لماذا ينبغي على النساء ممارسة تمارين القوة في جميع مراحل الحياة؟

توصي الكاتبة بممارسة تمارين القوة مرتين أسبوعيا على الأقل- CC0
نشر موقع "كونفرزيشن" تقريرا للمحاضرة في فسيولوجيا الإنسان التطبيقية في جامعة ليدز، هانا كامبل، قالت فيه إن النساء غير النشطات قد يفقدن ما يصل إلى 10 بالمئة من كتلتهن العضلية كل عقد من الزمن بعد بلوغهن سن الثلاثين.

وأوضحت أن هذه المسألة بالغة الأهمية، لأن العضلات لا تقتصر أهميتها على القوة أو المظهر الخارجي، بل تؤدي دورا أساسيا في دعم صحة العظام والدماغ والهرمونات والتمثيل الغذائي والصحة النفسية، فضلًا عن تعزيز الثقة بالنفس والاستقلالية والرفاهية على المدى الطويل.

ولفتت إلى أن حياة النساء وأجسادهن تشهد تغيرات مستمرة، بدءًا من مرحلة الشباب المبكر، مرورًا بالحمل ومنتصف العمر وسن اليأس (انقطاع الطمث)، وصولًا إلى الشيخوخة، مؤكدة أن بناء العضلات والحفاظ عليها يحقق فوائد تتجاوز بكثير الجانب الشكلي.

وفي ظل هذه التحولات المتواصلة، يمكن لتمارين القوة أن تساعد النساء على الشعور بالقدرة والكفاءة، إلى جانب الحفاظ على صحتهن في مختلف مراحل الحياة.

مرحلة الشباب المبكر: بناء أسس متينة

تمثل مرحلة الشباب المبكر فترة محورية لتكوين عادات حركية صحية ترافق المرأة طوال حياتها، إذ إن كتلة العظام، وقوة العضلات، والثقة في الحركة، وعادات ممارسة الرياضة التي تُكتسب خلال هذه السنوات، يمكن أن تؤثر في الصحة والاستقلالية بعد عقود.

كما تسهم ممارسة الرياضة بصورة عامة، وتمارين القوة بصورة خاصة، في بناء علاقة إيجابية مع الجسم. فعندما يحصل الجسم على التغذية المناسبة ويحظى بفترات كافية للتعافي، يمكن للتدريب أن يدعم الوظائف الفسيولوجية الصحية، ويعزز الوعي بالجسد.

ويجعل ذلك المرأة أكثر قدرة على ملاحظة أي مشكلات صحية قد تواجهها، سواء في الوقت الحاضر أو مستقبلًا، أو طلب المساعدة بشأنها. فعلى سبيل المثال، قد يساعد هذا الوعي النساء على الانتباه بصورة أفضل إلى الدورات الشهرية غير المنتظمة أو الغائبة أو المؤلمة، وهي حالات غالبًا ما يُنظر إليها على أنها طبيعية أو معتادة، رغم أنها قد تكون أحيانًا مؤشرًا على مشكلة تستدعي الاهتمام.

إلى جانب ذلك، قد تسهم تمارين القوة في دعم صحة الدورة الشهرية والرفاهية العامة.

ورغم أن ممارسة الرياضة وحدها لا تعالج مشكلات الدورة الشهرية، فإنها قد تساعد في تخفيف التقلصات عبر تحفيز المواد الكيميائية الطبيعية المسكنة للألم في الجسم، وتقليل التوتر، وربما الحد من الالتهابات.


ويمكن أيضا تعديل تمارين القوة بسهولة في الأيام التي تجعل فيها التقلصات أو التعب أو النزيف الغزير ممارسة الرياضة أكثر صعوبة، وذلك باستخدام أوزان أخف، أو أداء عدد أقل من التمارين، أو منح الجسم فترات راحة أطول.

الخصوبة والحمل وما بعد الولادة والأمومة: القوة لمواجهة التغيرات

يفرض الحمل والولادة والأمومة متطلبات كبيرة على جسم المرأة، لذلك لا تهدف تمارين القوة خلال هذه المرحلة إلى الضغط على الجسم أو السعي السريع إلى "استعادة القوام السابق"، وإنما إلى دعمه في مواجهة التغيرات التي يمر بها.

وخلال فترة الحمل، يمكن لتمارين القوة أن تسهم في دعم صحة الحوض، وتحسين وضعية الجسم، وتعزيز الثبات والحركة اليومية. كما قد تساعد النساء على الاستعداد للمتطلبات البدنية المرتبطة بالحمل والمخاض والولادة، فضلاً عن تقليل خطر التعرض لمضاعفات مثل سكري الحمل واضطرابات ارتفاع ضغط الدم.

أما بعد الولادة، فمن الأفضل أن تكون تمارين القوة تدريجية ومرنة، مع التركيز على استعادة التواصل مع الجسم والتحكم فيه وبناء الثقة بالنفس. فالإرضاع، ورفع الطفل، وحمله، ودفع عربات الأطفال، والتعامل مع تقطع النوم، كلها أنشطة تتطلب قدرًا من القوة والتحمل، ولذلك يمكن لتمارين القوة أن تساعد النساء على استعادة القدرات اللازمة لممارسة أنشطتهن اليومية.

منتصف العمر وانقطاع الطمث: إعادة تعريف مفهوم الشيخوخة

تشهد المرحلة الانتقالية لانقطاع الطمث (ما قبل انقطاع الطمث) وما بعدها تغيرات هرمونية قد تؤثر في الكتلة العضلية، وصحة العظام والمفاصل، وتكوين الجسم، والنوم، والمزاج، ومستويات الطاقة، إضافة إلى طريقة استجابة الجسم للتمارين الرياضية.

وتزداد أهمية تمارين القوة خلال هذه المرحلة، لأنها تستهدف العديد من أجهزة الجسم التي تتأثر بانقطاع الطمث، إذ تسهم في تشغيل العضلات وبنائها، بما يساعد على تنظيم مستويات السكر في الدم، ودعم الصحة النفسية ووظائف الدماغ، وحماية المفاصل، فضلاً عن مساعدة النساء على اجتياز التحول الهرموني الكبير المصاحب لهذه المرحلة والتعامل مع أعراضه.

وتكون النساء بعد انقطاع الطمث أكثر عرضة لفقدان كثافة العظام، وهو ما قد يزيد من احتمالية الإصابة بهشاشة العظام والكسور. ومن هنا، تؤدي تمارين القوة دورًا مهمًا في دعم كثافة العظام، إلى جانب بناء القوة والتوازن اللازمين للحد من حوادث السقوط.

وفوق ذلك كله، تمثل تمارين القوة استثمارًا في الاستقلالية والاعتماد على الذات خلال السنوات المقبلة.

مرحلة الشيخوخة: القوة من أجل الاستقلالية وجودة الحياة


تزداد أهمية تمارين القوة بعد سن السبعين، لما لها من دور في الحفاظ على الاستقلالية والثقة بالنفس وجودة الحياة، ففي المراحل المتقدمة من العمر، تتراجع القوة العضلية والتوازن والتنسيق الحركي وسرعة رد الفعل بصورة ملحوظة، الأمر الذي يزيد من خطر السقوط والوهن وفقدان الاستقلالية.

وتسهم تمارين القوة في تعزيز المخزون البدني ودعم القدرة على الصمود، كما تساعد النساء على الحفاظ على استقلاليتهن لفترة أطول. ويجعل ذلك من الأسهل على النساء الأكبر سنًا مواصلة أداء المهام اليومية، مثل حمل المشتريات، والاعتناء بالحديقة، والحفاظ على دفء الجسم خلال فصل الشتاء.

تدريب من أجل الحياة

في المقابل، تقدم تمارين القوة منظورًا مختلفًا تجاه ممارسة الرياضة والحركة وصورة الجسد، إذ يمكن أن تساعد النساء على الشعور بمزيد من القدرة والقوة والارتباط بأجسادهن.

ورغم ذلك، قد تشعر كثير من النساء بالرهبة من ممارسة تمارين القوة، خاصة إذا لم يسبق لهن ممارستها، أو إذا انقطعن عن ممارسة الرياضة لفترة، أو كنّ يواجهن مشكلات صحية أو إصابات أو إرهاقًا أو مسؤوليات رعاية.


ولا تعني تمارين القوة بالضرورة رفع أوزان ضخمة داخل صالة الألعاب الرياضية أو استخدام أجهزة تبدو معقدة، بل إنها في أبسط صورها تعتمد على دفع العضلات إلى العمل في مواجهة نوع من المقاومة، بحيث تتكيف وتزداد قوة مع مرور الوقت. وقد تكون هذه المقاومة باستخدام الدمبلز (الأثقال اليدوية)، أو أحزمة المقاومة، أو الأدوات المنزلية مثل علب البقوليات أو زجاجات المياه، أو حتى باستخدام وزن الجسم نفسه.

وتكتسب هذه النصيحة أهمية خاصة عند البدء لأول مرة، إذ من المهم قبل رفع أوزان كبيرة تعلم كيفية تحرك الجسم، والشعور بالعضلات أثناء عملها، وإتقان الحركة بتحكم عند مواجهة المقاومة.

كما يُنصح بالبدء بالمستوى المناسب، واختيار حركات يمكن تنفيذها بسهولة، والالتزام بممارسة التمارين بانتظام، مع تطوير الأداء تدريجيًا. فالقوة ليست شرطًا للبدء، وإنما هي نتيجة تتحقق مع الاستمرار في الممارسة.

وبالنسبة لمعظم النساء، وبغض النظر عن العمر، فإن ممارسة تمارين القوة مرتين أسبوعيًا على الأقل تعد كافية. كذلك، لا يشترط إكمال حصة تدريبية كاملة دفعة واحدة لبناء القوة، إذ يمكن أن تشكل "الجرعات الحركية" القصيرة، التي تتضمن تمرينًا واحدًا إلى ثلاثة تمارين فقط موزعة على مدار اليوم، وسيلة فعالة لتحسين اللياقة البدنية.

ومع ذلك، ينبغي الحرص في كل مرة على الإحماء بصورة صحيحة واستخدام الأسلوب السليم أثناء أداء التمارين.

وفي الختام، فإن أفضل برنامج لتمارين القوة ليس الأكثر تعقيدًا، بل ذلك الذي يتناسب مع نمط الحياة ويمكن الالتزام به على المدى الطويل، والأهم هو البدء بمستوى ملائم، ثم زيادة الجهد الواقع على العضلات تدريجيًا مع مرور الوقت.