تتحرك جماعة أنصار الله
الحوثي، في
اليمن، لتعزيز نفوذها في مناطق الساحل الغربي للبلاد المطلة على مضيق
باب المندب، بحسب معلومات حصلت عليها وكالة "فرانس برس"، في تحركات من شأنها أن تنذر بتصعيد التوترات في المنطقة وزيادة الاضطراب في طرق التجارة الدولية.
وقال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن معلومات حكومته "المؤكدة" تشير إلى أن الحوثيين يعملون "بتوجيه ودعم من
الحرس الثوري الإيراني" على تهيئة الظروف للسيطرة على مضيق باب المندب، من خلال التمدد على الساحل الغربي ومحاولة وضع اليد على جزر يمنية استراتيجية في البحر الأحمر.
وربط الإرياني، في حديثه للوكالة الفرنسية، هذه التحركات بما وصفه بتحشيدات عسكرية واستهداف متكرر للموانئ والأرصفة والمنشآت المدنية والسفن والقدرات البحرية الحكومية.
وفي السياق ذاته، أفادت ثلاثة مصادر عسكرية حوثية لـ"فرانس برس" بأن الجماعة تستعد لتنفيذ عملية عسكرية واسعة للسيطرة على مناطق خاضعة للقوات الحكومية في الساحل الغربي، تمتد من الخوخة مروراً بالمخا وصولا إلى باب المندب، وجميعها تقع جنوب مدينة الحديدة.
ومن جهته، قال اللواء صادق دويد، المتحدث باسم «قوات المقاومة الوطنية»، وهي قوات حكومية منتشرة في الساحل الغربي، إن الحوثيين "يعملون جاهدين" لإيجاد موطئ قدم لهم في باب المندب، معتبراً أن الهجمات المتجددة تهدف إلى الوصول إلى ضفاف المضيق وتحويل المشهد هناك إلى وضع شبيه بما يجري في مضيق هرمز.
نفوذ حوثي على البحر الأحمر ومخاوف بشأن المضيق
ورغم هذه التحركات، لا تسيطر الجماعة حالياً على المناطق المطلة مباشرة على باب المندب، لكنها تفرض نفوذها على مدينة الحديدة ومناطق أخرى على ساحل البحر الأحمر.
كما استخدمت الأراضي الخاضعة لها في شمال اليمن خلال السنوات الماضية منطلقاً لشن هجمات استهدفت حركة الشحن.
ومن شأن أي تقدم حوثي باتجاه المضيق أن يرفع مستوى المخاطر المحيطة بهذا الشريان البحري، الذي تحول منذ عام 2023 إلى ساحة لهجمات وتهديدات متكررة طالت سفنا عدة بالتزامن مع الحرب في غزة، وأدت إلى اضطراب حركة التجارة عبر البحر الأحمر.
باب المندب.. ممر حيوي في بلد منقسم
يقع مضيق باب المندب بين اليمن في آسيا وجيبوتي في إفريقيا، ويربط خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر، الذي يقود شمالاً إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وتنبع أهمية المضيق من كونه جزءا رئيسيا من الطريق الذي تسلكه شحنات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، فيما تشكل قناة السويس وخط أنابيب "سوميد" المصري الطرف الشمالي لهذا المسار.
غير أن الطرف الجنوبي من هذا الممر يحاذي بلدا يعيش نزاعا وانقساما سياسيا وعسكريا منذ أكثر من عقد، إذ يسيطر الحوثيون على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، بينما تنتشر الحكومة المعترف بها دوليا في مناطق أخرى.
ويجعل هذا التشظي السيطرة على المناطق المحاذية للمضيق عاملا بالغ الأهمية في معادلة أمن البحر الأحمر، خصوصا مع تصاعد المخاوف من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق، هي الأخطر منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
وكانت تلك الهدنة قد خفضت بدرجة كبيرة وتيرة القتال بعد سنوات من الحرب التي أعقبت سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم التدخل العسكري بقيادة السعودية في العام التالي. ورغم انتهاء الاتفاق رسمياً في أكتوبر/تشرين الأول 2022، بقيت المواجهات الواسعة محدودة نسبياً لسنوات.
تجدد الضغوط والتصعيد مع السعودية
وعاد الملف اليمني إلى واجهة التوترات الإقليمية الشهر الماضي، مع تجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية بالتزامن مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدأ التصعيد بعدما اتهمت الجماعة الرياض باستهداف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه، قبل أن تعلن في 20 تموز/ يوليو ما وصفته بأنه "حصار بحري" على السعودية، وتهدد السفن التي تتعامل مع موانئ المملكة.
وأعقب ذلك استئناف الهجمات على ناقلات ومنشآت نفطية سعودية، في تطور أنهى عمليا حالة التهدئة التي سادت منذ عام 2022. وفي المقابل، تنفي الرياض اتهامات الحوثيين لها بفرض حصار على اليمن.
اضطرابات هرمز تعزز أهمية البحر الأحمر
وتكتسب التطورات في باب المندب بعداً اقتصادياً إضافياً في ظل ما يجري على بعد مئات الأميال شرقا، فمع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز بسبب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، باتت السعودية تعتمد بصورة أكبر على البنية التحتية المخصصة لتصدير النفط عبر البحر الأحمر.
وبذلك، يكتسب البحر الأحمر أهمية مزدوجة، فهو من جهة طريق بديل لتجاوز اضطرابات هرمز، لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى نقطة ضغط ثانية على طرق الطاقة والتجارة إذا اتسعت رقعة المواجهة وتمكن الحوثيون من تعزيز حضورهم على الساحل المطل مباشرة على باب المندب.