نشرت مجلة "
نيويوركر" تقريراً استعرضت فيه
كيف لا تزال تداعيات أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، من حروب وصدمات وأزمات سياسية، تشكل
ملامح الحياة الأمريكية بعد مرور ربع قرن، مسلطة الضوء على الإرث العميق الذي غير
وجه البلاد.
ذكرت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "
عربي21"، أن الحشود تتجمع سنوياً قرب "غراوند زيرو" لقرع الجرس وتقديم
الزهور تكريماً لضحايا 11 أيلول/ سبتمبر. وسيُقرع جرس سابع هذا العام تكريماً
لأولئك الذين توفوا لاحقاً جراء الانتحار أو السرطان أو الأمراض المرتبطة بتبعات
الهجمات.
وأوضحت المجلة أنّ أحداث ذلك اليوم تقاس بالدقائق
بينما يمتد الحزن لسنوات، مستشهدة بكتاب مايك كيلي "بعد جراوند زيرو:
الأمريكيون العاديون والندوب التي لم تلتئم من أحداث 11 سبتمبر"، الذي ركّز
على الدمار النفسي في حياة الناس العاديين، مثل معاناة كريستين بريتويزر التي ظلت
تتلقى على مدى سنوات بلاغات عن العثور على أجزاء من جثمان زوجها والتعرّف إليها
تباعاً.
وأضافت المجلة أنّ بريتويزر كانت تعتبر صوتاً بارزاً
للمطالبة بكشف حقيقة أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وهو ما أسفر عن صدور تقرير لجنة
التحقيق عام 2004، ورغم أن التقرير كان مفصلاً ومثيراً للاهتمام، إلا أنه لم
يُحمّل أياً من مسؤولي الحكومة الأمريكية المسؤولية عن فشل الاستخبارات في منع
عمليات اختطاف الطائرات. وبالنسبة للعديد من العائلات، لم يمثل افتتاح "نصب
ومتحف 11 أيلول/ سبتمبر التذكاري" عام 2014 أي عزاء لهم.
وأشارت المجلة إلى أن ستيف كاندل، الذي كانت شقيقته
شاري البالغة من العمر ثمانية وعشرين عاماً من بين أكثر من ألف شخص لم يتم التعرف
على رفاتهم قط، وجه انتقاداً لاذعاً للمتحف، مستنكراً تحويل مآسي الضحايا الشخصية
المؤلمة إلى معالم سياحية ومشاهد يستعرضها الزوار دون مراعاة لعمق الجرح الإنساني.
وقد كتب كاندل بعد تفقده لمقتنيات المتحف الذي بلغت
تكلفته 350 مليون دولار ومساحته 110 آلاف قدم مربع، بدءاً من "هيكل سيارة
إسعاف" و"استغاثات مكتوبة بخط اليد" وصولاً إلى "أحذية 'توب
سايدر' المغبرة بلا أصحاب والمحبوسة خلف الزجاج": "ليت لكل شخص متحفاً
لأسوأ يوم في حياته، ليرى كيف يُعرض ألمه الشخصي للعامة وسط سياح لا يكترثون، وكيف
يُستغل هذا الألم من قِبل آخرين بحثاً عن تواصل مصطنع".
وقالت المجلة إنّ ركام الهجوم أُزيل، وأُعدّ
التقرير، وشُيّد متحف. ولا تزال القطع الأثرية تُجمع؛ إذ يعرض المتحف الوطني
للتاريخ الأمريكي التابع لمؤسسة سميثسونيان أحزمة أمان مقطوعة من الرحلة 93،
وبطاقات هوية محترقة جزئياً من مبنى البنتاغون، وحقائب مهترئة من برجي مركز
التجارة العالمي. لكن ثمة أنواعاً أخرى من الركام؛ غبار وحطام من الألم والغضب.
وأفادت المجلة بأنه في الذكرى الخامسة عشرة لهجمات
11 أيلول/ سبتمبر، أخبرت كريستن برايتوايزر الصحفي مايك كيلي قائلة: "لقد
انتظرت خمسة عشر عاماً. قُتل زوجي مع ثلاثة آلاف شخص، ولم يُحاسب شخص واحد. كيف
يمكن أن يحدث ذلك؟"
ولكن هل لم يُحاسب أحد فعلاً؟ لقد عانى ملايين
الأشخاص، ولقي مئات الآلاف حتفهم. وأعلن جورج دبليو بوش "الحرب العالمية على
الإرهاب" في 20 أيلول/ سبتمبر 2001، ودخلت الولايات المتحدة الحرب في
أفغانستان في 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه. واستمرت تلك الحرب، التي أصبحت
الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، عشرين عاماً. وبدأت حرب العراق عام 2003، فيما
قتلت قوات العمليات الخاصة الأمريكية أسامة بن لادن عام 2011. ولم تُعلن نهاية
الحرب العالمية على الإرهاب قط.
وأشارت المجلة إلى أن مشروع "تكلفة الحرب"
التابع لجامعة براون يقدّر أن العمليات العسكرية الأمريكية التي أعقبت 11 أيلول/
سبتمبر في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان أسفرت عن مقتل نحو مليون شخص
بين عامي 2001 و2023، بينهم أكثر من 400 ألف مدني. وتشمل الوفيات من غير المدنيين
أكثر من 7 آلاف جندي أمريكي، وأكثر من 8 آلاف متعاقد عسكري، وأكثر من 12 ألفاً من
قوات الدول الحليفة، إضافة إلى أكثر من 28 ألفاً من أفراد الخدمة العسكرية
والمحاربين القدامى الأمريكيين الذين لقوا حتفهم انتحاراً.
لقي الخاطفون حتفهم، بينما استمر البحث عن شركائهم
داخل ما أصبح يُسمى "الوطن"، بموجب الأحكام التي
أقرها قانون باتريوت. واختبأ كثير من الأمريكيين المسلمين أو فروا، وبين عامي 2002
و2003 واجه 13 ألفاً منهم إجراءات ترحيل.
وتعرض المجلة قصة المحامية مارلو كاديدو التي خلّفت
هجمات البرجين أثراً نفسياً عميقاً في نفسها، لتتحول لاحقاً إلى مدافعة بارزة عن
الأمريكيين المسلمين المستهدفين بحملات مكتب التحقيقات الفيدرالي، إذ تولت الدفاع
عن مفيد عبد القادر، وهو أخ غير شقيق لأحد أبرز قيادات حماس، المدان بجمع أموال
للإرهاب، بحسب ما ورد في كتاب "الميراث: مأساة أمريكية في خمسة فصول"
للكاتبة جانيت رايتمان.
واليوم مضى ربع قرن، أي جيل كامل، منذ سقوط البرجين،
كبر فيه الأطفال الصغار ليصبحوا رجالاً بالغين، وأصبح طلاب قاعات المحاضرات الآن
هم أبناء أطفال الأمس، ويعيشون اليوم في أمريكا مختلفة، وأكثر غضباً حتى من ذي قبل.