هل حان وقت التحالفات القوية في مواجهة اللصوص؟

توران كشلاكجي
إذاعة جيش الاحتلال
إذاعة جيش الاحتلال
شارك الخبر
لا يمكنكم قراءة الحرب الجديدة في منطقتنا بالمفاهيم القديمة، ولا يمكنكم فكّ شيفرة لغة هذا الحريق بكلمات الحرب الباردة الجامدة. إن كتب السياسة في القرن الماضي عاجزة عن تفسير حقيقة اليوم. لقد دخل العالم مرحلة مختلفة: عصرٌ تتكلم فيه القوة لا القانون، وتسود فيه المصالح لا المبادئ.. عالمٌ جديد يُبنى، وفي هذا العالم سيُكتب التاريخ مرة أخرى بقلم المنتصرين.

إن هذا الحريق الذي بدأ في الشرق الأوسط ليس مجرد أزمة إقليمية؛ بل هو مخاض مؤلم لنظام عالمي جديد. اليوم، يسود القلق من أوروبا إلى آسيا، ومن افريقيا إلى أمريكا اللاتينية، ولا تعرف أصداء الحرب حدودا. حتى إن فرانك -فالتر شتاينماير رئيس ألمانيا، وصف هذه الحرب بأنها «خطأ كارثي من الناحية السياسية»، وهو توصيف لا يُعد مجرد انتقاد، بل بعد انعكاسا أوروبيا للانكسار الكبير القادم.

هذه الحرب التي أطلقها العقل الصهيوني الذي يرتهن الولايات المتحدة، لم تدمّر المدن فحسب، بل حطّمت أيضا شعور الثقة. لقد بات العالم يرى بوضوح؛ لا توجد قوة ولا اتفاقية يمكن الوثوق بها بشكل مطلق. ولهذا السبب، بدأت دول من اليابان إلى افريقيا تدرك ضرورة بناء صناعاتها الدفاعية الخاصة، بدل الاعتماد على أسلحة الآخرين، هذا التوجه الجديد سيقود حتما إلى موجة من التسلح النووي، سواء بشكل معلن أو غير معلن.

لكن السؤال الجوهري لا يزال قائما؛ هل الهدف حقا هو إيران؟ أم أن هذا يمثل فقط الفصل الأول من تصميم أكبر؟ إن خطاب «الشرق الأوسط الجديد» يوضح أن المسألة ليست محصورة بدولة واحدة، فلو كان الهدف إيران فقط، لكان الحديث عن «إيران جديدة»، لكن اللغة المستخدمة توحي بإعادة تشكيل الجغرافيا بأكملها. وهذا يدل على أن ما يحدث ليس نهاية، بل بداية على نطاق عالمي. وكما أن الأصوات الصاعدة من أوروبا تؤكد هذا الانكسار؛ فإن وصف وزير الطاقة الألماني لإغلاق محطات الطاقة النووية بأنه «خطأ كبير» ليس مجرد نقد لسياسة الطاقة، بل تعبير عن مواجهة قاسية مع حقائق المرحلة الجديدة.

إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق بالحدود فقط؛ بل إن النقاش الحقيقي يدور حول مصير الأنظمة. وقد قدّم السياسي التركي المخضرم دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية، منظورا مختلفا لسيناريوهات تغيير الأنظمة المتداولة في المنطقة، مشيرا إلى أن التغيير الحقيقي يجب أن يكون في إسرائيل. هذا الطرح يلفت إلى أن السياسات التي يتبعها بنيامين نتنياهو لا تزعزع استقرار فلسطين فحسب، بل المنطقة بأسرها.

ويُعدّ تأكيد بهتشلي إشارة قوية إلى المصدر الحقيقي للانكسار في المنطقة، كما يكشف عن ضرورة أن يتعامل الفاعلون الدوليون مع هذه العملية بنظرة أكثر حذرا ومسؤولية. فالمسار الحالي لا يهز حدود دولة واحدة فقط، بل يحرّك خط صدع عميق يطال توازنات جغرافيا كاملة. إن الاشتباكات المستمرة منذ أسابيع في المنطقة ليست مجرد توتر عسكري، بل أزمة أمنية متعددة الأبعاد، فكما تدوي الأسلحة، تدور أيضا حرب العقول.

وأقوى رد ممكن على هذا المشهد واضح؛ تحالفات قوية وواقعية. إن أي تكتل يمكن تشكيله بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان وقطر، سيكون قادرا على التأثير ليس فقط على الإقليم، بل على موازين القوى العالمية أيضا. إن خطاب «الشرق الأوسط الجديد»، ليس في الحقيقة رؤية، بل مشروع واسع النطاق. هذا المشروع لا يستهدف إيران فقط، بل يشمل الخليج وأوروبا وحتى الاقتصاد العالمي ضمن عملية إعادة تشكيل شاملة. الهدف هو إنهاك العالم بالأزمات الاقتصادية، وإضعافه، ومن ثم إعادة تشكيله. ومن هذا المنظور، لم تعد الحروب حروب جغرافيا، بل أصبحت حروب أنظمة.

خلاصة القول، إن العالم يرى هذه اللعبة؛ لكن الرؤية وحدها لا تكفي، القوة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه هذا النظام غير القانوني والمدمّر هي الإرادة المشتركة. ومثلما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «كما كان الحال قبل قرن، تم تحديد منطقتنا مرة أخرى كساحة صراع للنظام العالمي الجديد». هذا القول ليس مجرد تشخيص، بل إعلان للاستعداد. ومعنى هذا الاستعداد واضح؛ بينما تعاد كتابة التاريخ، لن نكون هذه المرة من الخاسرين. أبدا.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل