قبل ستة سنوات من الان، تسلم السلطان هيثم بن طارق الحكم في
عُمان في توقيت بالغ الصعوبة، بعدما ورث دولة تقف على حافة الهاوية اقتصاديا وسياسيا.
وجاء توليه السلطة عقب وفاة السلطان
قابوس بن سعيد، الذي حكم البلاد قرابة نصف قرن، في وقت تزامن مع انهيار أسعار النفط واقتراب جائحة كوفيد-19 من شل
الاقتصاد العالمي، فيما بلغت ديون السلطنة نحو 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وخفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف عُمان إلى مستوى غير استثماري، وتوقع
صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 10 بالمئة، وهو الأسوأ في منطقة الخليج.
اظهار أخبار متعلقة
واعتبر المحلل والمعلق في الشؤون الجيوسياسية بوبي غوش أن تلك المرحلة مثلت، بكل المقاييس، أسوأ توقيت ممكن لتولي السلطة في دولة تعتمد على النفط، غير أن المشهد بعد ست سنوات بدا مختلفا بشكل لافت.
وأشار الكاتب في
مقال نشرته صحيفة "فورين بوليسي" إلى أنه في وقت اتجه فيه ملوك جدد في الشرق الأوسط إلى تبني مشاريع استعراضية مرتفعة الكلفة دون اعتبار كاف للقدرات المالية، اختار السلطان هيثم نهجا مغايرا قائمًا على تقليص الإنفاق بصورة صارمة.
وأسفر ذلك عن انخفاض الدين العام إلى 34 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعودة التصنيفات الائتمانية لعُمان إلى المستوى الاستثماري، إلى جانب ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 121 بالمئة حتى عام 2023، وتحول العجز المالي إلى فائض.
كما أصبحت عُمان لاعبا عالميا بارزا في مجال الهيدروجين الأخضر، الذي يُنظر إليه كمصدر طاقة محوري للقرن المقبل.
ورأى غوش أن تجربة عُمان تمثل نموذجا للحكم الرشيد في منطقة يطغى فيها الاستعراض على الكفاءة، مشيرا إلى أنه بينما تبني السعودية مدنا ضخمة في الصحراء وتسعى الإمارات إلى مشاريع فضائية طموحة، أثبتت عُمان أن الإدارة التكنوقراطية الهادئة يمكن أن تنقل بلدا من حافة الانهيار إلى الاستقرار خلال خمس سنوات فقط.
وأوضح الكاتب أن السلطان هيثم لا يمتلك كاريزما سلفه قابوس، ولا يسعى إلى ذلك، فقد كان قابوس حاكما مثقفا وغامضا، راعيا للفنون، أسس فرقا موسيقية سيمفونية وكتب الشعر، واعتمد على علاقاته الشخصية ليجعل من عُمان وسيطا أساسيا في الخليج، قادرا على التواصل المباشر مع طهران وواشنطن في آن واحد.
في المقابل، وصف غوش هيثم بأنه مدير قبل أن يكون دبلوماسيا، يمتلك خبرة طويلة في الإدارة وصون التراث، بعد أن أمضى 18 عاما على رأس وزارة التراث والثقافة، وترأس اللجنة المسؤولة عن صياغة رؤية عُمان 2040، وهو أقرب إلى عالم الجداول والخطط منه إلى عالم الرموز الثقافية.
وأشار المقال إلى أن هذا الاختلاف في الأسلوب جاء في الوقت المناسب لعُمان، إذ كانت الإدارة الاقتصادية في عهد قابوس متراخية رغم فترات ازدهار النفط، حيث عانت البلاد من عجز مالي حتى خلال الطفرات النفطية، وعندما تولى هيثم الحكم، وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في النهج القديم مع مخاطر الانهيار، أو فرض إجراءات صارمة غير شعبية.
وبحسب الكاتب، اختار السلطان هيثم الخيار الأصعب، فأصدر خلال أشهر قرارات بإنهاء 70 بالمئة من عقود الخبراء الأجانب، وإحالة 70 بالمئة من كبار المسؤولين ذوي الخدمة الطويلة إلى التقاعد، وأطلق الخطة المالية متوسطة الأجل التي حددت سقوفا واضحة للإنفاق، وهو أمر غير مسبوق في بيئة اعتادت على صرف عائدات النفط فور تحصيلها.
كما فرض ضريبة القيمة المضافة، وأصبح في عام 2025 أول زعيم خليجي يفرض ضريبة دخل شخصية على أصحاب الدخول المرتفعة، وهي خطوات وصفها المقال بأنها محفوفة بمخاطر سياسية في دول يقوم عقدها الاجتماعي على توزيع الثروة النفطية لا تحصيل الضرائب.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد الكاتب أن نتائج هذه السياسات كانت واضحة، إذ انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف، وحققت السلطنة فائضا ماليا بنسبة 7.5 بالمئة في عام 2022، وتضاعفت صادراتها غير النفطية ثلاث مرات كنسبة من إجمالي الصادرات منذ بداية العقد الثاني من الألفية، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي نموا يقارب 4 بالمئة بحلول عام 2026.
ولفت غوش إلى أن جوهر نهج هيثم لا يقتصر على الانضباط المالي، بل يجمعه بالاستثمار الاستراتيجي، خصوصا في قطاع الهيدروجين الأخضر، الذي تخطط عُمان لاستثمار 140 مليار دولار فيه بحلول عام 2050.
ووقعت السلطنة في نيسان/أبريل 2024 وحده صفقات بقيمة 11 مليار دولار في هذا المجال، وأنشأت شركة "هايدروم" لإدارة القطاع، وأطلقت مزادات لمشاريع تستهدف إنتاج 1.38 مليون طن متري سنويا بحلول عام 2030، في مسعى لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار بعد نضوب النفط.
وأكد المقال أن السلطان هيثم حافظ في الوقت ذاته على حياد عُمان الدبلوماسي، مواصلا نهج الحوار مع الجميع، من خلال تسهيل التقارب السعودي الإيراني في 2023، والوساطة في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين في 2025، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع طهران وعلاقات وثيقة مع واشنطن، معتبرا أن هذا الحياد يشكل نهجا براغماتيا يخدم المصالح الاقتصادية في منطقة مضطربة.
غير أن الكاتب أشار أيضا إلى الجانب القاسي من هذا النهج، إذ لم يقتصر التشدد على الاقتصاد، بل شمل المجال السياسي.
ففي عام 2022، وقع السلطان مرسوما يقضي بسجن كل من "يتحدى" سلطته بين ثلاث وسبع سنوات، بصياغة فضفاضة تجرم أي نقد تقريبا، كما سُجن ناشطون بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وصودرت أكثر من 50 كتابا خلال معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2020، مع استمرار صلاحيات واسعة لجهاز الأمن الداخلي وحجب بعض خدمات التواصل مثل واتساب.
ورغم ذلك، أشار المقال إلى تحديات هيكلية لا يمكن حلها بالانضباط المالي أو القمع السياسي، أبرزها بطالة الشباب التي تبلغ نحو 15 بالمئة، وتتجاوز 30 بالمئة بين الشابات، في وقت يدخل فيه 55 ألف عُماني سنويا إلى سوق عمل محدود الفرص.
كما يثير برنامج "التعمير" الحكومي توترا مع القطاع الخاص، الذي يشكو من ضعف مهارات الخريجين وارتفاع توقعاتهم للأجور.
وخلص غوش إلى أن عُمان تواجه المأزق التقليدي لدول الخليج، المتعلق بتوفير وظائف لجيل يتوقع العمل الحكومي في اقتصاد تهيمن عليه الشركات المملوكة للدولة والعمالة الوافدة.
ورغم أن مشروع الهيدروجين الأخضر قد يخلق فرصا مستقبلا، إلا أن أثره لن يكون فوريا، فيما تبقى بطالة الشباب عاملا مرشحا لإشعال احتجاجات كما حدث في 2011.
وأشار الكاتب أيضا إلى استمرار اعتماد الحكومة على النفط بنسبة 70 بالمئة من الإيرادات، محذرا من أن أي انهيار جديد للأسعار قد يضيق هامش المناورة.
اظهار أخبار متعلقة
كما تطرق إلى ملف الخلافة، موضحا أن السلطان هيثم سارع إلى تعيين ابنه الأكبر ذي يزن بن هيثم وليا للعهد، واضعا نظاما واضحا لوراثة الحكم، لكنه أشار إلى أن الإصلاحات الحالية تحتاج عقودا لترسخ، وقد يرث الجيل القادم تحديات ثقيلة.
وختم الكاتب بالقول إن السلطان هيثم أظهر خلال خمس سنوات قدرة نادرة في المنطقة على اتخاذ قرارات صعبة وتنفيذها بنجاح، دون وعود براقة أو مشاريع استعراضية، بل بالتركيز على الاستقرار والتخطيط طويل الأمد، معتبرا أن هذه الكفاءة، وإن بدت غير لامعة إعلاميا، تمثل في الشرق الأوسط مدحا لا يضاهى.