كشفت الهجمات الصاروخية التي استهدفت مطار الرياض الدولي، خلال الأسبوع الماضي، عن تنامي القدرات العسكرية للحوثيين في
اليمن، الذين تحولوا من حركة تمرد إلى واحدة من أقوى الجماعات المسلحة غير الحكومية في الشرق الأوسط، وفق تقرير لصحيفة "
فايننشال تايمز" أعده تشارلز كلوفر.
وأشار التقرير إلى أن
الحوثيين صعّدوا هجماتهم ضد السعودية، مستهدفين منشآت نفطية وساعين إلى توسيع سيطرتهم على مناطق ساحلية مطلة على البحر الأحمر، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة بريم في مضيق باب المندب الاستراتيجي، في تطورات من شأنها تعزيز قدرتهم على تهديد الملاحة البحرية وإلحاق أضرار بالاقتصاد العالمي.
ونقل التقرير عن فارع المسلمي، الباحث في معهد "تشاتام هاوس" بلندن، قوله إن القدرات العسكرية للحوثيين لا تزال موضع استهانة، رغم تطور أسلحتهم وقدرتهم على التأثير في أسواق الطاقة وتكاليفها، مضيفا أن الجماعة لم تعد تعتمد على استيراد الأسلحة فحسب، بل باتت تصنع بعضها محليا وتطور قدراتها التقنية.
وبحسب التقرير، دخل الحوثيون الصراع الخليجي بقوة في أواخر الصيف، بعد فترة التزموا خلالها الحياد إلى حد كبير في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد
إيران في شباط/فبراير. وجاء تصعيدهم عقب هجوم سعودي على مطار صنعاء، أثناء توجه وفد حوثي إلى إيران لحضور جنازة المرشد الأعلى الذي قتل في بداية الغارات، ما أدى إلى انهيار الهدنة التي صمدت إلى حد كبير منذ عام 2022، وعودة الطرفين إلى المواجهة.
ترسانة متطورة بدعم إيراني
ويرى محللون أن صعود القدرات العسكرية للحوثيين لا يرتبط فقط بتطور أسلحتهم، بل أيضا بامتلاكهم قاعدة عسكرية موروثة من الجيش اليمني، إلى جانب الدعم الإيراني وخبرات عناصر متخصصة، فضلا عن ضعف القوات الحكومية المدعومة من السعودية.
وأوضح التقرير أن الجماعة رسخت قدراتها بعد سيطرتها على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، حين استولت على جزء كبير من ترسانة الجيش اليمني، بما فيها صواريخ باليستية وأسلحة بحرية مضادة للسفن.
ونقل عن محمد الباشا، رئيس شركة "تقرير الباشا" للاستشارات الأمنية في واشنطن، قوله إن الحوثيين لم يبدأوا بناء قدراتهم من الصفر، بل ورثوا أساسا عسكريا متينا، واستقطبوا ضباطا وفنيين ذوي خبرة أعادوا تنظيمهم ضمن قوة أكثر تماسكا.
وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني قدما للجماعة التدريب والخبرات الفنية، فيما سافر متخصصون حوثيون إلى إيران لتعزيز قدراتهم في مجال الصواريخ المضادة للسفن والزوارق المسيرة المستخدمة في مهاجمة الملاحة بالبحر الأحمر.
وبحسب الباشا، بات الحوثيون قادرين على تصنيع طائراتهم المسيرة الهجومية من طراز "صماد" بشكل مستقل إلى حد كبير، باستخدام مواد منتجة محليا ومكونات تجارية، كثير منها مستورد من الصين. في المقابل، لا تزال الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الأكثر تطورا تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمكونات الإيرانية.
وتضم ترسانة الجماعة، وفق التقرير، صاروخ "فلسطين-2" الباليستي، الذي تصفه الجماعة بأنه فرط صوتي، وصاروخ "آصف" الباليستي المضاد للسفن بعيد المدى، وصواريخ "قدس" المجنحة، إلى جانب صواريخ مضادة للطائرات من طراز "358" وزوارق مسيرة محملة بالمتفجرات تستهدف السفن التجارية.
كما أشار التقرير إلى أن الحوثيين بدأوا، على ما يبدو، الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير قدراتهم العسكرية. وذكر أن تقريرا أمنيا لشركة "أنثروبيك" أشار إلى محاولات مستخدمين في مناطق شمال اليمن الخاضعة لسيطرة الجماعة توظيف نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود" لتطوير أنظمة صاروخية وتحسينها.
الضربات الجوية لم تحد من قدراتهم
ولفتت "فايننشال تايمز" إلى أن الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل لم تنجح، إلى حد كبير، في إضعاف القدرات الصاروخية للحوثيين.
ففي كانون الثاني/يناير 2024، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا غارات على منصات إطلاق الصواريخ ومنشآت الرادار ومواقع تخزين الأسلحة، عقب هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية في البحر الأحمر. كما نفذت إسرائيل غارات متكررة على مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة منذ تموز/يوليو 2024.
ورغم هذه الضربات، احتفظ الحوثيون بقدرتهم على تنفيذ هجمات صاروخية متطورة. ففي 4 أيار/مايو 2025، سقط صاروخ أطلقته الجماعة بالقرب من محيط مطار بن غوريون في إسرائيل، بعد أيام من إعلان البنتاغون استهداف نحو ألف هدف في اليمن منذ منتصف آذار/مارس من العام نفسه.
وظهر جانب آخر من قدرات الحوثيين خلال سيطرتهم على ميناء المخا المطل على البحر الأحمر، حيث انهارت القوات الموالية لطارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني وابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، خلال أيام، بحسب التقرير.
ونقل التقرير عن المسلمي قوله إن الجماعة جمعت بين جمع المعلومات الاستخباراتية واختراق الاتصالات والتنسيق الفعال في ساحة المعركة، ما مكنها من هزيمة خصومها بدعم من مستشاري الحرس الثوري الإيراني، مشيرا إلى امتلاكها مخزونا من قذائف المدفعية يفوق ما لدى القوات المقابلة.
ضعف القوات الحكومية عامل حاسم
وفي تقييمه لأسباب تقدم الحوثيين، رأى وولف-كريستيان بايس، الباحث المشارك في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وعضو فريق خبراء الأمم المتحدة السابق المعني باليمن، أن ضعف القوات الحكومية يمثل عاملا أكثر أهمية من تطور أسلحة الجماعة.
وأوضح أن قادة في الحكومة اعتادوا تضخيم أعداد قواتهم عبر تسجيل "جنود وهميين" على قوائم الرواتب، رغم غيابهم عن ساحة المعركة، فضلا عن تأخر الرواتب أو تحويلها من جانب مسؤولين عسكريين.
وأضاف أن الحوثيين يتمتعون بقيادات أكثر تدريبا وحافزا أقوى ومشروع سياسي أكثر تماسكا، معتبرا أن نجاحاتهم خلال الأسابيع الأخيرة تعكس ضعف خصومهم أكثر مما تعكس امتلاكهم معدات عسكرية متطورة.
وأشار بايس إلى أن السيطرة على المخا قد تضعف القوات الحكومية التي أصبحت أكثر فاعلية في اعتراض شحنات الأسلحة المتجهة إلى مناطق الحوثيين، فيما يشكل الاستيلاء على جزيرة بريم والمناطق المحيطة بمضيق باب المندب مكسبا استراتيجيا للجماعة.
وأوضح أن السيطرة على الجزيرة ستتيح للحوثيين إطلاق زوارق مسيرة مفخخة ضد السفن العابرة من مسافة أقصر، وهو عامل حاسم في هذا النوع من الهجمات، محذرا من أن استمرار سيطرتهم على هذه المنطقة سيزيد قدرتهم على تهديد حركة الملاحة البحرية.
علاقات خارجية تتجاوز إيران
وبحسب التقرير، توسعت العلاقات الخارجية للحوثيين لتشمل أطرافا أخرى إلى جانب إيران. وتشير تقارير إلى أن روسيا زودت الجماعة بمعلومات استخباراتية للمساعدة في تحديد أهداف صواريخها، لكن هذه المعلومات لم يتسن تأكيدها.
كما أصبحت المصانع الصينية، وفق التقرير، مصدرا مهما للإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج والمكونات الصناعية التي تدخل في تصنيع أسلحة الحوثيين، مع تحذير الخبراء من أن العثور على مكونات من دول أخرى أمر متكرر.
ورغم تنامي نفوذ الجماعة وقدراتها العسكرية، لا يرى بايس أن ذلك يعني بالضرورة سعيها إلى السيطرة على اليمن بأكمله، مشيرا إلى استمرار تدني شعبيتها في جنوب البلاد.
لكن تمدد الحوثيين على ساحل البحر الأحمر، وقدرتهم على تهديد الملاحة الدولية وإلحاق أضرار بالسعودية، أكبر منتجي النفط في العالم، منحاهم، بحسب التقرير، قدرة على التحول إلى تهديد ذي تداعيات عالمية، رغم تمركزهم في مناطق جبلية نائية من اليمن.