لا زال الاعتراف المتبادل بين إقليم أرض الصومال والاحتلال الإسرائيلي يُلقي بظلاله على الساحة السياسية في القرن الأفريقي، خاصة أن الإقليم منذ أن أعلن استقلاله وانفصاله عن الصومال من طرف واحد عام 1991 لم يحصل على أي اعتراف دولي سابقا.
ورغم سعي الإقليم للحصول على اعتراف دولي وإقليمي إلا أنه لم ينل ما يرغب به، وهذا ما دفع للتساؤل عن سبب سعيه للحصول على اعتراف من قبل الاحتلال الذي هو أصلا يعاني في الوقت الحاضر من عزلة دولية بسبب جرائم الإبادة التي ارتكبها في قطع غزة.
وتثار كذلك تساؤلات حول ما إذا كان الإقليم سعى تحديدا لاعتراف الاحتلال به أم أنها كانت ضمن محاولاته للحصول على اعتراف إقليمي ودولي؟
الاعتراف بحد ذاته هو الهدف
قال محمد تورشين الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية، إن "اعتراف أرض الصومال بإسرائيل والتطبيع والتواصل معها، نابع من رغبتها في الحصول على اعتراف، فهي سعت في مناسبات عديدة وتواصلت مع عدة دول للحصول على هذا الاعتراف".
وتابع تورشين في حديث خاص لـ"عربي21" "رغم هذا السعي إلا أنها لم تحصل على الاعتراف بشكل مباشر سواء كان مع إثيوبيا التي لديها حضور اقتصادي كبير في إقليم أرض الصومال، أو حتى مع
الإمارات التي ظلت حاضرة فيه منذ العام 2017 عبر الاستثمارات وترميم وإعادة تشغيل مطار
هرجيسا وغيرها".
وأوضح أن "كل هذه العوامل والاتفاقات الثنائية لم تحقق لإقليم أرض الصومال الهدف المنشود وهو الاعتراف به كدولة مستقلة عن الصومال، لذا اعتقد بأن التواصل مع إسرائيل ظل حاضرا منذ فترات طويلة".
واشار إلى أن "الإقليم لم يسعى تحديدا لاعتراف الاحتلال به كدولة، وإنما هو كان سعي ضمن مساعيه العديدة للاعتراف به، ولا يوجد رغبة لأي دولة للاعتراف به حتى الآن باستثناء إسرائيل، والتي لها مصالح في ذلك".
ويرى، "أن أرض الصومال تعتقد أن الاعتراف الإسرائيلي بها سيفتح لها الأبواب للحصول على مزيد من الاعترافات، سواء من الدول الأفريقية أو الدول الإقليمية الأخرى، أو حتى من قبل الأمم المتحدة باعتبار أن هذه الخطوة ستنال رضا الإدارة الأمريكية وبالتالي تحقيق الكثير من المكاسب".
اظهار أخبار متعلقة
من جهته، قال د. محمد صالح عمر مدير المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات، إن "هدف إقليم صوماليلاند من التطبيع مع إسرائيل هو البحث عن اعتراف، حيث ظل الإقليم يبحث عن الاعتراف منذ 1991 ولم يجد أي دولة تعترف به، لذلك يرى أن هذا مدخل قد يجد عبره اعترافًا ليصبح الإقليم دولة معترفًا بها".
وأوضح صالح خلال حديثه لـ"عربي21"، "أن إدارة الإقليم تعمل في هذا المسار منذ أكثر من عام مع عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، وجاء قرار بنيامين نتنياهو كجزء من هذا المسعى، ولم يكن هو المسعى الرئيسي".
وأضاف، "من المتوقع الفترة القادمة أن يزور رئيس إقليم صوماليلاند الولايات المتحدة للتوقيع على اتفاقيات ابراهم وينال اعتراف ترامب، وإذا اعترفت أمريكا بالإقليم يصبح المجال أمامه مفتوحا، وبالتالي الهدف الرئيسي هو البحث عن الاستقلال الذي ظل الإقليم يطارده منذ 1991".
ويرى صالح أن "إقليم صوماليلاند لم يراهن على التطبيع بحد ذاته، إنما هو سعى للاعتراف به كدولة من أيا كان".
وأوضح أن "شعب الإقليم متدين جدا وعلمهم مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والمواطنين هناك متدينين جدا ويحفظون القرآن، لديهم مشكلة مع الحكومة الفيدرالية؟ نعم، لكن البحث هو فقط كان البحث عن اعتراف والانفصال بشكل كامل والحصول على سيادة ليصبحوا عضوا في المجتمع الدولي".
وتابع، "بالتالي استمرار العلاقة مع إسرائيل قد يتغير في أي لحظة، لكن الاحتلال فتح لهم هذا الباب، وهو له مصلحة في ذلك".
دوافع الاحتلال
ودائما ما كان الاحتلال يسعى للبحث عن وجود له في قارة أفريقيا خاصة في دول حوض النيل والقرن الأفريقي، وكان له تواجد عبر اتفاقيات سياسية واقتصادية خاصة في مجال الزراعة والمياه.
وكان الاحتلال يطمح من هذا التواجد منذ الستينات من القرن الماضي الحصول على الاعتراف به كدولة، والأهم هو التأثير على مصالح الدول العربية خاصة مصر، والتي لا زال يعتبرها تهديد مباشر له على الرغم من اتفاقية السلام المبرمة معها.
ويقع إقليم الصومال في الجهة المقابلة أيضا من مضيق باب المندب لليمن، والذي يعاني من حرب أهلية، ولكن الأهم أن من يتسلم زمام الأمور في عاصمته هم الحوثيين الذين هاجموا الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويدفع هذا الأمر للتساؤل عن دوافع الاحتلال الخفية من تطبيعه مع إقليم أرض الصومال.
يعتقد تورشين "أن أهم دافع هو رغبة إسرائيل في الحد من تأثير ونفوذ الحوثيين في خليج عدن ومضيق باب المندب، وهذا الأمر ربما هو الذي دفعها للاعتراف بأرض الصومال".
وتوقع أيضا أن "إسرائيل قد تحاول إعادة طرح قضية توطين بعض الفلسطينيين والغزيين في أرض الصومال، فضلا عن سعيها للحصول على قواعد عسكرية هناك، وحتى لم تكن قاعدة متقدمة ولكن على الأقل قواعد للطائرات المُسيرة وغيرها للتجسس على الحوثيين وبعض الحركات مثل حركة الشباب المجاهدين التي أيضا ستستهدف إسرائيل بشكل مباشر".
التأثير على الصومال والمنطقة
يعتبر القرن الأفريقي منطقة ساخنة تاريخيا، فقد شهد عددا من الحروب سواء أهلية أو بين دوله، كذلك تتواجد به عدة دول كتركيا والإمارات وأمريكا دول عبر قواعد عسكرية واستثمارات.
كذلك الصومال الذي أعلن إقليم صوماليلاند انفصاله عنه منذ 1991، عانى منذ ذلك الوقت من حروب أهلية ومساعي أقاليم أخرى للانفصال عنه، ما يدفع للتساؤل عن تأثير تواجد الاحتلال سواء على المنطقة ككل أو على الصومال نفسه.
وقال الباحث محمد تورشين "بلا شك هذه العلاقة ستؤثر بشكل مباشر على الصومال، فهو معروف أنه من البلدان الأفريقية الرافضة تماما لمبدأ الاعتراف بإسرائيل، وبالتالي هذه الخطوة ستكون عذرا لأن تأتي إسرائيل إلى جواره، وهذا سيشكل تهديد أمني حقيقي له ولوحدته".
وأوضح أن "خطوة الاعتراف المتبادل بين أرض الصومال وإسرائيل ربما قد تدفع بعض الأقاليم الأخرى مثل إقليم "بونتلاند" للقيام بمثل ما قامت أرض الصومال به من إعلان الانفصال والسعي للاعتراف بها كدول مستقلة".
ولفت تورشين إلى أن "العلاقة بين الإقليم وإسرائيل ليس هو الوجود الأول للأخيرة في المنطقة، فمن المعلوم أن لها وجود سابقا في ارتيريا وفي الوقت الحالي في كينيا وإثيوبيا، بالتالي تواجدها ليس غريبا، ولكن وجودها في إقليم غير مُعترف به دوليا هو الذي يسهم بشكل مباشر في إعادة تشكيل المنطقة".
وأوضح أن "وجود إسرائيل في المنطقة سيدفع بعض الأطراف للقدوم للمنطقة خاصة إيران، باعتبار أن هذا الاعتراف سيهدد مصالح طهران بشكل أو بأخر، سواء عن طريق استهداف الحوثيين أو عن طريق استخدام أرض الصومال كقواعد عسكرية متقدمة لاستهداف العديد من المصالح الإيرانية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف، "وهذا الأمر ربما يدفع إيران للتعاون مع الحكومة الصومالية، وهذا يعني أن طهران ستكون حاضرة وستدعم الحكومة المركزية، وربما تكون حاضرة في مسألة دفع القيادة في مقديشو لضرورة إخضاع الإقليم بالقوة".
محمد صالح يرى أن "التطبيع بين هرجيسا وتل أبيب سيؤدي لإذكاء المزيد من الخلافات والتوترات وتصعيد المشاكل التي لا تنقص الصومال، فهو مليء بالإشكالات والتعقيدات والاحتقانات ما بين العشائر والأقاليم وبين الساسة والأحزاب".
وأوضح أن "ما جرى سيضيف إلى كم المشكلات الصومالية مشكلة أخرى وأزمة جديدة، وبالطبع الصوماليين لن يقبلوا بهذا بأية حال، لا على مستوى الصومال ولا على مستوى إقليم صوماليلاند فهناك مناطق داخله انفصلت وأصبحت ولاية فيدرالية تحت اسم الولاية الشمالية الشرقية، كذلك هناك مناطق أخرى ترفض التطبيع وخرجت في تظاهرات ضده".
وحول تأثير تواجد الاحتلال في المنطقة عليها، قال صالح، "وجود إسرائيل في مناطق الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي سيخلق مزيدا من الأزمات والصراعات التي ستتجاوز دول المنطقة إلى الإقليم والتنافس الدولي".
وأوضح أن "هذه المنطقة حيوية جدا وتتحكم في مضيق باب المندب وهو ممر ملاحي مهم جدا، وبالتالي وجودها سيساهم في تأزيم المنطقة بشكل كبير".
ويرى أنه "ربما تنتقل الأزمات من القرن الأفريقي إلى المنطقة العربية على الضفة الشرقية للبحر الأحمر، وهذا هو المتوقع في ظل تواجد قوى مناوئة لإسرائيل في اليمن وهي جماعة أنصار الله "الحوثيين".
اظهار أخبار متعلقة
وحول تأثير تواجد الاحتلال في المنطقة مع التواجد التركي هناك، قال صالح إن "وجود تركيا في القرن الأفريقي هو ما يقلق إسرائيل كثيرا، لأن أنقرة تعمل على استقرار هذه الدول وتنميتها، وتتوسط وتبحث عن حلول لمشاكل المنطقة سواء كان داخل الصومال، أو بين الأخيرة وجارتها جيبوتي".
وتابع "لذلك إسرائيل تعتبر تركيا منافسا وخصما قويا يجب أن يتم زرع مشكلات له في المنطقة، والاحتلال الآن يحاول أن يوجد منفذ له لكي يؤزم الموقف بينه وتركيا والدول الأخرى التي تراعى مصالحها في المنطقة، وبالتالي قطعا سيحدث احتكاك في القرن الأفريقي وبالتالي سيساهم في تأزيم الوضع هناك أكثر".