تحقيق: شركات عالمية متورطة مع الاحتلال الإسرائيلي في انتهاكات بجنوب لبنان

اتهامات بجرائم حرب تطال كبرى شركات الجرافات والحفارات - الأناضول
كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تحقيق أعده الصحفي ويليام كريستو من بيروت، عن مزاعم خبراء في مجال حقوق الإنسان تفيد بأن ست شركات متعددة الجنسيات لمعدات البناء قد تكون شريكة مع الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جرائم حرب، من خلال تزويدها بجرافات وحفارات استخدمت في عمليات هدم واسعة في جنوب لبنان.

وقال التقرير إن صورا ومقاطع فيديو موثقة أظهرت استخدام الجيش الإسرائيلي لمعدات تعود إلى شركات كاتربيلر وفولفو وهيونداي ودوسان وهيتاشي وكوماتسو، في عمليات تدمير منازل ومرافق عامة ومتاجر ومنشآت مدنية في مناطق جنوب لبنان.

وبحسب التحقيق، قام جيش الاحتلال بتسوية قرى بأكملها بالأرض داخل ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي منطقة تمتد على مساحة 608 كيلومترات مربعة بمحاذاة الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث تضررت 46 قرية على الأقل بشكل كبير، معظمها نتيجة عمليات هدم نفذت عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي في 17 نيسان/أبريل، وذلك وفقا لتحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته مؤسسة “بيلينغكات”.

وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي يقول إن عملياته تستهدف بنية حزب الله التحتية، فيما دعا وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى هدم “جميع المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود لإزالة التهديدات”.

في المقابل، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن التدمير الواسع الذي طال القرى اللبنانية قد يرقى إلى مستوى التدمير المتعمد، وهو ما قد يشكل جريمة حرب وفق القانون الدولي، خاصة في ظل اتساع نطاق عمليات الهدم الموثقة.

ووثق السكان النازحون من مناطق الجنوب مشاهد دمار واسع، حيث أظهرت مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية تحولا كبيرا في القرى إلى أكوام من الأنقاض، نتيجة استخدام مكثف للجرافات والحفارات.

وأظهرت صور التقطتها وكالة “أسوشيتد برس” في 12 و15 نيسان/أبريل في بلدة ميس الجبل الحدودية اللبنانية وجود حفارات تابعة للشركات الست، بينها كاتربيلر وهيونداي وكوماتسو، تعمل وسط منازل مدمرة.

كما وثقت مقاطع فيديو من بلدتي الناقورة ودبل استخدام الجيش الإسرائيلي لحفارات أجنبية الصنع في تدمير المنازل والبنية التحتية، فيما أظهرت كاميرات مراقبة في بلدة دبل حفارة تابعة لشركة فولفو وهي تقوم بتدمير ألواح الطاقة الشمسية وشبكة المياه، وهي مصادر أساسية للكهرباء في البلدة.

ورد جيش الاحتلال على تلك الواقعة بالقول إن ما ظهر في الفيديو “لا يتوافق مع قيم الجيش الإسرائيلي”، مؤكدا أن الحادثة قيد التحقيق.

وقال خبراء في حقوق الإنسان إن تزويد شركات دولية إسرائيل بمعدات تستخدم في هدم القرى والمنازل قد يجعلها متواطئة في جرائم حرب، مطالبين الشركات بوقف التوريد إلى حين ضمان عدم استخدامها في انتهاكات.

وقال مارك دوميت، نائب مدير البرامج ورئيس قسم الأعمال والأمن وحقوق الإنسان في منظمة العفو الدولية، إن “الشركات التي تمارس أنشطة تسهم في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في لبنان، مثل التدمير الواسع للممتلكات المدنية، قد تعرض نفسها ومديريها لخطر الملاحقة القضائية بتهمة التواطؤ في جرائم حرب”.

وأضاف أن هناك سجلا طويلا لاستخدام إسرائيل للحفارات في عمليات هدم واسعة في الضفة الغربية، ما كان ينبغي أن يثير مخاوف الشركات ويجبرها على اتخاذ تدابير أكثر صرامة لمنع تورط معداتها في الانتهاكات.

من جهتها، قالت المحامية الدولية المتخصصة في مساءلة الشركات في الشرق الأوسط الريم كمال، إن الاستخدام الموثق لمعدات مماثلة في سياقات مثل غزة يجعل من الصعب على الشركات الادعاء بأنها لم تكن على علم بالمخاطر.

وأضافت: “الضرر متوقع، وتقع على الشركات مسؤولية اتخاذ التدابير المناسبة، وإلا فإنها قد تواجه عواقب قانونية وتشويها لسمعتها وخسائر مالية”.

وأوضح التقرير أن الأمم المتحدة وضعت مبادئ توجيهية للشركات ضمن مبادئها المتعلقة بالأعمال وحقوق الإنسان، والتي تلزم الشركات بتجنب التسبب أو المساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان أو الحد من آثارها المرتبطة بمنتجاتها.

ورغم أن هذه المبادئ غير ملزمة قانونيا، فإن دولا مثل السويد واليابان وكوريا الجنوبية اعتمدت خططا وطنية لتطبيقها، بينما لا تمتلك الولايات المتحدة خطة مماثلة.

وأشار التحقيق إلى سوابق قانونية دولية لمحاسبة شركات على التواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان، بدءا من محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حوكم مسؤولون في شركة “آي جي فاربن” الألمانية لتورطهم في إنتاج غاز “زيكلون ب” المستخدم في المحرقة.

كما لفت إلى إدانات حديثة في فرنسا ضد شركة “لافارج” بتهمة تمويل الإرهاب في سوريا، إضافة إلى محاكمات في السويد ضد مسؤولين في شركة نفط بتهم التواطؤ في جرائم حرب في جنوب السودان.

وقالت المحامية كمال إن الاتجاه العالمي يتجه نحو مزيد من التدقيق في تورط الشركات في النزاعات المسلحة، مؤكدة أن “الإفلات من العقاب الذي حمى هذه الشركات لعقود بدأ يتراجع أمام تزايد الأدلة والمساءلة القانونية الدولية