نشر موقع "
لو ديبلومات" تقريراً يتناول التحركات الأمريكية الهادئة للسيطرة على الثروات المعدنية الاستراتيجية في
غرينلاند، وكيف تحولت هذه الجزيرة الجليدية إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي.
ويقول الموقع في التقرير الذي ترجمته "عربي 21"، إن غرينلاند لم يتم حتى الآن ضمها أو احتلالها أو تحويلها إلى محمية، إلا أنها تشهد تطورات لافتة، حيث يدخل جزء مهم من إمكاناتها
التعدينية تدريجياً في دائرة النفوذ الاستراتيجي الأمريكي.
ويوضح الموقع أن مشروع "تانبريز" يشكل النموذج الأوضح على هذا التوجه، فقد حصلت شركة التعدين الأمريكية "كريتيكال ميتالز كورب" على تفويض من السلطات في غرينلاند لرفع حصتها إلى 92.5 بالمائة في هذا المشروع الضخم للتربة النادرة الثقيلة.
وفي الوقت نفسه، أعرب بنك التصدير والاستيراد الأمريكي عن اهتمامه بتمويل المشروع بمبلغ قد يصل إلى 120 مليون دولار.
ويرى الموقع أن واشنطن لا تسعى من خلال هذا المشروع للاستثمار في ثروات الجزيرة فحسب، بل تتطلع إلى تأمين مورد حاسم لصناعاتها وتعزيز نفوذها في مواجهة الصين.
اظهار أخبار متعلقة
أهمية الجزيرة
لطالما اعتُبرت غرينلاند منطقة نائية جليدية وهامشية، لكن هذه النظرة أصبحت جزءا من الماضي. فالاحترار القطبي، والافتتاح التدريجي لخطوط ملاحية جديدة، ووجود موارد استراتيجية، كلها عوامل حوّلت الجزيرة إلى ساحة مركزية للتنافس العالمي.
وتحتل غرينلاند موقعا استثنائيا، فهي تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، على اتصال بالطرق القطبية ومناطق المراقبة العسكرية في شمال المحيط الأطلسي، ويُضاف الآن إلى هذه الأهمية الجغرافية قيمة تعدينية هائلة.
وتعتبر العناصر النادرة الثقيلة التي تحتويها الجزيرة ضرورية للتقنيات الحديثة، فهي تُستخدم في تصنيع المغناطيس الدائم، والمحركات الكهربائية، والتوربينات، والرادارات، وأجهزة السونار، والصواريخ، والأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة، وأنظمة التوجيه.
حسابات واشنطن
يوضح الموقع أن الاستراتيجية الأمريكية واضحة تماما، فهي تريد تقليل اعتمادها على الصين في مجال المواد الخام الحيوية.
فمنذ سنوات، هيمنت بكين على جزء كبير من السلسلة العالمية للعناصر الأرضية النادرة، ليس على مستوى الاستخراج فحسب، بل في مراحل الفصل والتكرير والمعالجة الصناعية.
ويمثل منجم غرينلاند مصدراً محتملاً للإمدادات يقع في منطقة قريبة سياسياً من الغرب وحيوية استراتيجياً.
ومن خلال الاستثمار في مشروع "تانبريز"، لا تمول الولايات المتحدة نشاطاً تعدينياً فحسب، بل تضع قطعة على رقعة الشطرنج في الحرب الاقتصادية العالمية، وهذا الأسلوب هو أحد السمات المميزة للقوة الأمريكية المعاصرة، وفقا للموقع.
الصين تحتفظ بالميزة الحاسمة
يرى الموقع أن هذه الخطوة الأمريكية قد لا تكون كافية لتقويض الهيمنة الصينية، فامتلاك منجم لا يعني السيطرة على القطاع بأكمله، واستخراج المعادن الخام لا يكفي، بل يجب فصلها وتطهيرها وتحويلها ودمجها في المكونات الصناعية وإدخالها في منظومة الإنتاج الضخم.
هذا هو تحديداً ما يضمن للصين تفوقها، حيث أسست على مدى عقود نظاماً متكاملاً للاستخراج والتكرير والكيمياء الصناعية وتصنيع المكونات وإنتاج المغناطيس والتحكم في التكاليف. في المقابل، اعتبر الغرب لفترة طويلة أن هذه الأنشطة ثانوية أو ملوثة أو غير مربحة أو قابلة للنقل إلى أماكن أخرى.
ودون القدرة على التكرير، يظل المورد غير مكتمل ولا يمكن تحويل السيطرة على المعادن إلى مصدر قوة، لذلك فإن الرهان الأمريكي على ثروات غرينلاند مازال منقوصا، ويحتاج إلى إنشاء سلسلة متكاملة، بدءا من الاستخراج وصولا إلى المعالجة الصناعية في الولايات المتحدة أو في الدول الحليفة.
اظهار أخبار متعلقة
الرهان العسكري
يضيف الموقع أن الحروب الحديثة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المعادن النادرة، حيث أن الصواريخ الدقيقة، والرادارات المتقدمة، والأنظمة المضادة للطائرات، والطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية، ومعدات الحرب الإلكترونية، تتطلب مكونات متطورة، وهذه المكونات تحتاج إلى معادن نادرة، وعمليات صناعية معقدة، وسلاسل توريد آمنة.
وحسب الموقع، فإن الحرب في أوكرانيا أظهرت حقيقة واضحة نسيها كثيرون، وهي أن القوة العسكرية لا تعتمد فقط على الترسانات الجاهزة، بل على القدرة على الإنتاج والاستبدال والإصلاح.
ومن هذا المنظور، يصبح مشروع "تانبريز" رصيدا استراتيجيا مهما، لأنه يمكن أن يساهم في تأمين الإمداد لجزء من صناعة الدفاع الغربية، وتصبح غرينلاند جزءا من منطق العسكرة غير مباشرة في القطب الشمالي.
الفرص والمخاطر
بالنسبة لغرينلاند، قد تكون الاستثمارات الأمريكية مفيدة اقتصاديا، حيث إنها تجلب الأموال والوظائف والبنية التحتية والإيرادات الضريبية والحضور الدولي.
لكن هذه الاستثمارات تنطوي أيضا على مخاطر، فعندما تصبح مثل هذه المنطقة ذات أهمية قصوى لقوى عظمى، فإنها قد تفقد جزءاً من حريتها، وتصبح التبعية مالية وصناعية وتكنولوجية، إلى جانب التبعية الإدارية والسياسية.
وفي هذه الحالة، تُطرح أسئلة كثيرة حول شكل العلاقة بين غرينلاند والولايات المتحدة: من يقرر وتيرة الاستغلال؟ من يتحكم في البنية التحتية؟ من يعالج الموارد؟ من يحدد العقود؟ من يستحوذ على القيمة المضافة؟ من يتحمل التكاليف البيئية؟ ويخلص الموقع إلى أن غرينلاند قد تستفيد اقتصاديا، لكنها قد تصبح أيضاً أكثر تبعية.
أوروبا خارج المعادلة
يتساءل الموقع عن دور أوروبا في كل ما يحدث، حيث أن غرينلاند تابعة رسميا لمملكة الدنمارك، وبالتالي فهي جزء من منطقة مرتبطة تاريخيًا بالقارة الأوروبية، لكن الولايات المتحدة هي اللاعب الأكثر فاعلية في الوقت الراهن.
وحسب الموقع، تجسد هذه المفارقة نقطة ضعف أوروبية متكررة، حيث تتحدث أوروبا كثيرًا عن الاستقلال الاستراتيجي، والسيادة الصناعية، والموارد الخام الحيوية. ولكن عند معالجة هذه القضايا المصيرية، غالبًا ما تمتلك الولايات المتحدة الأدوات الأكثر فعالية: البنوك، والدبلوماسية الاقتصادية، والشركات، واستراتيجية الأمن القومي، والقدرة على الربط المباشر بين الصناعات المدنية والدفاعية.
لذلك قد تجد أوروبا نفسها في موقف حرج، فهي قريبة جغرافيًا من الموارد الاستراتيجية، ولكنها بعيدة كل البعد عن القوة الحقيقية التي تمكنها من السيطرة عليها.
الموقف الروسي
يشير الموقع إلى أن روسيا تراقب هذه التطورات باهتمام بالغ، فالقطب الشمالي يمثل بالنسبة لها عمقاً استراتيجياً محوريًا، إذ يضم ممرات ملاحية، وموارد طاقة، وقواعد عسكرية، وغواصات، وكاسحات جليد، وجزءًا من قدرات روسيا المستقبلية.
ويضيف الموقع أن روسيا لن تنظر إلى المساعي الأمريكية للسيطرة على موارد غرينلاند على أنها مجرد عملية تجارية، بل كجزء من مشهد أوسع يتضمن الوجود العسكري الأمريكي في شمال المحيط الأطلسي، ومراقبة الطرق القطبية، والتنافس على الموارد، والسيطرة على المنافذ، وتشكيل فضاء قطبي تزداد حدة التنافس للسيطرة عليه.
وقد لا تتخذ المنافسة بالضرورة شكل مواجهة مباشرة، بل ستكون على الأغلب منافسة إدارية ومالية وتكنولوجية بنسق بطيء.