من "قسد" إلى السويداء.. هل تنجح دمشق في حل آخر ملفاتها العالقة؟

الاحتلال الإسرائيلي يضع نفسه متبنيا للدروز في السويداء- إكس
الاحتلال الإسرائيلي يضع نفسه متبنيا للدروز في السويداء- إكس
شارك الخبر
أغلق إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي، الثلاثاء، ملفًا ظل واحدًا من أكبر ملفات الدولة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما أعلن حل القوات والإدارة الذاتية وجميع التشكيلات التابعة لها، والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية.

وبينما طويت صفحة القوة العسكرية التي أدارت لسنوات مناطق واسعة في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي، تتجه الأنظار مجددًا إلى السويداء، باعتبارها الملف الأكثر تعقيدًا المتبقي أمام دمشق، خصوصًا مع استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج سيطرة الحكومة، وارتباط الأزمة بتدخل الاحتلال الإسرائيلي وبمسار التفاوض الأمني بين دمشق وتل أبيب.

ولم يكن توقيت المقارنة عابرًا؛ إذ اعتبر مستشار الرئاسة السورية أحمد موفق زيدان في تصريحات صحفية أن اندماج "قسد" يمثل "رسالة واضحة للسويداء"، في إشارة إلى أن دمشق ترى في التسوية الكردية نموذجًا يمكن تكراره جنوبًا.

لكن الفارق الأساسي أن السويداء لا تواجه دمشق وحدها، بل تقع في قلب معادلة تضم الولايات المتحدة والأردن والاحتلال الإسرائيلي، فيما لا يزال مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية والمرجعيات المحلية في المحافظة غير محسوم.

من قوة عسكرية إلى مؤسسات الدولة

قبل سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت "قسد" تسيطر على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، وتمتلك قوة عسكرية وإدارة مدنية ومؤسسات وموارد اقتصادية، فيما كانت الولايات المتحدة الداعم الدولي الرئيسي لها.

ومع ذلك، لم تعلن "قسد" رسميًا مشروع إقامة دولة كردية مستقلة، وظلت مطالبها تدور حول شكل من أشكال الإدارة الذاتية والحقوق السياسية والثقافية للأكراد.

وبعد سقوط النظام، دخلت دمشق و"قسد" في مسار تفاوضي طويل، بدأ باتفاقات وتفاهمات متعاقبة، وصولًا إلى الترتيبات التي انتهت بإعلان عبدي حل القوة ودمجها في مؤسسات الدولة.

ولم يكن المسار مجرد عملية عسكرية؛ إذ شمل أيضًا بحث مستقبل القوات، والمؤسسات المدنية، والمعابر وحقول النفط والغاز، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالحقوق الكردية.

ويرى الكاتب والأكاديمي السوري الدكتور مهيب صالحة، في حديث لـ"عربي21"، أن "قسد" كانت تملك مقومات تجعلها قادرة على الاستمرار كقوة منفصلة، لكنها لم تتبنَّ رسميًا مشروع الانفصال، فيما دفعت الضغوط الأمريكية قيادة القوات في النهاية إلى التفاهم مع دمشق.

صالحة أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الدولية، قال إن عدم تبني "قسد" رسميًا مشروع الانفصال، رغم امتلاكها قوة عسكرية ومؤسسات وموارد واسعة، كان أحد العناصر التي أبقت الباب مفتوحًا أمام التوصل إلى تسوية مع دمشق.

وبحسب صالحة، فإن عدم تحول الصراع بين السلطات والمكون الكردي إلى موجة واسعة من العنف الأهلي أو الانتقام ضد المدنيين الأكراد، فضلًا عن حرص قيادة "قسد" على تجنب مواجهة مفتوحة مع السلطة الانتقالية، ساعدا في إبقاء باب التسوية مفتوحًا.

وأضاف أن غياب المجازر والانتهاكات الواسعة بحق الأكراد وممتلكاتهم، وعدم تحريض العشائر العربية ضدهم، ساعد أيضًا في إبقاء مسار التسوية مفتوحًا، إلى جانب ما وصفه بحكمة قيادة "قسد" وحساباتها الدقيقة بعد سقوط النظام، بحسب قوله.

ويوضح صالحة أن "قسد" كانت تسيطر قبل سقوط النظام على ثلاث محافظات، وأن الإدارة الذاتية كانت تحت سطوة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني المرتبط عقائدياً وتنظيمياً بحزب العمال الكردستاني.

وأشار إلى أن اتفاق 10 آذار/مارس 2025 الذي دعا إلى الدمج تأخر تنفيذه بسبب قوة التيار الانفصالي ومحاولة المماطلة بانتظار تغير الموقف الأمريكي، قبل أن يُتوصل إلى اتفاق جديد في 30 كانون الثاني/يناير 2026.


اختلاف جوهري

لكن هذه العناصر لا تتوافر بالدرجة نفسها في السويداء، حيث خلّفت أحداث تموز/يوليو 2025 جرحًا عميقًا، بينما برز إلى جانب المطالب المحلية، خطاب يطرح "الاستقلال التام".

ويختلف الناشط السياسي السوري صالح النبواني، في حديث لـ"عربي21"، مع المقارنة بين الملفين من أساسها، معتبرًا أن الفارق بين "قسد" والسويداء كبير، إذ لا توجد في المحافظة، بحسب رأيه، بنية سياسية وإدارية وعسكرية متماسكة كتلك التي كانت تمتلكها "قسد".

ويرى النبواني أن القوى المسلحة التي تتحكم بجزء من المشهد في السويداء لا تمثل مشروعًا سياسيًا واضحًا، ويصفها بأنها تضم قادة فصائل كانت مرتبطة سابقًا بأجهزة أمن النظام السابق، ويتهم بعضهم بالانخراط في الخطف والسلب وتجارة المخدرات والارتباط بجهات تمولهم.

ويعتقد النبواني أن الحكومة السورية قادرة على إنهاء الملف إذا أرادت، لكنه يرى أنها "حتى الآن لا يبدو أنها مهتمة أو راغبة بذلك"، مضيفًا أن نجاحها يتطلب إعادة قراءة واقع المحافظة، وإبداء اهتمام أكبر بـ"التيار الوطني المدني" بعيدًا عن رجال السلاح والدين.

لماذا تبدو السويداء مختلفة؟

في الحالتين توجد قوة محلية مسلحة، ومطالب تتعلق بشكل العلاقة مع المركز، وتدخل خارجي، ومخاوف من عودة الصراع.

لكن السويداء تختلف في عامل حاسم وهو الاحتلال الإسرائيلي. فتل أبيب لم تتعامل مع ملف المحافظة باعتباره شأنًا سوريًا داخليًا، بل أعلنت بصورة مباشرة أن حماية الدروز جزء من حساباتها الأمنية والسياسية، وربطت ذلك بوجودها العسكري في الجنوب السوري.

وفي الوقت نفسه، فإن العلاقة بين رجل الدين الدرزي وقائد المشروع الانفصالي حكمت الهجري وتل أبيب ليست تطورًا ظهر بعد إعلان حل "قسد"، بل موقف أعلن عنه الهجري قبل أشهر بصورة صريحة.

وفي مقابلة مع موقع "واي نت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، قال الهجري في كانون الثاني/يناير الماضي إن الدروز يرون أنفسهم "جزءًا لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل".

ووصف إسرائيل بأنها الجهة الضامنة والمخولة الوحيدة لأي اتفاق مستقبلي يتعلق بمصير الدروز، كما تحدث عن أن مطلبه الأساسي هو "الاستقلال التام"، مع إمكانية قبول مرحلة انتقالية تحت إشراف جهة ضامنة.

بل تحدث في المقابلة نفسها عن أن سوريا تتجه نحو التقسيم وبناء مناطق تتمتع بحكم ذاتي واستقلال، معتبرًا ذلك مستقبلًا يضمن حقوق الأقليات، بحسب ما نقل عنه آنذاك.

ويرى صالحة أن التيار الانفصالي الذي يقوده الهجري احتاج إلى "صدمة عظيمة تولّد مظلومية" حتى يتمكن من البروز في بيئة درزية شديدة الوطنية.

اظهار أخبار متعلقة



واعتبر أن السلطة قدمت هذه الصدمة «على طبق مليء بالدماء والآلام والمعاناة» من خلال أحداث تموز 2025، دون أن تقترب من هذا التيار، مما شجعه على طلب الحماية الإسرائيلية ثم الحديث عن تقرير المصير والانفصال بعناوين عقائدية "لا تمت للواقع ولا للتراث ولا للتاريخ الدرزي بصلة"، وفقا لصالحة..

من "حماية الدروز" إلى تثبيت وجودها

خلال الأشهر الماضية، كرر مسؤولون إسرائيليون أن تل أبيب لن تسمح باستهداف الدروز في سوريا.

وكان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن في آذار/مارس أن الاحتلال لن يسمح للسلطات السورية بالمساس بالدروز، مهددًا بالتدخل العسكري، فيما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المجتمع الدرزي.

والأحدث من ذلك جاء الثلاثاء، إذ قال كاتس خلال جولة في المنطقة التي يحتلها الاحتلال في جبل الشيخ إنه لن ينسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية، ما دامت هناك تهديدات يعتبرها "جهادية" لإسرائيل.

وهذه التصريحات تأتي في سياق أوسع؛ فالاحتلال لا يكتفي بالقول إنه يحمي الدروز، بل يتمسك بوجوده العسكري في الأراضي السورية التي احتلها بعد سقوط النظام، ويجعل الانسحاب منها جزءًا من أي نقاش أمني مستقبلي.

لماذا لا يمكن بدء التفاوض من الصفر؟

هناك سبب آخر يجعل تسوية السويداء أصعب من ملف "قسد"، وهو أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025.

فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا وقوع انتهاكات خطيرة خلال الأحداث التي شهدتها المحافظة، والتي أودت بحياة أكثر من 1700 شخص وتسببت في نزوح واسع.

ولم يقتصر تقرير لجنة التحقيق الدولية على طرف واحد، إذ وثق انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومقاتلون عشائريون بحق مدنيين دروز، كما وثق انتهاكات ارتكبتها مجموعات درزية مسلحة بحق مدنيين بدو، بما في ذلك القتل والتعذيب والتهجير القسري وتدمير الممتلكات، مشيرًا إلى أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكانت السلطات السورية فتحت تحقيقات واسعة، وشكلت لجنة للوقوف على أحداث السويداء.

ويرى صالحة أن أي حل وطني يجب أن ينطلق من اتفاق شباط/فبراير، وتفاهم آذار/مارس، واتفاق أيار/مايو بين الحكومة والمرجعيات الدرزية، إلى جانب خارطة طريق عمّان (أيلول/ سبتمبر 2025)، وبضمانات أمريكية وأردنية.

كما يرى أن التسوية يجب أن تترافق مع محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر الضرر، وعودة المهجرين إلى قراهم، والكشف عن مصير المغيبين، والإفراج عن المعتقلين.

ويتفق النبواني مع أهمية المحاسبة، لكنه يركز على أن تكون المحاكمات علنية، معتبرًا أن ذلك يجب أن يستند إلى نتائج لجنة التحقيق الدولية والقوانين الدولية، وأن يشمل كل من تورط في الانتهاكات والمجازر التي شهدتها السويداء.

ويرى أن مثل هذه المحاكمات يمكن أن تسهم في إعادة بناء الثقة بين أبناء المحافظة ودمشق، وأن تمنح السكان "الأمل بقيام دولة العدالة والقانون" رغم حجم الجرح الذي خلفته الأحداث.

اظهار أخبار متعلقة



"تآكل من الداخل"

ويرى صالحة أن الدولة السورية تراهن على تآكل السويداء من الداخل نتيجة الفوضى الأمنية وتحكم السلاح بحياة السكان، بما يضعف القوى المحلية ويجعل فرض إرادتها على المحافظة أسهل.

وبحسب قراءته، فإن استمرار الفوضى الأمنية قد يؤدي مع الوقت إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل المحافظة، في وقت قد تتحول فيه الخلافات السياسية إلى عامل إضافي لاستنزاف المجتمع المحلي.

كما يرى أن أي خطاب طائفي يصدر من أوساط متطرفة داخل الحكومة ضد الدروز، بالتزامن مع تعنت الهجري، قد يخدم عمليًا مسارًا يضر بالطرفين.

وقال صالحة إن دمشق تراهن أيضًا على ممارسة الإدارة الأمريكية ضغوطًا على إسرائيل لتغيير موقفها من أزمة السويداء ومن اتفاق الترتيبات الأمنية في الجنوب.

"مفتاح إسرائيلي"

المفارقة أن العامل الإسرائيلي الذي يجعل حل السويداء أكثر تعقيدًا قد يصبح نفسه مفتاحًا للحل.
فإذا توصلت دمشق وتل أبيب إلى اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية في الجنوب، فقد تتغير حسابات جميع الأطراف.

ويربط صالحة تأخر حل ملف السويداء بتأخر التوصل إلى اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، معتبرًا أن المحافظة تمثل بالنسبة لإسرائيل جزءًا من ملف الجنوب السوري الأوسع.

ويرى صالحة أن الاحتلال، في هذه الحالة، قد يتعرض لضغوط أمريكية من أجل خفض دعمه للمواقف الأكثر تشددًا في السويداء، مقابل حصوله على ترتيبات أمنية يريدها في الجنوب.

وهذا يفتح الباب أمام احتمال أن تكون تسوية السويداء جزءًا من صفقة أوسع تتعلق بمستقبل الجنوب السوري، وليس مجرد اتفاق داخلي بين دمشق والمرجعيات المحلية.

فيما يرى النبواني أن العامل الإسرائيلي سيكون حاسمًا في مستقبل هذا الملف، معتبرًا أن إسرائيل استخدمت حكمت الهجري ورقة في مواجهة دمشق، وأن استمرار هذا الدور مرتبط بالهدف الذي تسعى تل أبيب إلى تحقيقه في الجنوب.

ويعتقد أن التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا و"إسرائيل" قد يغير موقع الهجري وحجم الدعم الذي يحظى به، مضيفًا أن تل أبيب، بعد حصولها على ما تريده، قد تتخلى عن الورقة التي استخدمتها في المرحلة الحالية، على حد تقديره.

ثلاثة مسارات أمام السويداء

ويمكن تلخيص المسارات التي تنتظر السويداء في ثلاثة احتمالات رئيسية: 
الأول: التسوية الشاملة.
تتقدم المفاوضات السورية الإسرائيلية، وتضغط واشنطن على تل أبيب، وتعود دمشق والمرجعيات المحلية إلى طاولة تفاوض جدي، وصولًا إلى صيغة تضمن عودة مؤسسات الدولة مع ترتيبات أمنية وإدارية للمحافظة.

الثاني: تجميد الأزمة.
لا تنفصل السويداء رسميًا، لكنها لا تعود أيضًا إلى سيطرة دمشق الكاملة، وتستمر الفصائل المحلية في الاحتفاظ بسلاحها، بما قد يكرس وضعًا شبه مستقل بحكم الأمر الواقع حتى أجل غير مسمى.

الثالث: انفجار جديد.
يفشل المسار السياسي، أو تتعثر المفاوضات السورية الإسرائيلية، أو يقع تصعيد جديد داخل المحافظة، فتعود المواجهات، ويجد الاحتلال مبررًا جديدًا للتدخل العسكري تحت عنوان حماية الدروز.

التعليقات (0)