لم يعد مشروع إقامة كيان كردي مستقل في العالم العربي يحظى بالمساحة التي سعى إليها أنصاره خلال السنوات الماضية، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة أعادت التأكيد على وحدة الدول التي يعيش فيها
الأكراد. ويبرز إعلان مظلوم عبدي حل قوات
سوريا الديمقراطية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، بالتزامن مع مسار نزع سلاح حزب العمال
الكردستاني في
تركيا والعراق، بوصفه أحد أبرز المؤشرات على انحسار المشروع الانفصالي المسلح.
ولا يعني ذلك انتهاء القضية الكردية أو المطالب المتعلقة بالحقوق الثقافية والسياسية، بقدر ما يعكس تحولا في طبيعة التعامل معها، من مشاريع الحكم الذاتي والكيانات المسلحة إلى ترتيبات سياسية وقانونية داخل حدود الدول القائمة.
قسد تطوي صفحة السلاح
في أحدث تطورات هذا المسار، أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية سابقا، الثلاثاء، انتهاء مهمة قواته كقوة عسكرية مستقلة وبدء اندماجها في مؤسسات الدولة السورية، خلال مؤتمر صحفي عقده في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، وفق وكالة الأنباء السورية "سانا".
وقال عبدي إن هذه الخطوة تمثل "لحظة تاريخية" تطوي فيها سوريا صفحة من تاريخها، وتفتح أخرى عنوانها السلام والاستقرار والبناء، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنقل البلاد "من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".
وجاء الإعلان في سياق تفاهمات متراكمة بين دمشق وقسد، وبعد اتفاق أعلنته الحكومة السورية في 29 كانون الثاني/يناير 2026، نص على وقف إطلاق النار وبدء عملية دمج عسكري وإداري، إلى جانب ترتيبات تتعلق بعودة النازحين إلى مناطقهم.
كما سبق ذلك مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في كانون الثاني/يناير الماضي، أكد فيه أن المواطنين السوريين الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة بالنسبة إلى مستقبل المشروع الذي بنته قسد خلال سنوات الحرب السورية، بعدما تحولت من قوة محلية مدعومة أمريكيا إلى طرف يسيطر على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا.
تركيا.. "لا دولة في شمال سوريا"
ولا يمكن فصل التطورات السورية عن التحولات التي تشهدها تركيا في ملف حزب العمال الكردستاني، الذي خاض صراعا مسلحا مع الدولة التركية لعقود.
وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة تصريح سابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال فيه عام 2015: "مهما كان الثمن، لن نسمح أبدا بإقامة دولة في شمال سوريا وجنوب تركيا".
وبعد إعلان حل قسد واندماجها في الدولة السورية، قال أردوغان في منشور على منصة "إكس" الثلاثاء: "ليطمئن الجميع، وليكونوا مرتاحين... الجمهورية التركية لا تتنازل عن مبادئها ولا عن مصالحها الوطنية. نحن لا نترك أي صديق أو أخ يثق بنا في منتصف الطريق".
وتنظر أنقرة إلى أي تشكيل مسلح مرتبط بحزب العمال الكردستاني على حدودها باعتباره تهديدا لأمنها القومي، ولذلك ارتبط موقفها من التطورات في شمال سوريا والعراق برفض نشوء كيان كردي مسلح يمكن أن يتحول إلى قاعدة سياسية وعسكرية مستقلة.
اظهار أخبار متعلقة
ما بعد حزب العمال الكردستاني
وفي مؤشر آخر على التحول الجاري، أقر البرلمان التركي في أغسطس/آب الجاري قانون "تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي"، في إطار مسار "تركيا بلا إرهاب"، بعدما صوت لصالحه 468 نائبا من أصل 562 نائبا حاضرا.
وينظم القانون إجراءات مرتبطة بالتحقيقات والمحاكمات وأحكام الإدانة بحق عناصر حزب العمال الكردستاني، على أن تدخل بعض الترتيبات حيز التنفيذ بعد التثبت من إنهاء التنظيم والتشكيلات المرتبطة به وجودها الفعلي وتسليم أسلحتها وذخائرها.
ووصف أردوغان مصادقة البرلمان على القانون بأنها "خطوة تاريخية"، وقال إن الوصول إلى هدف "تركيا بلا إرهاب" و"منطقة خالية من الإرهاب" يمثل أولوية بالغة الأهمية بالنسبة إلى بلاده.
وأضاف أن تركيا، بتكاتف الدولة والشعب، تعمل على إنهاء قضية كلفتها "أرواح عشرات الآلاف و40 عاما من عمر البلاد".
ويعكس هذا المسار انتقال أنقرة من إدارة الصراع المسلح إلى محاولة إغلاق ملفه عبر ترتيبات قانونية وسياسية وأمنية، وهو ما يضع مستقبل التنظيمات المرتبطة بحزب العمال في سوريا والعراق وإيران أمام أسئلة جديدة.
واشنطن.. دورهم انتهى
التغير في الموقف الأمريكي يمثل عاملا آخر في تراجع قدرة قسد على الحفاظ على مشروع مستقل.
فقد قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك، الثلاثاء، إن حل قسد واندماجها في مؤسسات الدولة السورية يمثل "حدثا تاريخيا بكل معنى الكلمة".
وكتب باراك على منصة "إكس" أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط تشهد تقدما نحو إدماج شريك سابق في إطار وطني، وبدء تشكل "سوريا موحدة للجميع".
وكان باراك قد قال في كانون الثاني/يناير 2026 إن الفرصة الأكبر أمام الأكراد في سوريا تكمن في ظل الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، معتبرا أن المهمة الأصلية لقسد باعتبارها قوة رئيسية في محاربة تنظيم الدولة قد انتهت على الأرض.
وأكد حينها أن واشنطن لا تريد وجودا عسكريا أمريكيا طويل الأمد في سوريا، وأن المرحلة الجديدة تتيح مسارا نحو الاندماج في دولة سورية موحدة، مع ضمان حقوق المواطنة.
كما أوضح أن الولايات المتحدة لا تؤيد النزعات الانفصالية أو الفدرالية في سوريا، وأنها تركز على هزيمة فلول تنظيم الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة.
وهذا التحول يحمل دلالة كبيرة، إذ إن قسد اعتمدت طوال سنوات على الدعم الأمريكي العسكري والسياسي، في مواجهة تنظيم الدولة من جهة، وللحفاظ على نفوذها في شمال شرقي سوريا من جهة أخرى.
من قوة عسكرية إلى مكون داخل الدولة
تأسست قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول/أكتوبر 2015 في مدينة المالكية بمحافظة الحسكة، وضم تشكيلها وحدات ذات غالبية كردية إلى جانب فصائل عربية وسريانية وتركمانية.
وسرعان ما أصبحت شريكا رئيسيا للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة، وتمكنت خلال السنوات التالية من بسط نفوذها على مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا، شملت أجزاء من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وحلب.
وبحسب مركز جسور للدراسات، بلغت مساحة المناطق التي كانت قسد تسيطر عليها حتى عام 2019 نحو 25.6 بالمئة من الأراضي السورية.
لكن الظروف التي سمحت لهذا النفوذ تغيرت بصورة كبيرة. فقد سقط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2025، وظهرت سلطة مركزية جديدة في دمشق، بينما بدأت واشنطن بإعادة تقييم وجودها العسكري والسياسي في سوريا.
وبذلك فقدت قسد جزءا كبيرا من البيئة السياسية التي ساعدتها على بناء نموذج إداري وعسكري منفصل عن دمشق.
اظهار أخبار متعلقة
بغداد.. عقدة بطريق المشروع الكردي
ولا يقتصر التحول على سوريا وتركيا، إذ يمثل العراق أحد أهم ميادين إعادة رسم العلاقة بين الدولة والتنظيمات الكردية المسلحة.
وتشير دراسة صادرة عن مركز أبحاث الشرق الأوسط في تركيا "
أورسام" إلى أن إنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق يمكن أن يفتح مرحلة جديدة في العلاقات التركية العراقية، بعدما كان وجود الحزب منذ ثمانينيات القرن الماضي أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين.
وتلفت الدراسة إلى أن بغداد صنفت حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية محظورة في نيسان/أبريل 2024، في خطوة عززت التعاون الأمني مع أنقرة.
ولا تنظر الدراسة إلى عملية نزع السلاح باعتبارها مجرد خطوة عسكرية، بل تعتبرها عملية متعددة الأبعاد تحتاج إلى ترتيبات سياسية واجتماعية ومدنية لضمان تفكيك البنية التنظيمية وإدارة المرحلة الانتقالية.
ومن شأن خروج الحزب من المناطق التي ينتشر فيها شمال العراق أن يعيد ترتيب موازين القوى داخل إقليم كردستان العراق، ولا سيما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
كما يمكن أن يتيح انسحاب المسلحين عودة السكان إلى مئات القرى التي أُخليت بسبب الصراع، فضلا عن تعزيز سيطرة مؤسسات حكومة الإقليم على مناطق كانت خاضعة لتأثير الجماعات المسلحة.
طريق التنمية.. الأمن يتحول إلى مصلحة اقتصادية
ويرتبط مستقبل ملف حزب العمال الكردستاني أيضا بحسابات اقتصادية تتجاوز البعد الأمني.
فاستقرار شمال العراق يمثل عاملا مهما في مشروع "طريق التنمية" الاستراتيجي، الذي يربط ميناء الفاو في جنوب العراق بالحدود التركية، ويهدف إلى إنشاء ممر للنقل والتجارة يمكن أن يصل العراق بالأسواق التركية والأوروبية.
وبحسب دراسة "أورسام"، فإن إنهاء التهديدات الأمنية المرتبطة بالحزب من شأنه تعزيز أمن المشروع وجاذبيته أمام الاستثمارات الإقليمية والدولية، خصوصا الاستثمارات الخليجية.
كما يمكن للاستقرار الأمني أن يدفع العلاقات الاقتصادية التركية العراقية نحو هدف رفع حجم التبادل التجاري إلى نحو 30 مليار دولار.
لكن ذلك لن يكون تلقائيا، إذ لا تزال هناك ملفات شائكة، من بينها وضع مناطق مثل سنجار ومخمور، ومستقبل الجماعات المحلية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، فضلا عن ضرورة تعزيز سلطة الحكومة العراقية على المناطق التي كانت تشهد نشاطا مسلحا.
الاستفتاء الكردي في العراق
ويشكل استفتاء إقليم كردستان العراق عام 2017 محطة مفصلية لفهم مسار التراجع الحالي للمشروع الانفصالي.
ففي 25 أيلول/سبتمبر 2017، صوت نحو 92.7 بالمئة من المشاركين لصالح الانفصال عن العراق، في استفتاء شمل محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة، إلى جانب مناطق متنازع عليها، بينها كركوك.
وكانت قيادة الإقليم تراهن على نتائج الاستفتاء لفتح الطريق أمام مفاوضات تؤدي إلى قيام دولة كردية مستقلة، مستندة إلى ما اعتبرته حقا في تقرير المصير، وإلى الدور الذي لعبته قوات البيشمركة في مواجهة تنظيم الدولة.
لكن المشروع اصطدم برفض واسع من بغداد، إلى جانب معارضة تركيا وإيران، فضلا عن عدم حصوله على دعم دولي كاف.
وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، استعادت القوات العراقية الاتحادية السيطرة على مناطق متنازع عليها، بينها كركوك وحقولها النفطية، لتتراجع حكومة إقليم كردستان لاحقا عن نتائج الاستفتاء وتعود إلى الدعوة للحوار ضمن إطار الدستور العراقي.
وأظهرت تلك التجربة أن امتلاك قوة عسكرية أو السيطرة على مساحة جغرافية لا يكفيان وحدهما لانتزاع الاعتراف بدولة كردية مستقلة في منطقة تتقاطع فيها مصالح أربع دول رئيسية: تركيا والعراق وسوريا وإيران.
اظهار أخبار متعلقة
إيران.. الحلقة التي لم تحسم بعد
ويبقى الموقف في إيران مختلفا نسبيا، ولا سيما مع استمرار نشاط حزب الحياة الحرة الكردستاني، المعروف اختصارا بـ"بيجاك".
وبحسب دراسة "أورسام"، فقد رحب الحزب بصورة محدودة بقرار حزب العمال الكردستاني، لكنه رفض التخلي عن السلاح في إيران، مبررا ذلك بما يعتبره انغلاقا سياسيا وسياسات إقصائية بحق الأكراد.
ويكشف ذلك أن إنهاء البنية المسلحة لحزب العمال الكردستاني لا يعني بالضرورة انتهاء جميع التنظيمات المرتبطة به أو المتأثرة بأيديولوجيته في المنطقة.
لكن الاتجاه العام يشير إلى أن البيئة الإقليمية التي سمحت لهذه التنظيمات بالتحرك المسلح أصبحت أكثر تضييقا، مع تشديد الدول الأربع على سيادتها ووحدة أراضيها.
وبالنظر إلى مسار التطورات في تركيا والعراق وسوريا، تبدو المنطقة أمام إعادة تعريف للقضية الكردية.
ففي تركيا، يجري الدفع باتجاه إنهاء الصراع المسلح من خلال مسار "تركيا بلا إرهاب". وفي العراق، تتزايد الضغوط لإنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني وتعزيز سلطة الدولة.
أما في سوريا، فقد اتجهت قسد إلى حل تشكيلها العسكري والاندماج في مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تأكيد دمشق على الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد.
وهنا تبرز مفارقة أساسية٬ تراجع المشروع الانفصالي لا يعني بالضرورة تراجع المطالب الكردية.
فالمرسوم السوري الذي أكد أن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، وضمن حقوقهم الثقافية واللغوية، يقدم نموذجا مختلفا يقوم على الاعتراف بالخصوصية داخل الدولة بدلا من تأسيس كيان منفصل عنها.
وبذلك، يبدو أن السنوات التي شهدت صعود مشاريع الإدارة الذاتية والكيانات المسلحة الكردية في سوريا والعراق تقترب من نهايتها، لتحل محلها مرحلة جديدة عنوانها الاندماج السياسي والمؤسسي، مع بقاء ملف الحقوق القومية والثقافية للأكراد واحدا من الملفات الحساسة التي ستحدد مدى استدامة هذا التحول.