نشرت صحيفة "ذي
أوبزيرفر" البريطانية تقريرا أعدته كلوي حاجماثيو، تناولت فيه ما قالت فيه "الحالة
ضد
أسماء الأسد، زوجة الديكتاتور السوري السابق
بشار الأسد والسيدة الأولى طوال
الحرب الأهلية التي شردت ملايين السوريين وأدت لمقتل اكثر من نصف مليون سوري،
وحولت معظم المدن السورية إلى أنقاض".
وكان سقوط النظام السريع في
كانون الأول/ ديسمبر 2024، مثيرا للسوريين في الداخل والخارج، حيث بادروا بالبحث
عن أقاربهم المختفين في سجون النظام، في وقت فر فيه الأسد وعائلته إلى روسيا وتبعه
أفراد في نظامه، واختار آخرون الفرار إلى الخليج أو الإختفاء خوفا من الاعتقال.
وفي قلب كل ما حدث السيدة
الأولى التي تحمل الجنسية البريطانية، وكانت تعمل قبل زواجها من الأسد في مؤسسات
مالية مرموقة في لندن.
وكشف تحقيقا أجرته صحيفة
"ذي أوبزرفر" أن أسماء الأسد، إلى جانب قوتها المالية في
سوريا، أصبحت
شخصية محورية في إدارة النظام وصنع القرار فيه.
وبنت الصحيفة تحقيقها على
مقابلات مع مقربين سابقين للنظام، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم. وقد كشف التحقيق أن روسيا تفكر في ترشيحها لخلافة
زوجها في قيادة سوريا. وأنها مارست نفوذا كبيرا على قطاعات رئيسية في الاقتصاد،
بما في ذلك المساعدات الدولية التي كانت الأمم المتحدة على علم باختلاسها. كما
ووقفت مكتوفة الأيدي بينما استخدمت أجهزة الاستخبارات الأطفال كورقة ضغط سياسية،
عبر دور الأيتام التي تديرها مؤسستها الخيرية. وترأست "مجلسا اقتصاديا"
مارس ضغوطا ومضايقات وهدد بالاعتقال للتأثير على قطاع الأعمال.
في حين علمت صحيفة "ذي
أوبزرفر" من مصدرين مطلعين أن شقيقي أسماء منعا من دخول المملكة المتحدة، وأن
وزير الخارجية السابق ديفيد لامي صرح بأنه غير مرحب بها في المملكة المتحدة، إلا
أن أسماء نفسها لم تتلق أي إشارة إلى سحب جنسيتها. وامتنعت كل من وزارة الداخلية
ووزارة الخارجية عن التعليق.
وعلمت صحيفة "ذي
أوبزرفر" أيضاً أن أسماء وزوجها لديهما إقامة في الإمارات العربية المتحدة،
وأنهما يسافران من وإلى دبي. ويعتقد أن آخر زيارة لها إلى هناك كانت الشهر الماضي،
حيث أقامت في فندق "والدورف أستوريا".
ولا يزال الأسد أحد أكثر
المطلوبين في العالم، ومطلوباً بموجب العديد من مذكرات التوقيف الدولية المتعلقة
بجرائم حرب مزعومة ارتُكبت خلال النزاع. وتتعلق أهم هذه المذكرات، الصادرة عن
السلطات الفرنسية، بهجمات الغوطة الكيميائية عام 2013، التي قتل فيها مئات
المدنيين بغاز السارين، ومقتل الصحافية ماري كولفين وريمي أوشليك عام 2012 خلال
قصف مدينة حمص.
وتعتبر سوريا خارج اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لأنها ليست من
الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، المعاهدة التي أنشأت المحكمة. ونتيجة لذلك،
اعتمدت جهود المساءلة بشكل كبير على المحاكم الوطنية، ولا سيما تلك التي تطبق
قوانين الولاية القضائية العالمية. ومع ذلك، وبصفتها مواطنة بريطانية، تظل أسماء
خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ويمكن توجيه الاتهام إليها. كما يمكن
إصدار مذكرة توقيف بحقها في المملكة المتحدة.
وصرح لوي مورينو أوكامبو،
المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية، قائلا: "إنها بريطانية، وهذه
فرصة سانحة، لأنها من دولة عضو موقعة على المعاهدة".
وفي عام 2021، حققت وحدة
جرائم الحرب التابعة لشرطة العاصمة في مزاعم ارتكاب أسماء جرائم من خلال دعمها
للحكومة السورية ودورها في الترويج لرواية النظام خلال النزاع. وقد جمعت شرطة
العاصمة ملفا عنها وأحالته إلى دائرة النيابة العامة. ومع ذلك، يعتقد أن العقبات
العملية التي تحول دون متابعة القضية،بالنظر إلى أنه من غير المرجح أن تعود أسماء
إلى المملكة المتحدة، قد ساهمت في قرار
النيابة العامة بعدم المضي قدما فيها.
وفي الوقت الذي سحبت فيه
الجنسية من مواطنين بريطانيين آخرين بعد مغادرتهم للقتال في حروب خارجية أو
الانضمام إلى جماعات متطرفة، كما حدث مع شميمة بيغوم، وهي مراهقة من شرق لندن
سافرت إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة.
إلا أن حالة أسماء فريدة من
نوعها. فلم يسبق لأي مواطن بريطاني آخر في العصر الحديث أن شغل منصبا محوريا كهذا
في حكومة متهمة على نطاق واسع بارتكاب فظائع جماعية. وتقول مصادر مرتبطة بعائلة
الأسد أن اولادهما وكذا والدة أسماء وشقيقها، فراس أخرس، حاليا في دبي. ويقول
أقاربهم إن الزوجين يحملان تصاريح إقامة في الدولة الخليجية، لكن قيل لهما إنه على
الرغم من الترحيب بزيارتهما، إلا أنه لا ينبغي لهما الانتقال إليها بشكل دائم في
الوقت الراهن، مع أن هذا هو هدفهما النهائي.
وتضيف الصحيفة أن منح
الإقامة الدائمة أو الجنسية لعائلة الأسد سيكون خطوة استثنائية ذات تداعيات
دبلوماسية خطيرة. فالإمارات العربية المتحدة حليف للمملكة المتحدة، ويربط البلدين
معاهدة تسليم مجرمين ثنائية سارية المفعول منذ نيسان/أبريل 2008. وقد استفسرت
صحيفة "ذيأوبزرفر" من حكومة الإمارات عن وضع إقامة عائلة الأسد، لكنها
لم تتلقَ أي رد.
ويعتقد أن أسماء، التي كانت
تعمل قبل زواجها في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية في لندن، تشغل نفسها
بمساعدة ابنها الأصغر كريم، الذي يجيد اللغة الصينية، ماندرين للغة في تنمية
مصالحه التجارية في الصين. وقال مصدر آخر إن الزوجين الرئاسيين السابقين لا يزالان
يمتلكان استثمارات في أنحاء العالم، بما في ذلك بلغاريا وروسيا والإمارات العربية
المتحدة ولبنان.
وقال توبي كادمان، المحامي
الدولي في مجال حقوق الإنسان، إن خيارات عائلة الأسد تبدو آخذة في التضاؤل:
"لا يستطيع بشار تقديم أي شيء ذي أهمية استراتيجية للإمارات في سوريا، فما
جدواهم إذن؟".ويعتقد كادمان أن هناك تحولا جاريا على الساحة الدولية، وأن
الإمارات تقترب أكثر من الغرب. "لا أعتقد أنهم سيكونون في مأمن [من التسليم
أو الملاحقة القضائية] إذا ذهبوا إلى هناك".
ومع تزايد الضغوط على المنظمات الدولية والمحلية
للدفع باتجاه توجيه الاتهام للسيدة الأولى السابقة، يواصل المحققون والصحافيون
وعائلات القتلى والمختفين البحث في أنقاض النظام، وجمع الأدلة التي يمكن استخدامها
في محاكمات مستقبلية.
وتقول الصحيفة إن إسماء بعد
زواجها من الأسد ووصولها إلى دمشق بدأت بتأسيس سلسلة من المنظمات غير الحكومية،
ظاهريا بهدف تمكين السوريين وتحسين أوضاعهم من خلال قروض المشاريع الصغيرة وبرامج
التعليم. في نهاية المطاف، أصبحت جميع مشاريعها تحت مظلة "صندوق سوريا
للتنمية". استقطبت هذه المنظمة غير الحكومية نخبة من الأشخاص المتميزين
والنشطاء من مختلف أنحاء العالم.
وتحدثت صحيفة "ذي
أوبزرفر" إلى عدد من موظفيها السابقين، الذين أكدوا أنها بدت صادقة في طموحها
لتغيير سوريا نحو الأفضل. وعندما وصل الربيع العربي إلى سوريا عام 2011، بدد رد
فعل النظام أي أمل في أن تكون دوافع الأسد تحت الضغط مختلفة عن دوافع والده. وقد
وحافظت السيدة الأولى على صمتها طوال معظم فترة الحرب. إلا أنها في عام 2016، أجرت
مقابلة مع قناة روسيا 24 التلفزيونية المدعومة من الدولة الروسية. وبدت في غاية
الأناقة والاتزان كعادتها، وادعت أنها لم تفكر قط في مغادرة سوريا - أو مغادرة
زوجها.
وقالت: "وقفت إلى
جانبه لأن قناعاتي لم تُملِ عليّ غير ذلك". وتجاهلت التصريحات حقيقة زواجٍ
متصدع، تخللته مزاعم بالخيانة الزوجية، قام والد أسماء بإصلاحه. وصرح والدها،
الدكتور فواز الأخرس، لصحيفة "ذي أوبزرفر" بأن قصص خيانة الرئيس لا أساس
لها من الصحة، وأن فكرة توسطه في المصالحة بين الزوجين محض خيال.
وقد اتضح طموح أسماء للنفوذ
عندما تولت أسماء دور المصرفي الفعلي للنظام. فعلى مدى عقدين من الزمن، كان رامي
مخلوف، ابن عم الأسد الملياردير، يعتبر فوق القانون وكان ينظر إليه على نطاق واسع
على أنه أغنى رجل في سوريا وأحد أقوى رجالها، وامتدت إمبراطوريته التجارية من
العقارات إلى البناء وتجارة النفط، وكان يُسيطر فعلياً على شبكات الهاتف المحمول
والقطاع المعفى من الرسوم الجمركية في البلاد.
لكن النظام كان بحاجة ماسة
إلى المال. فقد دمرت الحرب الاقتصاد، وكانت روسيا تضغط على حكومة الأسد لسداد ديون
مرتبطة بدعم موسكو للصراع. عندما ذهب الأسد إلى مخلوف ليطلب منه المال، بدا الأخير
متردداً في تلبية طلبه. وتعتقد مصادر أن أسماء استغلت هذه الفرصة لتسريع سقوط ابن
خاله. واتهم النظام مخلوف بالتهرب من دفع ملايين الدولارات من الضرائب. فوضع رهن
الإقامة الجبرية، وأغلقت شركاته أو استولي عليها من قبل أشخاص مرتبطين بشبكة
منظمات أسماء غير الحكومية.
ويبدو أن جزءًا كبيرًا من
سلطته قد نُقل إلى السيدة الأولى ومساعديها. وتصف وثائق العقوبات هؤلاء الرجال
بأنهم أعضاء في "مجلس اقتصادي" ترأسه أسماء، وهو شبكة غير رسمية من رجال
الأعمال والمستشارين والشخصيات المرتبطة بالنظام، والذين ساعدوا في إدارة الشؤون
الاقتصادية المحيطة بالعائلة الرئاسية.
وأفادت مصادر مقربة من
النظام لصحيفة "ذيأوبزرفر" بأن السيدة الأولى كانت متعطشة للسلطة، وأنها
روجت لرجال فاسدين موالين لها لتحقيق مكاسب شخصية. وقال والد أسماء لصحيفة
"ذي أوبزرفر": "لم تثبت قط أي أدلة على الاتهامات الموجهة لابنتي
بشأن مصالحها التجارية والاقتصادية في سوريا" وزعم شخص مطلع على العمل
الإنساني في سوريا، طلب عدم الكشف عن هويته، أن أسماء أنشأت شبكة للاستيلاء على
أكبر قدر ممكن من المساعدات الإنسانية والتنموية التي تدخل البلاد.
وكانت الأمم المتحدة على
علم بأن النظام يستفيد من ذلك - وهو ما وصفه بأنه معضلة أخلاقية نوقشت داخلياً -
ولكن في نهاية المطاف، تقرر أن هذا ثمن يستحق الدفع، حتى لو لم يتلقَّ سوى عدد
قليل من المحتاجين المساعدة.
كما وقفت السيدة الأولى
مكتوفة الأيدي بينما احتجزت أجهزة المخابرات السورية مئات الأطفال كرهائن
لاستخدامهم كورقة ضغط في الحرب - إما في عمليات تبادل الأسرى أو للضغط على آبائهم،
الذين قد يكونون معتقلين أو منتمين إلى المعارضة.
ونادرا ما كان كبار
المسؤولين في النظام يتورطون بأنفسهم، ومن غير المرجح أن تظهر وثيقة تحمل توقيع
أسماء، تثبت، على الورق، مسؤوليتها. ما توصلت إليه "ذي أوبزرفر" هو
شهادات العديد من الأشخاص المقربين من النظام والسيدة الأولى، الذين تحدثوا بشكل
منفصل، وجميعهم رووا قصة متشابهة.
وقال فواز الأخرس إن أي
تلميح بأن ابنته "كانت على علم، أو أذنت، أو سهّلت، أو تسامحت مع استخدام
الأطفال لأغراض سياسية، أو كوسيلة للضغط على العائلات أو المعتقلين، مرفوضٌ رفضا
قاطعا". وأضاف أن الادعاء بأنها "أنشأت شبكة للاستيلاء على المساعدات
الإنسانية أو التنموية التي تدخل سوريا" هو ادعاءٌ باطل أيضا. وأضاف أن هذه
الادعاءات "تصور ابنتي من خلال منظور ضيق يركز على السلطة والطموح
والتجاوزات، وهو ما لا يعكس الشخص الذي أعرفه، ولا العمل الذي أنجزته على مدى
عقدين من الزمن".
كما كان نفوذ السيدة الأولى
داخل القصر الرئاسي يتزايد. وقال مصدر في النظام: "لم يكن بالإمكان تمرير أي
شيء مع الرئيس إلا بموافقتها، لأنه كان يستشيرها في كل شيء". وبحلول عام
2023، تراجعت أخبار الأسلحة الكيميائية والقتل الجماعي من عناوين الصحف. أعيد قبول
سوريا في جامعة الدول العربية، وبدأ ظهور شخصيات أممية رفيعة المستوى في صور مع
أسماء. لكن الروس سئموا من الأسد.
كان فلاديمير بوتين يكره
الرجل الذي رآه، بحسب التقارير، ضعيفًا ويحتاج إلى إنقاذ. بعد أن حقق النصر في
حربه، ازداد إحباط الرئيس الروسي من رفض الأسد توطيد السلام مع المعارضة في الشمال
الغربي، والأكراد في الشمال الشرقي، ومع تركيا المجاورة. ووفقا لعدة مصادر، بدأ
الروس في إعداد قائمة بأسماء مرشحين محتملين لخلافة الرئيس. على رأس القائمة؟ وقال مصدر مقرب من النظام إن فكرة تولي السيدة
الأولى منصب الرئيس خلفًا لزوجها طرحها الروس، وأن الأسد كان على علم بها، لكنه لم
يعرها اهتماما. وأضاف المصدر: "دار هذا الحديث، وذُكر للرئيس، لكنه سخر منه".
في العاصمة، ومع تقدم هجوم
المعارضة، كان الرئيس السوري يُخطط لخطوته التالية. حلفاؤه الروس، الذين دافعوا عن
النظام بقوة منذ عام 2015، كانوا الآن منشغلين ومُنهكين بسبب حربهم في أوكرانيا،
لم يكونوا ليقدموا المساعدة. الجيش الوطني السوري، المنهك من سنوات الفساد وتدني
الروح المعنوية، ألقى سلاحه وسمح للتقدم بالاستمرار.
كانت السيدة الأولى في
موسكو منذ أغسطس 2024 تتلقى العلاج من سرطان الدم، بما في ذلك عملية زرع نخاع
العظم. كان هذا هو تشخيصها الثاني بالسرطان. في عام 2018،أعلن القصر إصابة أسماء
بسرطان الثدي، وفي العام التالي، أعلن شفاءها التام.
في الأسبوع الذي بدأ يوم
الاثنين 2 كانون الأول/ ديسمبر 2024 أرسلت أسماء رسالة إلى كبار مساعديها وزملائها
في الحكومة، تستدعيهم فيها إلى دمشق. وتم استدعاء الموظفين إلى مكاتبهم وإبلاغهم
بإلغاء رحلاتهم. وأُبلغوا، بحسب مصادر، أن السيدة الأولى ستصل في نهاية الأسبوع
لحضور اجتماع هام.
لم يكونوا يعلمون أن
الاجتماع كان يُستخدم كغطاء. ففي الساعات الأولى من صباح الأحد 8 كانون
الأول/ديسمبر، غادر الرئيس، برفقة ابنه الأكبر حافظ وابنه الأصغر كريم، العاصمة من
مطار عسكري قرب دمشق، متوجهين أولا إلى قاعدة عسكرية روسية، ثم إلى موسكو، حيث
كانت بقية عائلة الأسد تنتظرهم، وقد مُنحوا اللجوء هناك.
وقد استمعت صحيفة "ذي
أوبزرفر" إلى شاهد عيان وعدة مصادر أخرى تؤكد وجود أسماء ووالدها في سوريا
ليلة سقوط النظام. لكن والدها نفى ذلك، قائلاً إنه كان مع ابنته في مستشفى بموسكو
حيث كانت تتلقى العلاج من سرطان الدم. واستيقظ بقية أفراد النظام صباح الأحد
ليجدوا أن زعيمهم قد فرّ وأن الثوار قد سيطروا على العاصمة.
وكان الغضب عميقا بين
المقربين الذين بقوا في سوريا. وقال المصدر: "لم يشهد العالم مثل هذه الخيانة
من قبل. حتى صدام حسين أو معمر القذافي لم يكونا بهذه القسوة".