع إلى أن نجاح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يتوقف على تجاوز القيود السياسية والتنظيمية والأمنية أكثر من كونه تحدياً للبنية التحتية، مؤكدًا أن التنسيق الشبكي بين الدول، إلى جانب إشراك القطاع الخاص، يمثل الركيزة الأساسية لضمان موثوقية واستدامة المشروع. كما يبرز أهمية استكمال السكك الحديدية وتعدد منافذ المتوسط في توفير مرونة استراتيجية للممر وقدرة على مواجهة المخاطر وتعزيز التجارة الإقليمية والدولية.

التعليقات (0)

خبر عاجل