نشر موقع "كونفرزيشن" مقالاً لأستاذة علم الأحياء الدقيقة الطبية في جامعة وستمنستر، منال محمد، تناولت فيه أسباب اختلاف تأثير عدوى
السالمونيلا بين المصابين، موضحة أن معظم الحالات تؤدي إلى التهاب المعدة والأمعاء، وما يصاحبه من إسهال وتقلصات في البطن وحمى أو قيء، قبل أن يتعافى معظم المرضى خلال أسبوع. ومع ذلك، قد يشكل الإسهال الشديد والجفاف خطراً على المصاب، حتى عندما تبقى
البكتيريا محصورة داخل الأمعاء.
لكن لدى نسبة صغيرة من المرضى، تتمكن السالمونيلا من اختراق بطانة الأمعاء والوصول إلى مجرى الدم. وفي التفشي الحالي في المملكة المتحدة، الذي يبدو أنه مرتبط ببيض مستورد من الخارج، أصيب شخصان بعدوى في مجرى الدم، فيما سُجلت وفاة واحدة مرتبطة بالتفشي. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن الكيفية التي تتمكن بها هذه البكتيريا المسببة للتسمم الغذائي من الانتقال خارج الأمعاء، ولماذا يحدث ذلك لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.
وبحلول 13 آب/ أغسطس 2026، رصدت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة 207 حالات مؤكدة لسلالة وثيقة الصلة من بكتيريا "سالمونيلا إنتيريتيديس". ومن بين المرضى الذين توافرت معلومات بشأنهم، أُدخل 38% إلى المستشفيات بسبب الأعراض التي عانوا منها.
ويُعد استهلاك البيض أبرز خيط يتابعه المحققون، رغم عدم تأكيد المصدر حتى الآن. فقد تناول عدد من المصابين أطباقاً تحتوي على البيض في منشآت غذائية تعتمد على مصادر متعددة، من بينها جهات استيراد. كما حدد المحققون احتمال وقوع تلوث خلطي، أي انتقال البكتيريا بين الأطعمة أو الأسطح، في موقعين، لكنهم لم يعثروا على أي صلة بالبيض أو الدواجن المنتجة داخل المملكة المتحدة.
وتنتمي "سالمونيلا إنتيريتيديس" إلى مجموعة واسعة تعرف باسم "السالمونيلا غير التيفية"، وهي تختلف عن البكتيريا المسؤولة عن حمى التيفوئيد والحمى نظيرة التيفية. ويصف الأطباء العدوى بأنها "غازية" عندما تصل السالمونيلا إلى مجرى الدم أو إلى أي جزء آخر من الجسم يكون خالياً عادة من البكتيريا. وقد تؤدي عدوى مجرى الدم إلى الإصابة بـ"الإنتان"، وهو رد فعل يهدد الحياة، يبدأ خلاله الجهاز المناعي بإلحاق الضرر بأعضاء الجسم وأنسجته.
وتستخدم السالمونيلا جينات، وهي أجزاء من الحمض النووي "DNA" تحمل تعليمات بيولوجية، لبناء أنظمة حقن دقيقة تشبه المحاقن الجزيئية. ويقوم أحد هذه الأنظمة بحقن بروتينات داخل الخلايا المبطنة للأمعاء، ما يدفع تلك الخلايا إلى ابتلاع البكتيريا. وبما أن هذه الأنظمة موجودة لدى العديد من أنواع السالمونيلا، فإن وجودها لا يفسر وحده سبب إصابة بعض المرضى بتجرثم الدم، بينما يعاني آخرون من إسهال خفيف نسبياً. ففي معظم الحالات، تتمكن طبقات متعددة من الدفاع المناعي من حصر العدوى داخل الأمعاء.
وهناك نظام آخر يساعد السالمونيلا على تغيير الغشاء المحيط بها بعد ابتلاعها من قبل إحدى الخلايا المناعية، الأمر الذي يسمح لبعض البكتيريا بالبقاء والتكاثر. وتقوم البلاعم، وهي خلايا مناعية، عادة بابتلاع الميكروبات وتدميرها، إلا أن بعض أنواع السالمونيلا قادرة على البقاء داخلها. ويمكن أن يمثل هذا الموقع المحمي إحدى الطرق التي تنتقل من خلالها البكتيريا إلى الأنسجة العميقة ومجرى الدم، إلى جانب طرق محتملة أخرى.
وقد حدد العلماء أكثر من 2600 نوع من بكتيريا السالمونيلا، تعرف باسم "الأنماط المصلية"، إلا أن أقل من 100 نوع منها تسبب معظم حالات المرض لدى البشر. أما "السلالة" فهي فرع جيني وثيق الصلة يندرج ضمن أحد هذه الأنواع، وتختلف الأنواع والسلالات في قدرتها على الانتشار.
وتعرف أنواع السالمونيلا غير المسببة للتيفوئيد والقادرة على غزو مجرى الدم باسم "الأنماط المصلية الغازية". ومن بين الأنماط الأكثر شيوعاً والمرتبطة بالتهابات الدم: "تيفيموريوم" و"إنتيريتيديس" و"كوليرايسويس" و"دبلن".
وتظهر السجلات المستمدة من الفحوصات الروتينية في إنجلترا تفاوتاً واضحاً بين هذه الأنواع. فمن بين أكثر من 116 ألف عينة بكتيرية جُمعت بين عامي 2004 و2015، كانت نحو 2% فقط من عينات "إنتيريتيديس" مأخوذة من الدم، مقابل 35% من عينات "سالمونيلا دبلن". ورغم أن أنماط الفحص تؤثر في هذه الأرقام، فإن هذا الفارق يشير إلى أن بعض الأنواع تتمكن من الانتشار خارج الأمعاء بسهولة أكبر بكثير من غيرها.
كما يمكن للسلالات المنتمية إلى النوع نفسه أن تتصرف بصورة مختلفة. فقد حددت تجارب مخبرية أُجريت على سلالتين من نوع "إنتيريتيديس"، باستخدام خلايا مناعية مأخوذة من الفئران، جينات تساعد البكتيريا على البقاء والتكاثر داخل الخلايا البلعمية. وتساعد هذه التجارب في تحديد آليات تستحق مزيداً من الدراسة، لكنها لا تستطيع التنبؤ بدرجة شدة المرض الذي قد يصاب به مريض بعينه.
ويلعب العمر والحالة الصحية أيضاً دوراً في تحديد مسار العدوى. ففي الدراسة الإنجليزية، ظهرت السالمونيلا في الدم لدى 6.5% من عينات البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً، مقابل 1.9% لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً. كما ارتفعت المخاطر لدى المواليد الجدد، إذ يمكن لضعف الجهاز المناعي وبعض الحالات الصحية المزمنة أن تجعل السيطرة على العدوى أكثر صعوبة.
وتؤثر كذلك كمية البكتيريا التي يبتلعها الشخص في احتمالية إصابته بالمرض. وتشير النماذج المستندة إلى حالات التفشي الوبائي إلى أن زيادة مستوى التلوث ترفع المخاطر، رغم أن الباحثين لا يعرفون بشكل كامل مدى تأثير كمية البكتيريا المبتلعة في احتمال وصول العدوى إلى مجرى الدم.
ورغم أهمية نسبة دخول المصابين إلى المستشفيات في التفشي الحالي، فإنها لا تثبت أن السلالة الحالية تتمتع بقدرة استثنائية على التسبب في مرض شديد. فنسبة 38% تنطبق فقط على المرضى الذين توافرت معلومات بشأنهم. كما أن الإحصاءات الرسمية لا تشمل العديد من الأشخاص الذين يتعافون قبل الخضوع للفحص، الأمر الذي قد يؤدي إلى رفع نسبة الحالات الأكثر شدة في البيانات المتاحة. ولذلك دعا العلماء الذين علقوا على التفشي إلى توخي الحذر عند تفسير هذه النسبة.
واستخدمت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة تقنية تسلسل الجينوم الكامل، التي تقوم على قراءة الشفرة الوراثية للبكتيريا ومقارنتها، سواء بشكل كامل أو في معظمها. وأظهرت النتائج أن البكتيريا المستخلصة من المرضى متقاربة للغاية من الناحية الوراثية، ومرتبطة بتفشٍ وقع عام 2025 وكان مرتبطاً ببيض مستورد. وتساعد هذه التقنية في ربط الحالات ببعضها وتمكين المحققين من تتبع مصدر العدوى، لكن التشابه الجيني وحده لا يكفي لتحديد مدى قدرة سلالة معينة على التسبب في مرض شديد.
وتوصي وكالة معايير الغذاء النساء الحوامل والرضع والأطفال الصغار وكبار السن بتجنب تناول بيض
الدجاج النيئ أو غير المطهو جيداً، الذي يحتوي على صفار سائل، إلا إذا كان يحمل علامة "الأسد البريطاني" أو كان صادراً ضمن برنامج "Laid in Britain"، إذ تفرض هذه البرامج إجراءات للسلامة تشمل تطعيم الدجاج وإجراء فحوصات إضافية.
كما ينبغي لأي شخص يستمر في التقيؤ ولا يستطيع الاحتفاظ بالسوائل في جسمه، أو يعاني من إسهال دموي، أو تظهر عليه علامات الجفاف رغم استخدام أكياس تعويض السوائل، الاتصال بخدمة "NHS 111" التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، للحصول على النصائح المتعلقة بالحالات التي تستدعي طلب المساعدة العاجلة.