من قوة القانون إلى قانون القوة.. تشكل البراديغم الجديد للعلاقات الدولية

 ما أقدمت عليه واشنطن من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقره بالعاصمة كاراكاس يمثل حدثا غير عادي، سواء بمعيار القانون الدولي، أو بمعيار نظريات العلاقات الدولية.
ما أقدمت عليه واشنطن من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقره بالعاصمة كاراكاس يمثل حدثا غير عادي، سواء بمعيار القانون الدولي، أو بمعيار نظريات العلاقات الدولية.
شارك الخبر
ينبغي أن نقر من وجهة نظر أكاديمية وحتى سياسية، أن ما أقدمت عليه واشنطن من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقره بالعاصمة كاراكاس يمثل حدثا غير عادي، سواء بمعيار القانون الدولي، أو بمعيار نظريات العلاقات الدولية.

من الزاوية الأولى (القانونية)، قدم الرئيس الأمريكي جوابا واضحا لا لبس فيه، فقال بألا شيء يمنعه عن فعل شيء، لا القانون الدولي ولا غيره، إلا أن يكون الوازع الأخلاقي نابعا من ضميره، ولذلك فهو لا يتردد على مستوى الخطاب أن يعلن أنه بصدد ضم كندا، وجزيرة غرينلاند الدانماركية، ولا يخفي أيضا شهيته المفتوحة للسيطرة على المعادن الثمينة في العالم.

ومن الزاوية الثانية (الأكاديمية)، فنحن بإزاء صدمة نظريات العلاقات الدولية، التي أضحت بحاجة لمراجعة شاملة، ليس بسبب فرضية عودة الاستعمار، ولكن لأن معظمها نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بعد تأسيس المنتظم الدولي، بسبب تعاظم التهديدات الوجودية التي تسبب فيها ظهور السلاح النووي.

في الواقع، بدأت مؤشرات هذا التحول في اللحظة التي تضخم فيها البعد الأمني في العلاقات الدولية، فمنذ مدة بدأت تبرز ملامح تطور الأطروحة الأمنية لدى القوى الدولية والإقليمية، فحصل تحول مهم في مفهوم الردع، وبرزت إلى السطح مفردات من قبيل الشريط العازل، والمنطقة الآمنة، والضربات الاستباقية، وتوسيع خارطة جدار الأمن القومي، وغيرها من المفردات التي سوغت المس بسيادة الدول المجاورة.  لقد انتصبت دوافع كثيرة راقبها المجتمع الأكاديمي، تبرر بروز هذه المفاهيم، منها التحديات الأمنية، والأقليات الانفصالية، وهشاشة الدولة، لكن اليوم، انضاف عامل آخر، ليس مرتبطا في صلبه بالأمن بمفهومه الضيق، بقدر ما هو مرتبط بتوسع مفهوم المصلحة الاقتصادية للدول وتلبية الحاجات التنافسية إن صح التعبير بحكم أن الاستقطاب الدولي اليوم صار منصبا على توفير المعادن الثمينة التي تساهم في صناعة الفارق والتفوق الدولي.

في هذا المقال، سنحاول أن نرصد تحولات العلاقات الدولية، و"البراديغم الجديد" الذي يتخلق في أحشائها، واستحقاقاته وحظوظ تشكله، والخيارات المطروحة أمام العالم العربي والإسلامي للتكيف معه أو مواجهته في تشكل البراديغم الجديد النظام للعلاقات الدولية.

ليس هناك أدنى شك أن صناع القرار السياسي اليوم، بمن فيهم حلفاء واشنطن من الدول الغربية، صاروا يتحسسون رؤوسهم لأنهم يتابعون مشهدا غير مألوف بالنسبة إليهم، خاصة ما يتعلق بالقواعد الحاكمة للقانون الدولي، والتي كان يتبرر الاحتيال عليها أو اعتماد معايير مزدوجة في التعاطي معها إذا تعلق الأمر بالمصلحة الغربية في مقابل مصالح الشعوب الأخرى، لكنهم اليوم، يرون أنهم أضحوا مستهدفين بطرح  الشرعية الدولية والقانون الدولي كلية، والاحتكام إلى قانون القوة بدل قوة القانون، فهم يعتقدون أن العالم التعددي الذي يحتكم إلى الشرعية الدولية الخادمة للهيمنة الغربية انتهى، وقد حل محله عالم الأقوياء الذين تفاهموا على اقتسام النفوذ، وأن العالم منذ اليوم، أضحى بين ثلاثة أطراف: صانع لخريطة التقسيم أو الاستحواذ، ومشارك فيها أو غير مقاوم لها، وموضوع للتقسيم والهيمنة.

لقد تابعنا تصريحات نقدية حادة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماعه السنوي بباريس بسفراء فرنسا، محذرا من بداية واشنطن من الابتعاد عن بعض حلفائها، واحتكامها إلى منطق اقتسام النفوذ في العالم بدل الحفاظ على الطابع التعددي له، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، وتحدث عن تصاعد أشكال جديدة من العدوان ذي الطابع الاستعماري في العلاقات الدولية، مؤكدا بأن النظام الدولي سيتفكك ما لم تتم مواجهتها.

صناع القرار السياسي العربي اليوم أمام ضيق الخيارات، والوضع الأفضل بالنسبة لبعضهم، أنهم صاروا أكثر نجاة من دول أخرى عربية اختارت أن تتموقع ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، فسواء في ذلك ما تبقى من الدول الشمولية أو الدول التي تمانع التطبيع، أو تشترط له، فكل هؤلاء يوجدون اليوم في وضع حرج، وربما تجهز بعض الدول سلة من الامتيازات لواشنطن خوفا من السيناريو المجهول، أما الدول الحليفة، فليست بأحسن حالا، فواشنطن وضعت في بوصلتها الاستراتيجية استهداف وحدة الدانمارك، فهل تكون هي أكثر قربا من واشنطن من هذه الدولة الغربية المسيحية الليبرالية؟
كلام الرئيس الفرنسي يوحي بوجود تفاهمات بين واشنطن وموسكو، بمقتضاها تنال واشنطن ما تريد مقابل أن تقر بأطماع موسكو في أوكرانيا، وأن الإدارة الأمريكية ماضية في الضغط على أوربا لكي تلزمها بذلك، لكن الثمن الذي ستقدمه أوربا، ليس فقط أن تفقد جزءا أساسيا من منظومة أمنها القومي، فتصير موسكو على حدودها المباشرة، وإنما أيضا، أن تقبل بأن تصير واشنطن هي الأخرى متماسة مع حدودها بعد أن تسيطر على جزيرة غرينلاند الدانماركية، وتستفرد بجزء مهم من ثروات أوكرانيا بمقتضى التفاهمات المذكورة.

من زاوية نظر أكاديمية، هناك بالفعل صدمة عنيفة لنظريات العلاقات الدولية، لكن في المحصلة، ليس الأمر صعبا لاستشراف ما سيأتي، فكل ما في الأمر، أن المحطة التاريخية التي صنعت نظريات العلاقات الدولية، ستتغير، ولن تصير نموذجا مرجعيا يقاس بها ما بعدها، إذ ستصير نهاية الحرب الثانية باستحقاقاتها القانونية والسياسية مجرد لحظة من لحظات العلاقات الدولية، التي لا يجادل أحد أن تاريخها قديم سبق بقرون كثيرة الحرب العالمية الأولى والثانية.

والخسارة التي يمكن أن تسجل لا ترتبط بضعف العقل الأكاديمي في الاستشراف، وإنما بالضرر الذي سيمس البعد المعياري والأخلاقي الحاكم للعلاقات الدولية، لأن محطة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت فاصلا ما بين الاستعمار واقتسام النفوذ وبين إعمال القانون الدولي وتحقيق السلم.  وما دام المعيار الأخلاقي، حسب خطاب الرئيس الأمريكي، لا يستمد من قواعد ثابتة، وإنما من اعتبارات ذاتية وجدانية تتعلق بضمير الساكن بالبيت الأبيض، فالأمر لا يثير مشكلة حتى بالمعيار الأخلاقي نفسه، فما يصير أخلاقيا، ليس هو ما تحتمه المعايير القانونية والحقوقية الدولية، وإنما ما يريح ضمير واشنطن.

البراديغم الجديد للعلاقات الدولية وأسئلة المستقبل

سؤال المستقبل اليوم صار تحديا كبيرا، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال بصريح العبارة، بأنه: "إذا لم تكن تلعب في الطاولة، فستكون ولا بد موضوعا للتقسيم".

المجتمع السياسي يراقب بدون شك هذه التطورات، لكن من المرجح أنه سيشهد في الآونة الأخيرة تغييرا في الخطاب، إما لجهة البحث عن خيارات لمنع هذا التحول الخطير في النموذج الناظم للعلاقات الدولية، بما يحصن سيادة الدول ووحدة ترابها وحقوقها الاقتصادية، وإما لجهة التكيف مع المنطق الجديد، وذلك في اتجاهين: تسويغ نفس الممارسة في حق شعوب ودول أخرى، أو البحث عن موقع في خارطة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، يؤمن النجاة من عدوى حالة فنزويلا، أو يضمن قدرا من المصلحة المشتركة مع واشنطن.

صناع القرار السياسي العربي اليوم أمام ضيق الخيارات، والوضع الأفضل بالنسبة لبعضهم، أنهم صاروا أكثر نجاة من دول أخرى عربية اختارت أن تتموقع ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، فسواء في ذلك ما تبقى من الدول الشمولية أو الدول التي تمانع التطبيع، أو تشترط له، فكل هؤلاء يوجدون اليوم في وضع حرج، وربما تجهز بعض الدول سلة من الامتيازات لواشنطن خوفا من السيناريو المجهول، أما الدول الحليفة، فليست بأحسن حالا، فواشنطن وضعت في بوصلتها الاستراتيجية استهداف وحدة الدانمارك،  فهل تكون هي أكثر قربا من واشنطن من هذه الدولة الغربية المسيحية الليبرالية؟

نظريا لا شيء يقول بأن واشنطن بهذه القوة التي تسمح لها بتركيع العالم، وبأن العالم كله فقد الخيار في مواجهتها، فواشنطن لا تملك كل هذه القوة لتجعل العالم مسرحا لأطماعها، وداخلُها لا يوفر أي إجماع على سياستها، ووضعها الاقتصادي لا يسمح بذلك. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالعالم اليوم، بصدد تخلق نظام متعدد الأقطاب، غير محكوم بالضرورة بما أنتجته الحرب العالمية الثانية من تصدر القوى الخمس، فهناك قوى أخرى جديدة إقليمية ودولية، ترسم خطاها نحو الإقلاع والتموقع، ويمكن في سياق التحالفات والتكتلات الدولية، أن تصنع مستقبلا مغايرا لما يجري اليوم، ومن ثمة فالخيارات يمكن تصورها، إذا لم تكن سياسة واشنطن مؤسسة على تفاهمات مع قوى دولية، محكومة بمنطق الأخذ والعطاء.

العالم العربي والإسلامي والمجموعات الخمس

إذا كان الأمر بهذه الشاكلة، ولعله كذلك، فالخيارات بالنسبة إلى العالم العربي جد محدودة، والأنفع في هذه المرحلة الدقيقة أن يتم تقليص مساحة الخلافات، والتفكير بعقلانية مفرطة في تكتلات حقيقية عنوانها تحصين الوجود، بدل أن يجتهد كل طرف في الاقتراب من أمريكا على حساب البعض الآخر.

في العالم العربي والإسلامي، هناك ستة نماذج تختلف خياراتها في التعاطي مع "البراديغم الجديد" المتشكل في العلاقات الدولية:

1 ـ النموذج النووي: وتمثله باكستان، وهو النموذج الذي يملك قوانين الردع، ويوجد نسبيا في دائرة خارج التقسيم والاستهداف بسبب قوته الردعية النووية، وأيضا بسبب الرهان على دوره الإقليمي في أفغانستان، وأيضا بسبب الخلاف الأمريكي الهندي على خلفية تفضيل نيودلهي لموسكو في بناء مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية.

عمليا، لا نستطيع أن نجزم ما إن كانت إيران تندرج ضمن هذا النموذج، لأن المعطيات بصدد برنامجها النووي لا تزال غامضة، والروايات الأكثر رواجا وتداولا تزكي تضرر برنامجها النووي، وعودته سنوات إلى الوراء، كما أن مجرى السياسة الدولية، وبخاصة الأمريكية، يزكي استثمار لحظة ضعف النظام الإيراني لتغذية الاحتقان الداخلي لتفجيره من الداخل.

2 ـ النموذج الإقليمي: ونقصد به الدول التي اشتغلت لمدة طويلة في بناء نفوذها الإقليمي في المنطقة، وأحدثت توازنات كبيرة في المنطقة، صار من الصعب لواشنطن التموقع فيها دون تفاوض معها. فتركيا مثلا تفاوض واشنطن بسوريا وليبيا والسودان، والسعودية تفاوضها بقوتها الإقليمية في اليمن والصومال ولبنان، وبدورها المفترض في صد تغول طهران، والمغرب يفاوضها بقوته في منطقة الساحل جنوب الصحراء وتموقعه الإفريقي.

ما يفسر القوة التفاوضية لهذا النموذج الإقليمي، أن تركيا استطاعت أن تفرض واقع إسقاط نظام بشار، وتزكية نظام سياسي سوري كان الغرب يحمل مواقف واضحة بخصوص إيديولوجية رأسه، بل وممارسة إقناع دولي لدعمه ورفع العقوبات عنه وإمداده بشروط الاستمرار والنجاح رغم التحديات الأمنية والاثنية والمذهبية والإسرائيلية.

السعودية تمثل المثال الثاني، الذي استطاع في ظرف وجيز أن يقلب التوازنات الإقليمية في اليمن والصومال، وأن يجبر الإمارات العربية المتحدة على الانسحاب من المنطقتين، دون أن تجد أي ممانعة، وذلك ليس فقط بسبب التحرك من وحي الدفاع عن منظومة الأمن القومي، ولكن أيضا، من موقع القوة التفاوضية التي تملكها إقليميا، لاسيما في سوريا، ولبنان، واليمن، والصومال.

المغرب، يمثل النموذج الثالث، الذي استطاع منذ أكثر من عشرين سنة تقوية نفوذه في العمق الإفريقي، وبالتحديد في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وفرض واقع حل سياسي أممي لنزاع الصحراء بناء على مقترحه للحكم الذاتي، حيث أصبح يشكل اللاعب الأساسي في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وصار مصدر جدب واستقطاب دولي بسبب دوره في تجسير الولوج الاقتصادي والتجاري إلى القارة الإفريقية.

3- نموذج الوساطة: ونقصد به الدول التي بنت قوتها من خلال قدرتها على ممارسة الوساطة الاستراتيجية، بحيث أضحت واشنطن لا تستغني عن دورها، وفي مقدمة هذه الدول قطر، التي لعبت دورا محوريا في الوساطة بين إسرائيل حماس إلى جانب مصر والولايات المتحدة ألأمريكية، ولعبت دورا محوريا في تدبير الانسحاب ألأمريكي من أفغانستان،  وربما كان دورها حاسما في وقف الحرب الإسرائيلية على طهران بطلب أمريكي،  فضلا عن جهودها في الوساطة في الصومال وتشاد ووساطتها للإفراج عن معتقلين أمريكيين في فنزويلا وغير ذلك والحكومة البوليفارية في فنزويلا لتبادل السجناء وغير ذلك من أنواع الوساطة المتعددة التي دخلت فيها  قطر منذ أكثر من عقدين من الزمن.

النماذج الشمولية، ستكون الأكثر عرضة للتهديد، وذلك لأنها أولا تعيش عزلة إقليمية في محيطها، وثانيا، لأنها انخرطت في اصطفافات أضرت بالمصالح الاستراتيجية للإقليم، ثم ثالثا، لأنها توجد في خط الارباك للسياسة الأمريكية.
ويمكن أن نضيف إلى هذا النموذج المثال المصري، الذي لا يزال يضطلع بدور الوساطة التي تحدث التوازنات الاستراتيجية لاسيما في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي.

4- النموذج الوظيفي: ونقصد به الدول التي تضطلع بخدمة أدوار وظيفية في المنطقة العربية، تخدم بدرجة أولى المصالح الإسرائيلية، ونخص بالذكر دولة الإمارات العربية المتحدة، ودورها في اليمن، وليبيا، والسودان والصومال وغيرها.

5- النموذج الشمولي: ونقصد به الدول التي تحكمها نظم عسكرية أو دينية، ولا تزال تحمل بعض الشعارات القومية أو الدينية، وتباهي باستقلال قرارها الوطني، وتعلن معاداتها للمصالح الأمريكية، أو على الأقل،  يمثل وجودها إرباكا للمصالح الأمريكية بالمنطقة.

تتنوع أمثلة هذا النموذج، بحسب طبيعة شمولية الدولة، فإيران مثلا، التي تمثل نموذج الشمولية الدينية، تعكس المثال الأبرز لهذا النموذج، بحكم أنها تجمع كل المواصفات التي تعتبرها واشنطن مصدر عداء لأمريكا والغرب وإسرائيل، سواء في طبيعة الدولة وإيديولوجيتها أو سياساتها أو تهديداتها الأمنية والإقليمية.

ويمكن أن ندرج مثال الجزائر ضمن ما تبقى من الأنظمة القومية العسكرية الشمولية، التي لا تزال تخضع لحسابات إقليمية تخالف بالمطلق الحسابات الأمريكية، وتتمترس خلف جملة من المفاهيم القومية التي تبرر بها سياساتها في المنطقة.

6 ـ نموذج الهشاشة: ونقصد به الدول التي تعاني هشاشة في بنيتها، أو في تركيبتها الاثنية والطائفية والدينية والمذهبية، أو التي وضعت تحت محك الضغط الدولي، أو تحت تهديد العودة للحرب في حال عدم التواؤم مع معايير الغرب أو متطلبات الأمن الإسرائيلي، أو دول كانت إلى عهد قريب جزءا من المحور الإيراني ويجري تفكيك الهيمنة الإيرانية في بعدها العسكري وألأمني فيها.

وندرج ضمن هذا النموذج مثال اليمن التي تفتقد لشرعية الدولة وتعيش على إيقاع بنائها بشكل يستنقدها من المحور الإيراني مع وجود صراع إقليمي في توجيه بوصلتها ، والسودان التي تضررت شرعية الدولة بالنزاع بين مكونات الجيش السوداني، وبتدخل من قوى إقليمية، والمثال الليبي الذي لم ينجح إلى الآن في بناء الهيكلة السياسية للدولة، أو  سوريا التي تحرك ضدها ملفات أمنية وأثنية ومذهبية وطائفية لخدمة توازنات إقليمية أمريكية وأمنية إسرائيلية أو الصومال التي تعيش على إيقاع التقسيم بسبب أجندة إماراتية إسرائيلية، أو غيرها من النماذج الهشة التي توضع على خارطة التقسيم بسبب ما الثروات الاقتصادية الي تتمتع بها.

وحتى العراق، يمكن تصنيفها ضمن هذا النموذج، بحكم الرهان على تحريرها من النفوذ الإيراني في أبعاده الأمنية والعسكرية والسياسية.

مستقبل النماذج الستة ضمن البراديغم الجديد من العلاقات الدولية

في المجمل تتأرجح النماذج الست المذكورة بين التكيف مع سياسات واشنطن أو التحول إلى أدوات وظيفية لخدمتها أو تقديم وساطات بما يخدم مصلحتها، أو انتظار سيف ترامب الذي لا ندري من أي جهة سيضرب وكيف ستكون خارطة التقسيم المقبلة للوطن العربي.

والأقرب إلى الاستشراف، أن النموذج النووي والإقليمي والوسطي، بما راكمه من أدوار دولية وإقليمية، يمكن أن ينجح إلى حد كبير في التكيف مع "البراديغم الجديد" في العلاقات الدولية، بل يمكن له حتى أن يحسن تموقعه الدولي والإقليمي أإن أحسن استثمار التناقضات التي ستظهر حتما على مسرح الصراع بين القوى الدولية، فيما سيشكل نموذج الهشاشة مسرحا لعمل هذا "البراديغم الجديد"، إذ ستبقى هذه المناطق محكومة بصراع الدولي والإقليمي، ومدى القدرة على حضور الفاعل الإقليمي في طاولة صناعة القرار أو التأثير عليه.

النماذج الشمولية، ستكون الأكثر عرضة للتهديد، وذلك لأنها أولا تعيش عزلة إقليمية في محيطها، وثانيا، لأنها انخرطت في اصطفافات أضرت بالمصالح الاستراتيجية للإقليم، ثم ثالثا، لأنها توجد في خط الارباك للسياسة الأمريكية.

ومع ذلك فهذه النماذج، مثل النموذج الإيراني، تملك الخروج من الأزمة في حال تخلت عن عقيدتها الإقليمية التي بنيت في العقدين الأخيرين، إذ بدل أن تصير الفوضى وتدمير الدولة العربية واستبدالها بمليشيات تابعة لطهران رهانا لقوة إيران، يمكن الاستثمار في براديغم جديد يقوم على مبدأ الجوار العربي وبناء مصالح استراتيجية طويلة المدى قائمة على التعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. كما يمكن للجزائر أن تخرج من دائرة العاصفة، إن اختارت أن تسوي مشاكلها الإقليمية في المنطقة، وتنأى بنفسها عن تعميق النزاع حول الصحراء، وتتحول بدلا عن ذلك إلى حل للأزمة بدل طرف فيها، وتساهم بشراكة وتنسيق مع المغرب في خدمة الأمن الإقليمي في منطقة الساحل جنوب الصحراء بما يدعم فرص الاستقرار والتنمية في كل المنطقة.

النموذج الوظيفي الذي انتعش في العقد الأخير سيكون بدون شك الأكثر تعرضا للتهديد، وذلك لأنه سيدفع ثمن التفاوض الذي تجريه واشنطن مع النماذج الثلاثة المتكيفة، أي النموذج النووي، والإقليمي، والوساطي. ولعل أول ملامح هذه الخسارة ما حصل في اليمن والصومال، وما يمكن أن يحصل قريبا في السودان وليبيا.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل