ترامب - نتنياهو: طلاق أم خلاف عابر؟

نتنياهو حث ترامب على توسيع نطاق الهجمات ضد إيران - جيتي
تتجه العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو إلى مزيد من التوتر، مع اقتراب الانتخابات في أمريكا وإسرائيل، وتعارض حسابات الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن الحرب في غزة وإيران وخطوات المرحلة المقبلة.

ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالا للصحفيين كات زاكرزفسكي وليور سوروكا وكارين دي يونغ قالوا فيه إنه مع تبقي أقل من ثلاثة أشهر على انتخابات حاسمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسيهما مدفوعين في اتجاهين متعاكسين تمليهما ضرورات السياسة الداخلية لكل منهما.

فقد وجه نتنياهو، يوم الأحد، انتقادا علنيا وصريحا بشكل غير معتاد للبيت الأبيض، رافضا خطة حظيت بموافقة أمريكية لتنفيذ المرحلة التالية من مقترح ترامب للسلام في غزة.

وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق أن كلا من حركة حماس وإسرائيل قد وافقتا على الخطة، وهي عملية متبادلة وتدريجية تتضمن تخلي الحركة المسلحة عن أسلحتها تدريجيا مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من المناطق التي تحتلها في غزة، والتي تشكل أكثر من 60 بالمئة من مساحة القطاع.

وخلال حديثه في اجتماع حكومي يوم الأحد، قدم نتنياهو نفسه كزعيم قادر على قول "لا" للرئيس الأمريكي؛ إذ صرح بأن العملية غير مقبولة، وأنه لن يكون هناك أي انسحاب إسرائيلي ما لم يتم أولا تسليم كافة أسلحة حماس وتفكيك جميع الأنفاق.

وقال نتنياهو: "نحن قادرون ونعرف كيف نتمسك بموقفنا، حتى في مواجهة أقرب أصدقائنا عند الضرورة".

وفي المقابل، يواجه ترامب -الذي كان قد أشاد بإطار العمل الخاص بنزع السلاح باعتباره اختراقا "تاريخيا"- ضغوطا سياسية متزايدة لإظهار إنجازات ملموسة، وذلك في ظل تزايد الاستياء العام من أسلوب إدارته للشؤون الدولية، بما في ذلك الحرب مع إيران التي تحظى بمعارضة متزايدة.

وقال مايكل ميلشتاين، وهو محلل بارز في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب: "يحتاج ترامب إلى إظهار إنجازات قبل انتخابات التجديد النصفي، لا سيما في ظل غياب أي تقدم في الملفين الإيراني والأوكراني".

وقد عكس هذا الخلاف مظهرا علنيا غير معتاد للتوترات التي ظلت تتفاقم منذ فترة طويلة بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة، ومؤخرا، بشأن الحرب مع إيران.

قال آرون ديفيد ميلر -الذي عمل مفاوضا بشأن قضايا الشرق الأوسط في عهد عدة إدارات ديمقراطية وجمهورية، ويعمل حاليا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي- إنه لم يرَ من قبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تمر بـ "ضغط أكبر" مما هي عليه الآن، في ظل سعي كل من الطرفين لاستمالة قواعدهما الانتخابية المحلية.

لكنه أشار إلى أن ترامب ونتنياهو "سياسيان بارعان للغاية في فن الخداع والمناورة، ولا يزال كل منهما بحاجة إلى الآخر؛ وإن كانت حاجة 'بيبي' (نتنياهو) لترامب أكبر بلا شك".

ووصف ميلر وخبراء آخرون يتمتعون بخبرة واسعة في المنطقة الوضع الراهن بأنه لا يزال في مرحلة ما أسماه السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، توم نايدز، بـ "الفن الاستعراضي"، وهي مرحلة لم تؤثر بعد على الأسس الجوهرية للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، غير أنهم أوضحوا إلى أن هذا الوضع قد يتغير.

وقال برايان كاتوليس -الذي شغل مناصب حكومية عدة في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية ويعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط- إن الزعيمين "شخصيتان متلونتان (كالحرباء) وتتوقان للسلطة وترغبان في البقاء في الحكم، ولذا أعتقد أنهما سيكيفان مواقفهما وفقا للظروف".

ولم يصدر عن البيت الأبيض رد علني على تصريحات نتنياهو التي أدلى بها يوم الأحد. وفي المقابل، صرح مسؤول أمريكي -اشترط عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية المسألة- بأن ترامب "يتمتع بعلاقة قوية" مع نتنياهو، وأن إسرائيل "لطالما كانت حليفا عظيما للولايات المتحدة".

وقال المسؤول -في إشارة إلى الهيئة الدولية التي شكلها ترامب-: "إن خارطة الطريق تتعلق بالعلاقة بين 'مجلس السلام' وحركة حماس، بينما تتواصل المناقشات مع إسرائيل"، وأضاف: "لا يُطلب من إسرائيل الاعتماد على الثقة أو اتخاذ خطوات لا رجعة فيها قبل اتخاذ تدابير ملموسة ومُتحقَّق منها على أرض الواقع. ويظل الهدف هو التفكيك الكامل للأسلحة وضمان ألا تشكل غزة مجددا ذلك النوع من التهديد الذي واجهته إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر"، وهو اليوم الذي قُتل فيه 1200 شخص واحتُجز نحو 250 آخرين كرهائن في هجوم شنته حماس.

ومع ذلك، بدأت تظهر بوادر توتر في العلاقة بين الجانبين، لا سيما فيما يتعلق بملفي غزة والحرب مع إيران.

ففي مكالمة هاتفية جرت في الأول من حزيران/ يونيو وتخللتها ألفاظ نابية -وهي المكالمة التي كشف عنها موقع "أكسيوس" وأكدها ترامب لاحقا- وصف الرئيسُ الأمريكي رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بأنه "مجنون"، وانتقد الضربات العسكرية التي شنتها إسرائيل في لبنان، معتبرا أنها تشكل تهديدا للمفاوضات الجارية مع طهران. قال ترامب متحدثا عن نتنياهو في مكالمة لاحقة مع هيئة الإذاعة البريطانية(BBC): "إذا طلبتُ منه القيام بشيء ما، فإنه يفعله".

وقد حث نتنياهو ترامب على توسيع نطاق الهجمات ضد إيران، إلا أن ميلر أشار إلى أن "ترامب أخبره بأنها لم تعد حربك". وأضاف: "أعتقد أن ترامب قد تبنى الآن استراتيجية اقتصادية، من شأنها -إذا استمرت ستة أو ثمانية أشهر- أن تؤدي ربما إلى انهيار الاقتصاد الإيراني".

مع تراجع معدلات التأييد الداخلي لترامب وتزايد خيبة أمل الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، باتت الحكومات العربية الحليفة أكثر تشكيكا في براعته في مجال السياسة الخارجية.

وقال ميلر: "لقد أوقعته هذه الحرب الاختيارية مع إيران في علاقة مع دول الخليج الفارسي لا أعتقد أنها تولد قدرا كبيرا من الثقة في قدرة ترامب على وضع الاستراتيجيات... لقد فتح هذا الصندوق دون أن يملك أي وسيلة لإغلاقه".

وقال كاتوليس: "في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تسود قناعة بأن ترامب عاجز فعليا عن إنجاز المهام... ويعود ذلك جزئيا إلى السمة التي يفتخر بها، وهي عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته... إذ تتضاءل قدرته على تحقيق النتائج".

وإذا تراجع الاهتمام الإعلامي بإيران، فمن المرجح أن تزداد حدة الضغوط السياسية على ترامب - وضغوطه هو على إسرائيل - للانتقال إلى المرحلة التالية من خطة السلام الخاصة بقطاع غزة.

وقال برنت بوكانان، رئيس ومؤسس شركة(Cygnal)، الجمهورية لاستطلاعات الرأي، إن العديد من ناخبي ترامب يرغبون في رؤيته يطبق أجندة "أمريكا أولا" على الصعيد الخارجي، ويشعرون بالاستياء لأنه أشعل صراعا مع إيران بعد أن خاض حملته الانتخابية بوعود تهدف إلى إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحروب الخارجية.

وأضاف بوكانان: "لا يكاد يوجد أحد في أمريكا يريد منا توجيه جهودنا نحو قضايا خارجية في الوقت الراهن"، مشيرا إلى أن الناخبين يركزون اهتمامهم بشكل أكبر بكثير على تكاليف المعيشة والاقتصاد.

وفي غضون ذلك، يواجه نتنياهو ضغوطا شديدة من أعضاء اليمين المتطرف في ائتلافه الحكومي. فمباشرة بعد إشادة ترامب بالخطة الجديدة لغزة، هاجمها عدد من الوزراء البارزين في حكومة نتنياهو. وفي رسالة وجهها إلى رئيس الوزراء، وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الخطة بأنها "خطيرة على إسرائيل"، مؤكدا أن نزع سلاح حركة حماس بالكامل يجب أن يسبق أي انسحاب إسرائيلي من القطاع.

وقالت غايل تالشير، أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية: "الشخص الذي يحدد سياسة نتنياهو فعليا هو سموتريتش والمشرعون من المستوطنين المنتمين لليمين المتطرف". وأضافت: "نتنياهو ممزق بين الوعود التي قطعها لترامب وبين سياسة اليمين المتطرف، الذي يرفض التراجع حتى إلى 'الخط الأصفر'"، وهو الخط الفاصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية في غزة والأراضي التي تسيطر عليها حماس.

يُذكر أن خطة ترامب للسلام كانت تسمح في الأصل لإسرائيل بالسيطرة على ما يقرب من 53 بالمئة من مساحة قطاع غزة. لقد وسّع الإسرائيليون ذلك النطاق ليشمل أكثر من 60 بالمئة، وصرح نتنياهو مؤخرا بأنه وجه الجيش لنقل خطوطه لتشمل 70بالمئة من قطاع غزة.

ومع ذلك، تلوح في الأفق مؤشرات ميدانية على أن أجزاء من الخطة بدأت تتشكل؛ فوفقا لوسائل إعلام إسرائيلية، سيتعين على الجيش الإسرائيلي الآن الحصول على موافقة رئيس الأركان قبل تنفيذ أي عملية اغتيال محددة الهدف ضد مسلح لا يشكل تهديدا فوريا.

وفي مقابلة أجراها يوم الأحد مع القناة 12 الإسرائيلية، قال نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البارز المشرف على ملف وقف إطلاق النار في غزة: "لا أحد ملزم بفعل أي شيء - وإسرائيل هي آخر من يُطلب منه ذلك - قبل أن نرى خطوات فعلية ومتحققة على أرض الواقع".

وأضاف أن هذه العملية "يمكن إيقافها في أي مرحلة من مراحلها".
ويُقدّر ميلشتاين -وهو أيضا مستشار سابق للجيش الإسرائيلي للشؤون الفلسطينية- أن الانسحاب والعودة إلى "الخط الأصفر" الأصلي وبدء إعادة إعمار غزة قد يحدث دون الحاجة إلى نزع سلاح حركة حماس بالكامل.

وقال: "ثمة نفاد صبر متزايد لدى ترامب إزاء ما حدث خلال العام الماضي... حيث تكتفي إسرائيل بالتمسك بالخط الأصفر ومواصلة الضربات دون إحراز تقدم" نحو المرحلة التالية من اتفاق السلام. وتابع قائلا: "سيحاول نتنياهو إقناع ترامب بتأجيل مناقشة الانسحاب إلى ما بعد الانتخابات، والسؤال الجوهري هنا هو: هل سيوافق ترامب على ذلك؟"

ينظر العديد من الإسرائيليين إلى انتخابات أكتوبر -وهي الأولى منذ هجوم حماس عام 2023- باعتبارها لحظة مفصلية؛ فإذا جاءت نتائج الانتخابات مطابقة لاستطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن شعبية نتنياهو، فلن يتمكن من تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل. ولا يزال الكثير من الناخبين يشعرون بالغضب لأن نتنياهو تجنب تحمل المسؤولية الشخصية الكاملة عن هجوم حماس، وسعى للنأي بنفسه عن الفشل العسكري في منع ذلك الهجوم.

وتشكل الشخصيات المنافسة له -بمن فيهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت- تهديدا لقبضته على السلطة؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي أن أحزاب المعارضة تمتلك فرصة أقوى لتشكيل ائتلاف يحصد المقاعد الـ61 اللازمة للسيطرة على الكنيست المكون من 120 مقعدا.

غير أن نتنياهو -الذي يُعد رئيس الوزراء الأطول بقاء في منصبه في تاريخ إسرائيل- يمتلك قدرة فائقة على البقاء السياسي. وتنطوي المسألة أيضا على أبعاد شخصية للغاية بالنظر إلى مشاكله القانونية المستمرة؛ إذ يواجه تهما بالاحتيال وخيانة الأمانة والرشوة في ثلاث قضايا عُرضت على المحكمة منذ أكثر من ست سنوات.