مقابلات

عباس إبراهيم لـ"عربي21": لبنان يمرّ بأخطر لحظة مصيرية في تاريخه الحديث

اللواء عباس إبراهيم أكد أن لبنان هو بلد اجتراح الحلول والتسويات ولا مجال فيه لفرض منطق الغالب والمغلوب- عربي21
اللواء عباس إبراهيم أكد أن لبنان هو بلد اجتراح الحلول والتسويات ولا مجال فيه لفرض منطق الغالب والمغلوب- عربي21
أكد المدير العام السابق للأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، أن "لبنان يمرّ اليوم بلحظات مصيرية وتاريخية، بل يمكن القول إنها لحظات وجودية بالنسبة إلى كيان الدولة برمّته"، لافتا إلى أن "هناك مخاض لولادة منطقة جديدة ومختلفة".

وأشار، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أن "القيادة العسكرية اللبنانية تدرك تماما خطورة المرحلة ودقّتها، وهي على استعداد دائم لاتخاذ ما يلزم من خطوات لاحتواء أي توتر ومنع تفاقمه، لكن في الوقت نفسه، من الواضح أن الجيش لن يكون طرفا في أي إشكال قد يقع بين القوى السياسية أو الأطراف المختلفة".

ورأى إبراهيم أنه "يمكن معالجة ملف سلاح حزب الله وفق مقاربة متوازية، بحيث يتم الجمع بين ترتيب الأولويات الداخلية من جهة، وبين مراعاة المتطلبات والضغوط الخارجية من جهة أخرى. إن السير في هذا المسار لا بد أن يكون ضمن سياسة (خطوة مقابل خطوة)، بحيث يوضع الموضوع في إطار مسار تفاوضي متكامل، يرتكز على خطة واضحة المعالم تمكّن لبنان من حماية مصالحه الوطنية".

وتابع: "مهما بلغت الصعوبات، يبقى اللبنانيون قادرين على إيجاد الطرق للخروج من هذه الأزمة بما يحفظ البلاد ومكوناتها جميعا، خاصة أن لبنان هو بلد اجتراح الحلول والتسويات، ولا مجال فيه لفرض منطق الغالب والمغلوب على الإطلاق. وحدها الصيغة التوافقية قادرة على إنتاج حل دائم يراعي التوازنات ويحفظ الوطن".

وفي 19 حزيران/ يونيو الماضي، قدّم المبعوث الأمريكي توماس باراك، ورقة مقترحات إلى الحكومة اللبنانية، تضمنت نزع سلاح "حزب الله" وحصره بيد الدولة، مقابل انسحاب إسرائيل من خمس نقاط حدودية تحتلها في الجنوب، إضافة إلى الإفراج عن أموال مخصصة لإعمار المناطق المتضررة من الحرب الأخيرة.

وفي 5 آب/ أغسطس الجاري، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني حصر السلاح، بما فيه سلاح "حزب الله"، بيد الدولة، وكلف الجيش بوضع خطة لهذا الغرض قبل نهاية الشهر الحالي وتنفيذها قبل نهاية 2025.

فيما اتهم الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الحكومة اللبنانية بخدمة المشروع الإسرائيلي بمضيها في قرار حصر السلاح، وتوعد بخوض ما وصفها "بمعركة كربلائية" لمواجهة القرار، وقال إنه "لن تكون هناك حياة في لبنان إذا حاولت الحكومة مواجهة الحزب".

وتاليا نص المقابلة الخاصة التي أجرتها "عربي21" مع اللواء عباس إبراهيم:

كيف ترون واقع لبنان السياسي اليوم وسط الانقسام الكبير الذي أفرزته الورقة الأمريكية بشأن نزع سلاح حزب الله؟


مما لا شك فيه أن لبنان يمر اليوم بلحظات مصيرية وتاريخية، ويمكننا الذهاب إلى القول بأنها لحظات وجودية لكيان الدولة برمّته. هذه التوصيفات كلها تأتي بعد الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان وحجم الخسائر التي وقعت على لبنان بكليته، ما أدّى إلى انقسام كبير حول طريقة وضع الأولويات بمعنى: هل حل موضوع السلاح أولا كسبب للخسائر الأخيرة - برأي البعض طبعا - أم وجوب حل هذا الموضوع بعد إقدام إسرائيل على اتخاذ خطوات عملية من خلال الانسحاب من الأراضي التي احتلتها مؤخرا، ووقف الاعتداءات اليومية، وإطلاق الأسرى، والسماح بإعادة الإعمار، وهو ما كان يجب أن يحدث بالأصل نتيجة لاتفاق وقف إطلاق النار، وجميع هذه الأمور جرى النص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى توقعيه في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، والذي حدّد بوضوح موضوع الانسحاب بعد 60 يوما أي بعد وقف إطلاق النار.

بالعودة إلى الأولويات، جاءت الورقة الأمريكية لتظهّر الخلاف حولها، بمعنى أن الورقة الأمريكية تدفع في اتجاه سحب السلاح أولا، ولبنان ينتظر التقيّد من الجانب الإسرائيلي لوقف النار لبحث موضوع السلاح. وبما أن الخلاف هو على هذه الأولويات وليس على المبدأ، فهنا تُرتسم أمامنا مساحة للحل إن أحسنّا القراءة واجتراح الحلول.

هناك مَن يتساءل: لماذا لا يسلّم حزب الله سلاحه للدولة بحيث يكون الجيش هو الجهة الوحيدة المخوّلة بحماية لبنان والدفاع عن سيادته؟

نعيد التأكيد أنه من الواضح أن موضوع السلاح بالمبدأ لم يعد هو موضوع الخلاف، بل كيفية التعاطي معه وآلية حل هذا الموضوع، وهذا واضح من خلال خطاب حزب الله وتصريحات مسؤوليه، وهنا من الملفت القول إنه لمَ لا يكون هذا السلاح وهذه القوة جزءا من قوة الجيش اللبناني؟، ليس الموضوع شخصيا على الإطلاق. أنا ضابط سابق في الجيش ثم في الأمن العام اللبناني، لقد كان لي شرف الانتماء والخدمة في هذه المؤسسات، وانطلاقا من تاريخي، لا بدّ أن أكون مع وحدة السلاح، ومع أن يكون هذا السلاح بإمرة الدولة الواحدة والموحّدة.

ولكن، وفي هذه اللحظة، إن استعمال مفردات "النزع" و"المداهمة"، وغيرهما يُعقّد الأمور، واللغة العربية غنية بالمفردات التي تجعل من المستحيل معقولا، والعكس صحيح. أما واقعيا، فكل ذلك لن يتم إلا بالتفاهم على المستوى السياسي بين جميع المكوّنات السياسية اللبنانية؛ فلبنان هو بلد التسويات، ولا مجال لغالب ومغلوب على الإطلاق.

برأيكم، هل يُدار هذا النقاش حصرا من داخل الساحة اللبنانية أم أن هناك ضغوطا إقليمية ودولية تدفع به بقوة إلى الواجهة؟

نحن هنا لا نتكلّم عن كواليس أو عن أسرار. نحن نتكلم عن ورقة للمبعوث الأمريكي، توماس باراك، مواقفه واضحة فيها، وعن مواقف للأخوة العرب وهي معروفة أيضا. ما يعني أن هذا النقاش له بُعد دولي وإقليمي وداخلي بطبيعة الحال.

هل ترون أن التوقيت الحالي لفتح ملف السلاح مناسب، أم أنه قد يشكّل تهديدا للاستقرار الداخلي، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بين الحين والآخر؟

أعود للجواب الأول ولموضوع الأولويات التي يختلف حولها اللبنانيون، أما برأيي الشخصي، فهذا الموضوع يمكن أن يُحلّ بالتوازي وترتيب الأولويات المحلية مع المتطلبات الخارجية. ومن ضمن سياسة "الخطوة مقابل خطوة"، وفي هذا الموضوع مسار يجب أن يوضع ضمن خطة تفاوضية مكتملة ليحقق لبنان مصالحه الوطنية دون أن يركن إلى تطمينات أي كان، بل إلى أوراق القوة التي يمتلكها. ومن ضمنها طبعا السلاح الذي من الممكن أن يوضع بطريقة ما كورقة تفاوض بيد السلطة القائمة ليجعل إسرائيل تتقيد بوقف إطلاق النار والانسحاب من لبنان.

كيف تنظرون إلى الجدل الدائر حول الضمانات الواردة في الورقة الأمريكية؟ وهل تعتبرونها كافية؟

للأسف، سبق وأن قال المبعوث الأمريكي إنه لا يضمن إسرائيل، فأين هذه الضمانات الان؟، وهل لها مكان في سياق العملية الجارية؟، على أيّة حال، بعد قرار الحكومة في 7 آب/ أغسطس الجاري الخاص بحصرية السلاح، وعد المبعوث الأمريكي باراك بالذهاب إلى إسرائيل والعودة بأجوبة ما بناءً على طلب لبنان بمبادرة ما من الجانب الإسرائيلي تلاقي الخطوة اللبنانية، إلا أنه بعودة السيّد باراك إلى لبنان اتضح أن المطلوب من لبنان التخلي عن أوراق قوته مقابل لا شيء.

ما هي رؤيتكم لموقف المؤسسة العسكرية من خطة نزع سلاح حزب الله؟

لن أعطي رأيي بخطة ليست موجودة لغاية الآن.

إلى أي مدى يمكن للمؤسسة العسكرية والأمنية أن تلعب دورا في احتواء التوترات أو الصدامات المحتملة جرّاء تفاقم هذه الأزمة؟

نحن نتمنى ألا نصل إلى لحظة تصادم على الإطلاق؛ فظروف التصادم غير موجودة على مستوى الإرادة الوطنية. إن قيادة الجيش تعي تماما خطورة المرحلة، وهي جاهزة للقيام بخطوات لاحتواء الوضع، ولكنها لن تكون طرفا في أيّة إشكالات تقع، بمعنى أنها لن تتدخل لصالح أي طرف كان، بل ستبقى على مسافة واحدة من الجميع، ولن تسمح بتفلّت الأمور.

ما هي رؤيتكم الشخصية، كمدير عام سابق للأمن العام، حول المسار الأمثل لمعالجة هذا الملف بما يحفظ الاستقرار والسيادة اللبنانية؟ وهل يمكن التوصل إلى صيغة توافقية داخلية تعالج موضوع سلاح حزب الله بعيدا عن الضغوط الخارجية؟

أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال أصبحت متأخرة الآن. هنالك قرار حكومي قد صدر بحصرية السلاح ومواقف مقابلة ترفض تماما تسليم هذا السلاح. إذن، يجب معالجة هذه الإشكالية - إشكالية تعارض القرارين - وبالطبع هنالك سبل للمعالجة.

وكما سبق وقلت، لبنان بلد اجتراح الحلول والتسويات، وقد يعطينا العدو الإسرائيلي أسبابا عدة للخروج من مأزقنا بسبب طبيعته العدوانية والرافضة لأي حل ولا يأخذ بعين الاعتبار إلا مصالحه وأجندته السياسية فقط لا غير، وهذه طبيعة المعروفة منا جميعا.

هناك مَن يطرح فكرة نزع الأسلحة الهجومية من حزب الله والإبقاء فقط على الأسلحة الخفيفة والدفاعية.. ما موقفكم من ذلك؟

إن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، ولم يعد هنالك من خطّ فاصل بين نوعية الأسلحة ضمن هذا التصنيف، وبالتالي إن مبدأ نزع السلاح من قِبل "حزب الله" مرفوض بشكل مطلق. على كل حال، إن إزالة أسباب وجود هذا السلاح تاريخيا هو الحل الأمثل لكل هذا الدوران في الحلقات المفرغة. عنيت هنا زوال الاحتلال الذي هو السبب الرئيسي لوجود السلاح.

هل تعتقدون أن هناك مَن يسعى لاستغلال حالة الضعف الكبيرة التي يمرّ بها حزب الله بهدف إفقاده جميع ركائز وجوده وفي مقدمتها "ركيزة السلاح"؟

حزب الله كحزب سياسي ومسلّح ليست ركيزته الأهم هي السلاح، بل البيئة والشعبية التي يتمتع بها في داخل مجتمعه، ووزن تمثيله النيابي يعكس وجوده وقوة حضوره. ربما نعم، هنالك مَن يفكر بهذه الطريقة، والتي من المضمون أنها لن توصل إلى النتائج التي يتوخاها هذا البعض.

يُقال إن لبنان يمر بمرحلة جديدة عنوانها "ما بعد حزب الله".. برأيكم، إلى أي مدى يعكس ذلك حقيقة الواقع؟

لقد دخل لبنان واهما في مرحلة ما بعد "القوات اللبنانية" خلال الفترة السابقة، وأُوقف رئيس هذا الحزب، وتمّ حلّه قانونيا، لكن أين هي "القوات اللبنانية"؟، وما مدى تمثيلها وحضورها الشعبي؟، فكيف بحزب كـ "حزب الله"؟، على الجميع أن يقتنع بأن لبنان يتسع للجميع ولن يستطيع طرف أن يلغي أي طرف آخر. ومساحة لبنان بالرغم من صغرها إلا أنها تتسع لجميع القوى والمكوّنات والأحزاب اللبنانية.

ما صحة ما يُقال حول وجود خلافات داخل "الثنائي الشيعي" بشأن الموقف من الورقة الأمريكية؟

قد يكون هنالك تباين في طريقة التعاطي مع الورقة ومكوّناتها، ولكن الخلاف غير موجود بالتأكيد.

البعض يرى أن الورقة الأمريكية قد تؤدي إلى تطبيع غير معلن بين لبنان وإسرائيل، هل تتفقون مع هذا الرأي؟

إن لبنان بتركيبته ووضعه الحالي، لن يصل إلى هذه النتيجة، وإن كان المقصود بالتطبيع على المستوى الرسمي فهذا مشكوك به أيضا، ولا ظروف موضوعية من الداخل اللبناني تسمح بهذا المنطق.

برأيكم، هل يمكن إقرار الورقة الأمريكية بشكل نهائي رغم إصرار حزب الله على رفض نزع السلاح؟ وما هي تداعيات ذلك إن تم تمريرها في ظل رفض البعض لها؟

لقد تم إقرار الورقة بما يتعلق بالسلاح فعلا، ولكن يبقى التنفيذ. حتى هذه اللحظة مستحيل نظرا لرفض أصحاب العلاقة لهذا القرار. وما نراه من تداعيات سياسية وانعكاسات على هذا المستوى هو نتيجة لهذا القرار من جهة، والرفض من جهة أخرى.

هل ترون أن طرح ملف السلاح اليوم هو جزء من محاولة أوسع لإعادة رسم التوازنات في المنطقة؟

مما لا شك فيه أن هنالك مخاض لولادة "منطقة جديدة"، وما زال رئيس وزراء إسرائيل يقول بذلك علنا، مُعتبرا أنه يحمل قلم رسم الخرائط، وأعطى حتى بُعدا دينيا لهذا الرسم. وإن موضوع سلاح "حزب الله" واضح بأنه يمنع الرسامين من القيام بمهامهم. لذلك، نرى هذا الهجوم الكبير على موضوع السلاح، والأهمية التي تعطى للموضوع، وإلا فإن السلاح ليس صنيعة اليوم.

هل ستتأثر الانتخابات البرلمانية المقبلة في العام 2026 بقرار نزع سلاح حزب الله؟ وما هو موقفك الشخصي من خوض تلك الانتخابات؟

إن الطريقة التي يتم فيها التعاطي مع هذا الموضوع يجعل الالتفاف الشعبي حول المقاومة وسلاحها يزداد، نتيجة أداء وخطاب بعض السياسيين، الذين يجعلون بكلامهم بشأن استهداف السلاح هو استهداف لطائفة. وفي كل الأحوال، لنرى إن كانت هذه الانتخابات ستحصل في وقتها.

أما بالنسبة إلى الموقف الشخصي من الانتخابات، فمن المبكر الحديث عن الموضوع في ظل المخاض العام في البلد.

ما هو تقييمكم لمجمل أداء حكومة نواف سلام؟

هي كأي حكومة سابقة لها أداؤها الخاص. أخفقت في ملفات عدة نتيجةً للظروف الصعبة، وخصوصا على المستوى الاقتصادي الذي يمر به لبنان، ونعطي موضوع الكهرباء كمثال ساطع بعد كل الوعود التي أُطلقت، ولم ير منها المواطن أيّة نتيجة ملموسة وغيرها من القطاعات.

أما على المستوى الذي له علاقة بالأمور الاستراتيجية الكبرى، فكان على الحكومة أن تبذل جهدا أكبر لتجسير الثقة بينها وبين المكونات جميعها ليسهل عليها تخطي كل الحواجز الموضوعة أمامها اليوم.

في حال استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله، ما السيناريوهات المحتملة على مستوى الأمن الداخلي؟ وهل هناك احتمال أن يدخل لبنان في حرب أهلية؟

لا نتمنى ذلك، ولا نرى أن ظروف الحرب الاهلية قائمة، ولكن هذا الموضوع سيكون له تداعيات كبرى إن لم نحسن إدارته على مستويات مهمة في البلاد.

ومهما بلغت الصعوبات؛ فاللبنانيون سيجدون في النهاية الطرق للخروج من هذه الأزمة، بما يحفظ لبنان وجميع مكوناته، كما سبق وقلت، فإن لبنان هو بلد اجتراح الحلول، والمخارج للتسويات التي كانت منذ نشأته ولم تزل وستبقى، وسيخرج لبنان من هذه الأزمة قويا، قادرا على الصمود والاستمرار، خلافا لما يُرسم ولتمنيات الكثيرين الذين يرونه "كبش فداء" على مذابح حلولهم المرسومة للمنطقة.

Image1_8202528222729984862849.jpg

اللواء عباس إبراهيم في سطور

شغل منصب المدير العام السابق للأمن العام اللبناني خلال الفترة ما بين عامي 2011 و2023. هو رجل أمن ودولة جمع بين الحزم الاستخباراتي والحضور السياسي والدور الدبلوماسي فشكّل خلال مسيرته الممتدة على أكثر من ثلاثة عقود أحد أبرز وجوه الدولة اللبنانية ووسيطها الموثوق داخليا وخارجيا.

بدأ حياته العسكرية في الجيش اللبناني، وتدرّج في مسؤوليات استخباراتية عالية، من رئاسة فرع مخابرات الجيش في الجنوب إلى قسم مكافحة الإرهاب، قبل أن يُعيّن في العام 2011 مديرا عاما للأمن العام اللبناني حيث أمضى 12 عاما أعاد خلالها إلى هذا الجهاز دوره المحوري كأداة أمنية ومؤسسة دبلوماسية - سياسية فعّالة.

تميّز ببصمته الاستثنائية في ملفات التفاوض وتحرير المخطوفين فنجح في تحرير عشرات الرهائن اللبنانيين والأجانب في سوريا والعراق ولبنان، وكان صلة الوصل الأمنية والدبلوماسية بين دول متخاصمة، بما فيها الولايات المتحدة وإيران. وقد كرّمته واشنطن لدوره في إطلاق سراح المواطن الأمريكي اللبناني نزار زكا من السجون الإيرانية عام 2019.

كما كان له دور محوري في إدارة الملفات الإقليمية الحساسة: من هندسة اتفاق تبادل الفيول بين لبنان والعراق، إلى لعب دور في المفاوضات غير المباشرة حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل حيث وظّف علاقاته الوثيقة مع المفاوض الأمريكي آموس هوكستين.

وفي ملف النزوح السوري، لعب اللواء إبراهيم دورا مركزيا بين عامي 2017 و2023، حين أطلق الأمن العام اللبناني خطة وطنية لعودة النازحين السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن. وبإشرافه، أنشأت المديرية 17 مركز تسجيل على امتداد لبنان، واستُحدثت آلية تنسيق دقيقة مع السلطات السورية لتأمين العودة عبر قوافل منظمة، ما أدى إلى عودة أكثر من 425 ألف نازح سوري، بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

وكان يؤكد دوما أن ملف النازحين السوريين "لا يُعالج بالأمن وحده، بل بالحوار المباشر مع الدولة السورية"، في موقف يعكس مقاربته الواقعية والحازمة.

أيضا ساهم الأمن العام، بقيادته، في تفكيك "شبكات إرهابية" استغلت اللجوء كغطاء أمني، وأحبط عمليات خطرة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية في لبنان وسوريا، وقد اعتُبر هذا الملف أحد أبرز محاور نجاحه، وإن لم يُستكمل لاحقا لأسباب سياسية.

ورغم خلفيته الأمنية، اختار أن يكون قريبا من الناس، مؤمنا بأن الأمن في خدمة المواطن، لا العكس. ففتح أبواب المديرية العامة للأمن العام أمام المواطنين والمؤسسات، ونجح في تعزيز ثقة الكثيرين بها، وحوّلها إلى واحدة من أكثر مؤسسات الدولة فاعلية ومهنية.

بعد انتهاء ولايته عام 2023 لبلوغه السن القانوني، أعلن اللواء إبراهيم رغبته في الاستمرار في العمل العام، مؤكدا استقلاليته عن الأحزاب السياسية، وملوّحا بإمكانية الانخراط في الحياة السياسية واضعا نصب عينيه خدمة الدولة والمواطن من موقع آخر.
التعليقات (0)

خبر عاجل