أثار مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي في
لبنان، الاثنين الماضي، جدلا واسعا بعد أن وثق لحظة اعتراض جنود من قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (
اليونيفيل) لطائرة إسرائيلية مسيرة في منطقة مرجعيون جنوبي البلاد.
وأعاد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، نشر المقطع عبر حسابه على منصة “إكس”، معلقا بأن مهمة قوات اليونيفيل في لبنان من المتوقع أن تنتهي مع نهاية العام الجاري، داعيا إياها إلى “التركيز على نزع سلاح حزب الله بدلا من محاولة اعتراض الطائرات الإسرائيلية”.
وأظهرت مشاهد الفيديو جنديا من قوات اليونيفيل متمركزا في ساحة بلدة ميس الجبل جنوب لبنان، وهو يشهر سلاحا لافتا بعد اقتراب مسيرة إسرائيلية من موقع تابع للقوة الدولية. كما بدا عدد من عناصر اليونيفيل وهم يوجهون هذا السلاح نحو السماء.
سلاح “تشويش” بيد اليونيفيل
وتبين لاحقا أن السلاح هو بندقية التشويش اللاسلكي المضادة للمسيّرات من طراز (NEROD RF)، وهي منظومة متخصصة في تحييد الطائرات المسيّرة عبر التشويش على أنظمة الاتصال والملاحة الخاصة بها.
وجرى تحديد نوع السلاح من خلال مطابقة شكله الظاهر في الفيديو مع وثائق عسكرية فرنسية رسمية، إذ تصنع هذه البندقية شركة MC2 Technologies الفرنسية، المتخصصة في تكنولوجيا الموجات الدقيقة وأنظمة التشويش.
وأشارت نشرة صادرة عن الرابطة المدفعية وقوات الدفاع الجوي في الجيش الفرنسي، في كانون الثاني/يناير 2024، إلى نشر منظومة "NEROD RF" في لبنان ضمن السجلات العملياتية للفوج الأربعين للمدفعية العامل تحت مظلة قوات اليونيفيل.
وذكرت النشرة أن وحدات المدفعية المضادة للطائرات التابعة للقوة الدولية ترصد يوميا عشرات الطائرات المسيّرة، معظمها إسرائيلية، في أجواء جنوب لبنان.
وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 1701، تمتلك قوات اليونيفيل حق الدفاع عن النفس وحماية مواقعها ومنشآتها.
اظهار ألبوم ليست
ليست الحادثة الأولى
وتأتي هذه الواقعة امتدادا لحوادث سابقة، إذ أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025، إسقاط قوات اليونيفيل لطائرة مسيّرة إسرائيلية في بلدة كفركلا جنوب لبنان.
وقالت الأمم المتحدة آنذاك إن المسيّرة اقتربت من دورية تابعة لها وألقت قنبلة، ما دفعها إلى اتخاذ “الإجراءات الدفاعية اللازمة لعزل المسيرة”.
وفي يوم الجمعة الماضي أعلنت اليونيفيل، أن جنودها تعرضوا لإطلاق نار جنوبي البلاد دون تسجيل إصابات، مرجحة أن يكون مصدر النيران مواقع تابعة للجيش الإسرائيلي.
وقالت اليونيفيل، في بيان، إن إحدى دورياتها تعرضت في وقت سابق لإطلاق نحو 15 طلقة من أسلحة خفيفة، من مسافة لا تتجاوز 50 مترا، أثناء قيامها بمهمة قرب بلدة كفرشوبا في قضاء حاصبيا جنوب لبنان.
وأضاف البيان أنه بعد أقل من عشرين دقيقة، أفادت دورية ثانية تابعة للقوة الدولية في المنطقة ذاتها بتعرضها لإطلاق نحو 100 طلقة من رشاشات، من مسافة تقارب 50 مترا أيضا.
وأكدت اليونيفيل أن الحادثتين لم تسفرا عن أي أضرار مادية أو إصابات في صفوف جنود حفظ السلام.
ورجحت القوة الأممية، استنادا إلى تقييم جنودها في الميدان، أن مصدر إطلاق النار في كلتا الحالتين كان من موقع تابع للجيش الإسرائيلي يقع جنوب الخط الأزرق.
وأوضح البيان أن اليونيفيل سارعت إلى إرسال طلب رسمي لوقف إطلاق النار عبر قنوات الاتصال المعتمدة لديها.
متى كشف عن بندقية التشويش ؟
ظهر نظام "NEROD RF" للمرة الأولى رسميا خلال معرض Eurosatory 2024، حيث كشفت وزارة القوات المسلحة الفرنسية عن السلاح بوصفه منظومة محمولة، مجربة ميدانيا، ومخصصة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة.
وتم تطوير النظام نتيجة تعاون وثيق بين مستخدمين عسكريين ومهندسين، استجابة لتزايد تهديدات الطائرات غير المأهولة، التي باتت تستخدم في التجسس والتهريب وحتى الهجمات المحتملة بالمتفجرات.
قدرات تقنية متقدمة
ويتميز NEROD RF بكونه جهازا أحادي الكتلة، خفيف الوزن (أقل من 6 كيلوغرامات)، يدمج وحدات التشويش والهوائيات والبطارية في هيكل واحد، مع درع كهرومغناطيسي لحماية المشغل.
ويعمل النظام ببطارية ليثيوم-أيون عسكرية قابلة للاستبدال خلال ثوان، ويوفر قدرة تشويش مستمرة تصل إلى ساعة كاملة.
ويستطيع NEROD RF البث على سبعة نطاقات ترددية بشكل منفصل أو متزامن، تشمل: ( 400 ميغاهرتز - 800 ميغاهرتز - 900 ميغاهرتز - 2.4 غيغاهرتز - 5.8 غيغاهرتز )٬ إضافة إلى تعطيل إشارات GPS (L1 وL2).
وتعمل هذه التقنية على توليد ضوضاء إلكترونية تعيق اتصال المسيّرة بمشغلها أو بنظام الملاحة، ما يؤدي إلى فقدان السيطرة عليها أو هبوطها.
اظهار أخبار متعلقة
مدى التأثير العملياتي
ووفق الشركة المصنعة، يستطيع النظام التشويش على إشارات “جي بي إس” ضمن نطاق يصل إلى كيلومترين، بينما يعتمد مدى التشويش اللاسلكي على المسافة بين المسيّرة ومشغلها. فإذا كان المشغّل على بعد كيلومتر واحد، يمكن تحييد المسيّرة على مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات.
وقد تم نشر "NEROD RF" بنجاح في مختلف فروع القوات المسلحة الفرنسية، واختباره في بيئات قتال حقيقية.
اليونيفيل… مهمة ممتدة منذ 1978
يذكر أن قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أُسست في آذار/مارس 1978، بهدف التأكد من انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، واستعادة الأمن والسلام الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب.
وتم تعديل مهام اليونيفيل مرتين، عقب تطورات عامي 1982 و2000، ثم توسعت صلاحياتها بعد حرب تموز/يوليو 2006، لتشمل مراقبة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوبا، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، والمساهمة في عودة النازحين بشكل طوعي وآمن.
وفي 28 آب/أغسطس 2025، صوتت الأمم المتحدة بالإجماع على إنهاء مهمة بعثتها لحفظ السلام في لبنان بحلول 31 آب/أغسطس 2026.