شهدت العاصمة الليبية
طرابلس أمس واليوم احتجاجات ومظاهرات شعبية حاشدة لازالت آثارها حتى الآن، وذلك بسبب
تردي الظروف المعيشية وأزمة انقطاع الكهرباء التي تصل إلى 19 ساعة في كثير من الأيام
والمناطق.
وسرعان ما توسعت رقعة
الاحتجاجات وانضم لها آلاف المواطنين بعد اندلاع شرارتها الأولى، ورفعت لافتات تطالب
بحل أزمة الكهرباء وتحسين أوضاع المعيشة للمواطن الليبي، ورغم بدايتها السلمية إلا
أن الاحتجاجات انتقلت سريعا إلى حالة غضب وتصعيد وغلق طرق وغرق مقرات وزارات بحكومة
الدبيبة.
من الخدمي إلى السياسي
وقام المحتجون بغلق
أغلب الطرق الرئيسية في العاصمة ما تسبب في شلل مروري، وفي منطقة جنزور بالعاصمة أُغلق
الطريق الساحلي في أكثر من نقطة، بينها المنطقة القريبة من محطة كهرباء غرب طرابلس،
كما أقام المحتجون سواتر ترابية على الطريق، وامتدت التحركات إلى طريق الشط، حيث توقفت
حركة المرور بالكامل بعد إغلاق الطريق من قبل متظاهرين، وأُضرمت النيران وشهد محيط
جزيرة المدار احتجاجات وإغلاق للطرق بالإطارات المشتعلة.
وسرعان ما تحولت المطالب
الشعبية من
مطالب خدمية تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية إلى مطالب سياسية طالبت بإسقاط
حكومة الوحدة الليبية ورئيسها، عبدالحميد الدبيبة ومعها كل الأجسام الراهنة، دون إعلان
تأيييد جسم أو شخص بعينه.
ومع رفع لافتات بهذه
المطالب السياسية.. دخلت عدة حراكات مناوئة للحكومة على خط الاحتجاجات مثل حراك سوق
الجمعة، الذي نظم عشرات المظاهرات ضد الحكومة، وكذلك حراك الزاوية وحراك مصراتة ضد
الظلم وحراك أبناء تاجوراء وحراك عين زارة، واتفقت جميعها على الدخول في عصيان مدني
حتى تسقط حكومة الدبيبة.
وبدأ حراك أبناء سوق
الجمعة، الحراك الأكبر في العاصمة، التجمع في طريق الشط استعدادًا لإغلاق 11 مؤسسة
ومرفقًا، بينها 5 وزارات، وشركتا الاتصالات، إلى جانب مقري مصرف
ليبيا المركزي والمجلس
الرئاسي، محذرين أي قوة أمنية أو جهة بفك الإغلاق أو رفع السواتر الترابية، وفق ما
أعلنته صفحة الحراك.
وأعلن الحراك منذ ساعة
فقط بأنه "سيتم استكمال إغلاق باقي مؤسسات الدولة "الفاشلة" في طرابلس
التي لم تُغلق ليلة أمس والرسالة اليوم أوضح من أي وقت مضى، مضيفا خلال صفحته الرسمية:
العصيان المدني مستمر والعزيمة لا تلين ولن نتراجع عن موقفنا، ونحن أصحاب حق ومطالبنا
واضحة وموقفنا ثابت حتى إسقاط حكومة الفساد والتطبيع"، حسب بيانهم الأخير.
"قتلى ومطالب أمنية"
وسرت أنباء عن قيام
قوات من وزارة الداخلية بقتل 4 متظاهرين في منطقة جنزور إثر إطلاق نار عليهم، وهم:
محمد القيلوشي، وسنان السويح، ومروان السائح، وأكرم بن رابح.
ومع توسع رقعة الاحتجاجات
وغلق عدة وزارات على رأسها وزارة الخارجية، حذرت قوة حماية وتأمين ديوان رئاسة الوزراء
من أن كل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن أو استهداف مؤسسات الدولة سيواجه بكل حزم
وفق القانون، داعية المواطنين إلى التحلي بالحكمة وعدم الانجرار وراء ما وصفته بـ"الدعوات
الهادفة إلى إثارة الفوضى"، مشددة على أن حرية التعبير حق يكفله القانون لكنه
لا يشمل الاعتداء على مؤسسات الدولة أو تهديد الأمن العام"، وفق بيان رسمي.
"لقاءات عسكرية وصمت حكومي"
ووسط موجة الاحتجاجات،
عقد رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي عدة لقاءات أمنية وعسكرية ومخابراتية
منفصلة، حيث التقى برئيس جهاز المخابرات الليبية المكلف من الرئاسي، عبدالمجيد مليقطة
لبحث تطورات المشهد الأمني والجهود المبذولة لتعزيز الأمن الوطني وحماية استقرار الدولة،
كما التقى بوكيل وزارة الدفاع بـحكومة الدبيب، عبدالسلام الزوبي، لبحث تطورات الأوضاع
العسكرية في البلاد، وختم سلسلة اللقاءات المنفصلة
مع رئيس جهاز دعم الاستقرار، حسن أبوزريبة، وذلك لبحث مستجدات الأوضاع الأمنية في ليبيا،
وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية.
والتزمت حكومة الوحدة
الليبية ورئيسها الدبيبة ووزارة الداخلية بها الصمت حتى كتابة التقرير، ولم تعلق على
الاحتجاجات أو غلق الوزارات، لكن الدبيبة ظهر مساء اليوم في لقاء قصير مع عمداء ائتلاف
بلديات الساحل الغربي لبحث دعم العمل البلدي، دون ذكر أي كلمة حول المظاهرات التي وصلت
إلى مقر حكومته".
"ضغط مستمر دون إزاحة"
وفي محاولة لقراءة تداعيات
هذه الاحتجاجات وتحولها من الخدمي إلى السياسي وقدرتها على إزاحة الدبيبة.. تحدثت
"عربي21" إلى بعض الساسة والناشطين المراقبين لهذا الحراك، ومنهم المتحدث
السابق باسم المجلس الرئاسي الليبي، محمد السلاك.
ورأى السلاك أن المشهد في طرابلس والمنطقة
الغربية يتسم الآن بالفوضى والتفكك والانقسام، ويكاد يكون سرياليًا؛ مؤسسات شبه منهارة،
خدمات متردية، نهب ممنهج، وفساد بلغ مستويات غير مسبوقة واقتتال وتناحر شبه يومي بين
"مليشيات" شديدة الإجرام في الزواية وفي غيرها، والمواطنون يتابعون، بقدر
كبير من القهر، كيف تحولت بلادهم إلى مشهد عبثي لم يكن ليخطر ببالهم حتى في أسوأ كوابيسهم.
وهنا يبرز السؤال: ما الذي يمنعهم من الخروج؟"، حسب تساؤلاته.
وفي حديثه عن
"تسييس" الاحتجاجات الحالية، قال: "حتى إذا افترضنا أن بعض المظاهرات
ذات دوافع سياسية، فإن حكومة الدبيبة هي من منحت خصومها، بأدائها، معظم الأدوات التي
يستخدمونها اليوم للنيل منها".
وتابع: "ومسألة
نجاح هذه
التظاهرات في إسقاط الحكومة من عدمه، فقد اعتادت حكومة الدبيبة الصمود في
وجه موجات الاحتجاج الشعبي بمختلف الوسائل، ولا يُتوقع أن تعجز عن إيجاد وسائل جديدة
لاحتوائها. فهي، في نهاية المطاف، أكثر حكومة خرجت ضدها مظاهرات في تاريخ ليبيا. ومع
ذلك، فإن استمرار هذه الاحتجاجات يمثل بلا شك ضغطا إضافيا على منظومة حكم هشة، حتى
وإن لم يكن كافيا لإزاحتها"، وفق تصريحه لـ"عربي21".
"ضغوط وإضعاف وتوسع"
كما تحدثت "عربي21"
إلى الصحفي الليبي، محمد الصريط الذي رأى أن "الاحتجاجات الراهنة تعكس تصاعد الغضب
الشعبي بسبب تردي الخدمات والأوضاع المعيشية، واتساع أزمة الثقة في أداء الحكومة، وتحولت
من مطالب خدمية إلى مطالب سياسية لأن المحتجين باتوا يرون أن الأزمات الخدمية مرتبطة
بطريقة إدارة السلطة، فانتقلت المطالب من تحسين الخدمات إلى المطالبة بتغيير الحكومة".
وفي إجابته عن: هل هي
شعبية أم مُوظفة؟ قال: "يبدو أنها تجمع بين الأمرين؛ فهي تستند إلى سخط شعبي حقيقي،
مع وجود محاولات من أطراف سياسية لاستثمارها، لكن الاحتجاجات وحدها لا تكفي لإسقاط
الحكومة غالبًا، لكن استمرارها واتساعها قد يزيد الضغوط السياسية على الحكومة إذا تزامن
مع تغير في مواقف القوى السياسية والأمنية"، حسب تقديراته وحديثه.