يتزايد الجدل داخل أوساط يهودية في الولايات المتحدة بشأن استخدام مصطلح "
الصهيونية" وتعريفه، وسط دعوات من بعض القادة اليهود إلى التخلي عنه أو استبداله بعبارات أكثر تحديدًا، في حين يتمسك آخرون به باعتباره جزءًا أساسيًا من هويتهم ومفهومهم لحق اليهود في تقرير المصير.
وفي تقرير نشرته صحيفة "
واشنطن بوست"، أشارت إلى أن النقاش حول المصطلح وتعريفه يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما نشأت الحركة السياسية والقومية التي هدفت إلى إقامة وطن لليهود. ونقلت الصحيفة عن شخصيات يهودية بارزة مواقف متباينة بشأن ما إذا كان ينبغي الإبقاء على المصطلح في الخطاب اليهودي المعاصر.
وأوردت أن مجلة "مومنت" اليهودية كتبت على غلاف عددها الربيعي أن "كلمة الصهيونية ماتت"، فيما قال جوناه بلات، مقدم أحد أكبر البودكاستات اليهودية، الشهر الماضي إن المصطلح ينبغي "إحالته إلى التقاعد". وفي الفترة نفسها، فقد مستشار لدى منظمة يهودية أمريكية جامعة وظيفته بعدما دعا القادة اليهود الشباب إلى تجنب استخدام كلمة "الصهيونية" واستبدالها بعبارات ذات معانٍ متفق عليها.
خلاف قديم يتجدد
وأوضحت "واشنطن بوست" أن مؤسس الصهيونية الحديثة، ثيودور هرتزل، رأى أن معاداة السامية تجعل اندماج اليهود في أوروبا أمرًا مستحيلًا، وأنهم بحاجة إلى دولة خاصة بهم في أرضهم التوراتية.
لكن منتقدي
إسرائيل باتوا يربطون المصطلح، على نحو متزايد، بما رافق قيام دولة
الاحتلال عام 1948 من عنف وتهجير واسع للفلسطينيين، ثم الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ فلسطينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الخلاف بات حاضرًا في نقاشات داخل بعض المعابد اليهودية خلال الأعياد اليهودية، ومنها رأس السنة ويوم الغفران.
وقالت الحاخامة إيمي شوارتزمان، التي تقود كنيس "رودف شالوم"، أكبر تجمع يهودي في ولاية فرجينيا، إنها ستتطرق إلى الصهيونية في خطابها بمناسبة يوم الغفران، مشبهة الجدل حول المصطلح بالنقاش بشأن كلمة "الوطنية".
وأضافت أن الصعوبة تكمن في محاولة الجمع بين "حب البلد وانتقاده في الوقت نفسه"، مشيرة إلى أن جماعتها نظمت حوارًا مجتمعيًا حول الصهيونية شارك فيه أشخاص يعرّفون أنفسهم بأنهم صهيونيون، ومناهضون للصهيونية، وغير صهيونيين، وما بعد الصهيونية، وصهيونيون تقدميون.
بين الرفض والتمسك
وبحسب الصحيفة، يرى بعض أشد منتقدي إسرائيل أن "الصهيونية" والدولة اليهودية نفسها تمثلان نظامًا قمعيًا وغير ديمقراطي، ولذلك يعتبرون الجدل حول استخدام المصطلح مسألة تتعلق بالعلاقات العامة أكثر من كونها مراجعة جوهرية لطبيعة الدولة.
ونقلت "واشنطن بوست" عن الحاخامة أليسا وايز، الناشطة منذ سنوات في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والمديرة المؤسسة لمنظمة "حاخامات من أجل وقف إطلاق النار"، قولها إن الصهيونية تعني في الوقت الراهن، من وجهة نظرها، "سياسة التفوق اليهودي في إسرائيل".
وقال الحاخام لورين سايكس، الذي يقود حركة "ميركاز" الصهيونية داخل اليهودية المحافظة، إن المصطلح يعني ببساطة "حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره في وطنه القديم".
وأكد سايكس أن مؤيديه "يرفضون التنازل عن المصطلح" لمن يسعون إلى تعريفه على أساس التفوق اليهودي، مشددًا على أن الصهيونية لا تعني دعم حكومة أو حزب أو سياسة بعينها، وإنما دعم وجود إسرائيل.
وأشارت الصحيفة إلى أن الصهيونية حملت تاريخيًا تعريفات وأهدافًا متعددة؛ فبعض الصهاينة المتدينين ربطوها بالتطلع اليهودي الوارد في النصوص الدينية إلى القدس، بينما عرّفها الصهاينة العلمانيون باعتبارها حق اليهود في تقرير المصير والحرية والتحكم في مستقبلهم. أما التيار اليميني الذي يقود إسرائيل حاليًا، فيربطها أيضًا بتوسيع السيطرة اليهودية في الضفة الغربية.
تعريفات متعددة للمصطلح
ونقلت الصحيفة عن ديريك ج. بنسلار، مدير مركز الدراسات اليهودية في جامعة هارفارد، أن الصهيونية لم تكن قبل أربعينيات القرن الماضي حركة تحظى بتأييد غالبية اليهود.
وأوضح أن بعض اليهود الأرثوذكس اعتقدوا أن إقامة إسرائيل من اختصاص الله عند مجيء المسيح المنتظر، فيما رأى يهود اشتراكيون أن الصهيونية تصرف الانتباه عن هدف إسقاط الرأسمالية، بينما رفض يهود اندماجيون فكرة اعتبار أنفسهم جزءًا من أمة يهودية.
وقال بنسلار إن المحرقة النازية وقيام إسرائيل دفعا معظم اليهود إلى النظر إلى الصهيونية باعتزاز وارتباط، مضيفًا أن المصطلح لم يكن يحمل آنذاك موقفًا محددًا تلقائيًا بشأن الفلسطينيين، وكان قادرًا على استيعاب مواقف مختلفة.
لكن الصحيفة لفتت إلى أن المصطلح أصبح بالنسبة إلى كثير من منتقدي إسرائيل مرتبطًا بصورة متزايدة بقمع الفلسطينيين. وفي عام 1975، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا مدعومًا من الاتحاد السوفييتي ودول عربية ساوى بين الصهيونية والعنصرية، قبل أن تلغي القرار عام 1991.
وأضافت أن انتقادات الصهيونية اكتسبت زخمًا جديدًا بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي أعقبت هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
البحث عن مصطلحات بديلة
وأوضح تقرير الصحيفة أن بعض القادة اليهود الذين بدأوا يشككون في استخدام كلمة "الصهيونية" يقدمون أسبابًا مختلفة، منها أن إسرائيل أصبحت دولة راسخة، وعدم وجود إجماع على معنى المصطلح، أو اعتقادهم بأنه أصبح مستخدمًا من خصوم إسرائيل بطريقة سلبية.
وقالت نادين إبستين، الرئيسة التنفيذية ورئيسة تحرير مجلة "مومنت"، إن المصطلح كان ينبغي أن يختفي بعد عام 1948، داعية من يستخدمه اليوم إلى تحديد المقصود منه بوضوح.
كما قال الحاخام ريك جاكوبس، رئيس اتحاد اليهودية الإصلاحية، إن المصطلح "تعرض للتشويه واستُنزف من معناه السابق"، لكنه لا يزال يصف نفسه بأنه صهيوني، موضحًا أن ذلك يعني دعمه "حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية وديمقراطية وتعددية"، إلى جانب التوصل إلى حل سلمي يضمن كرامة الإسرائيليين والفلسطينيين.
وذكر التقرير أن مات بيرغر، مستشار الاتصالات، فقد وظيفته لدى "اتحاد الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية" بعد دعوته خلال مؤتمر للمنظمة إلى تجنب استخدام كلمة "الصهيونية"، وفق "جروسليم نيوز سينديكيت".
وقال بيرغر إن على اليهود إدراك أن المصطلح "أسيء فهمه"، وإنه يُستخدم حاليًا في كثير من الأحيان كمرادف سلبي لليهود، مشيرًا إلى أن بعض اليهود باتوا يفضلون الحديث عن "حق إسرائيل في الوجود" بدلًا من استخدام كلمة الصهيونية.
ما الذي يقوله اليهود الأمريكيون؟
وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن استطلاعًا أجرته وكالة "أسوشييتد برس" ومركز "نورك" في حزيران/يونيو أظهر أن 73% من اليهود الأمريكيين قالوا إنهم "يدعمون إسرائيل كدولة يهودية"، مقابل 37% من الأمريكيين عمومًا.
في المقابل، قال 23% فقط من اليهود الأمريكيين إن كلمة "صهيوني" تصفهم بدرجة "كبيرة جدًا" أو "كبيرة". كما أظهر استطلاع أجرته الصحيفة العام الماضي أن 76% من اليهود الأمريكيين يرون أن إسرائيل "حيوية للمستقبل طويل الأمد للشعب اليهودي"، رغم وجود أعداد كبيرة تنتقد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين.
وفي الوقت نفسه، أشارت الصحيفة إلى ظهور منظمات، بينها "حركة الشتات اليهودي" التي تأسست عام 2024، وتسعى إلى بناء حياة يهودية لا تتمحور حول الولاء لإسرائيل، ولديها عشرات الفروع في أنحاء الولايات المتحدة.
مستقبل المصطلح
ورغم الجدل المتزايد، يرى بنسلار أن كلمة "الصهيونية" لا تزال تؤدي دورًا في الحديث عن "الشعب اليهودي" وهويته الإثنية، حتى لو أصبحت أقل حضورًا في الخطاب المجتمعي اليهودي.
وقال إن الكلمة مرتبطة بـ"صهيون"، وهي كلمة توراتية تعبّر عن تطلع، معتبرًا أن استمرار استخدامها يعود إلى وجود معنى تاريخي وهوياتي وراءها.
وبذلك، بحسب "واشنطن بوست"، لا يدور الخلاف داخل الأوساط اليهودية الأمريكية حول كلمة واحدة فحسب، بل حول تعريف الهوية اليهودية، وحق تقرير المصير، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وكيفية التعامل مع السياسات الإسرائيلية والقضية الفلسطينية في الخطاب اليهودي المعاصر.