من الكتب إلى صناعة الأفكار.. مشروع ثقافي "للتوحيد والإصلاح" بالمغرب

ترى إدارة المشروع أن الحفاظ على الرصيد المعرفي المتراكم يمثل أولوية أساسية، خاصة أن المكتبة ظلت على مدى سنوات مرجعاً لعدد من الباحثين وطلبة الجامعات والمستفيدين من الدورات التكوينية والبرامج الفكرية.
تستعد حركة التوحيد والإصلاح المغربية بإقليم طنجة لافتتاح مكتبتها الجديدة بمقرها بمنطقة "فال فلوري" مطلع شهر تموز/ يوليو المقبل، في مبادرة تجمع بين البعد الثقافي والتربوي والفكري، وتسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه أداة لبناء الوعي وترسيخ الهوية وتعزيز الحضور المعرفي في المجتمع.

ويأتي افتتاح المكتبة بالتزامن مع إطلاق برنامج صيفي متكامل تحت شعار "صيف مفيد.. إيمان راسخ.. مجتمع واعد"، يستهدف مختلف الفئات العمرية من الأطفال والشباب والرجال والنساء، في محاولة للجمع بين التكوين المعرفي والتأطير القيمي والأنشطة الترفيهية في إطار رؤية تعتبر أن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقله ووعيه.

مكتبة تتجاوز وظيفة الإعارة


ولا يُنظر إلى المشروع باعتباره مجرد فضاء لحفظ الكتب أو استعارتها، بل باعتباره مركزاً ثقافياً مفتوحاً يسعى إلى توفير مصادر المعرفة للباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي، فضلاً عن الناشطين والمتابعين للقضية الفلسطينية.

وتضم المكتبة رصيداً وثائقياً متنوعاً في مجالات الفكر الإسلامي والعلوم الشرعية والتاريخ والأدب والفلسفة والقضايا الحضارية والفكرية المعاصرة، ما يجعلها امتداداً لمسار طويل من الاهتمام بالمعرفة داخل الحركة.

كما سيواكب افتتاح المكتبة إطلاق برنامج "المقهى الثقافي"، الذي سيشكل فضاءً للنقاش الفكري والحوار المفتوح حول الكتب والقضايا الفكرية والثقافية الراهنة، عبر لقاءات دورية وندوات وقراءات نقدية تستمر طوال فصل الصيف.

ذاكرة دعوية وثقافية ممتدة


ويستند المشروع إلى تراكم معرفي امتد لعقود، حيث تشكلت النواة الأولى للمكتبة من تبرعات أعضاء الحركة ومتعاطفيها في مقرها السابق بحي السواني، إضافة إلى مساهمات شخصيات دعوية وعلمية بارزة ارتبط اسمها بالحياة الفكرية والثقافية في طنجة.

ويبرز من بين هؤلاء المرحوم الأستاذ التهامي بوعرفة، أحد رواد العمل الدعوي في المدينة، والذي ما تزال عشرات الكتب التي تبرع بها قبل أكثر من ثلاثة عقود تحتفظ بتوقيعه الشخصي على صفحاتها الأولى، في مشهد يختزل العلاقة العضوية بين الأجيال المتعاقبة من العاملين في الحقل الدعوي والثقافي.

كما لعب الأستاذ محمد الميموني، المربي والكتبي المتقاعد المعروف في الأوساط الثقافية المغربية، دوراً مهماً في دعم المشروع من خلال تزويده بعناوين متعددة وتقديم تسهيلات لاقتناء الكتب، فضلاً عن مشاركته المرتقبة في أنشطة "المقهى الثقافي" للحديث عن تجربته الطويلة في عالم الكتاب والمكتبات.

تراث علمي محفوظ للأجيال


وشهدت المكتبة خلال الفترة الماضية تدفق مجموعات معرفية خاصة تعود لعدد من العلماء والدعاة المغاربة، من بينها مجموعة مهمة من مؤلفات الشيخ الراحل عبد الباري الزمزمي في مجالات التفسير والحديث والفقه والتاريخ والأدب.

وأعلنت إدارة المكتبة أنها ستخصص فهرسة مستقلة لهذه المؤلفات لتسهيل وصول الباحثين والمهتمين إلى تراث الشيخ العلمي والفكري.

كما استقبلت المكتبة رصيداً معرفياً آخر يضم كتب ومؤلفات الداعية الراحل محمد بخات الإدريسي، الذي عُرف بنشاطه الدعوي والعلمي في المغرب، حيث توثق هذه الكتب جوانب من مسيرته الفكرية والدعوية، إضافة إلى اهتماماته الاجتماعية والإنسانية في خدمة الفئات الهشة والمحتاجة.

القضية الفلسطينية في قلب المشروع المعرفي


ومن بين أبرز المراجع التي تحتضنها المكتبة "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" للمفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري، والتي تعد من أهم الأعمال الفكرية العربية التي تناولت المشروع الصهيوني من منظور معرفي وحضاري.

وكان مكتب الحركة قد اقتنى الموسوعة عام 2002 انطلاقاً من قناعته بأهمية البعد المعرفي في فهم الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وضرورة تجاوز المقاربات الانفعالية نحو بناء معرفة علمية دقيقة بالقضية الفلسطينية وأبعادها التاريخية والفكرية.

ويعكس وجود هذه الموسوعة ضمن الرصيد المرجعي للمكتبة توجهاً واضحاً نحو ترسيخ الثقافة البحثية في مقاربة القضية الفلسطينية، بوصفها قضية وعي ومعرفة بقدر ما هي قضية سياسية ووطنية.

حماية الرصيد المعرفي


وأمام القيمة العلمية للمجموعات الموجودة داخل المكتبة، قررت إدارتها اعتماد نظام داخلي جديد يمنع إعارة الكتب خارج المقر إلا في حالات استثنائية ووفق ضوابط محددة، وذلك بعد فقدان الجزء الأول من موسوعة المسيري في ظروف غير معروفة.

وترى إدارة المشروع أن الحفاظ على الرصيد المعرفي المتراكم يمثل أولوية أساسية، خاصة أن المكتبة ظلت على مدى سنوات مرجعاً لعدد من الباحثين وطلبة الجامعات والمستفيدين من الدورات التكوينية والبرامج الفكرية.

صيف يجمع بين المعرفة والتربية


وبالتوازي مع الافتتاح، أعدت الحركة برنامجاً صيفياً متنوعاً يجمع بين الجوانب التربوية والثقافية والترفيهية، ويشمل "الملتقى القرآني الصيفي" المخصص للأطفال والشباب، و"نادي القرآن الكريم" لحلقات الحفظ والتجويد، إضافة إلى خرجات تربوية ورياضية وسياحية نحو الشواطئ والغابات ومرافق الترفيه.

ويهدف البرنامج إلى توفير فضاء متوازن يجمع بين تنمية المدارك وتعزيز القيم الإيمانية وتطوير المهارات الاجتماعية والشخصية لدى المشاركين.

وتؤكد الحركة أن التسجيل في مختلف هذه الأنشطة سينطلق مباشرة بعد انتهاء الامتحانات الدراسية، في إطار رؤية تعتبر أن الاستثمار في الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي، بل يمتد إلى بناء الشخصية والوعي والثقافة، بما يسهم في إعداد أجيال أكثر ارتباطاً بالمعرفة وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع قضايا مجتمعها وأمتها.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتراجع فيه مكانة الكتاب الورقي لدى قطاعات واسعة من الشباب، يراهن القائمون على المشروع على أن تبقى المكتبة فضاءً حياً للحوار والمعرفة، وجسراً يربط الأجيال الجديدة بتراثها الفكري والثقافي، ويعيد الاعتبار لفكرة أن بناء المجتمعات يبدأ دائماً من بناء العقول.

وتُعد حركة التوحيد والإصلاح واحدة من أبرز الهيئات الدعوية والتربوية في المغرب، إذ تأسست بصيغتها الحالية عام 1996 نتيجة اندماج عدد من الحركات الإسلامية، وتركز أنشطتها على مجالات التربية والدعوة والتكوين الفكري والعمل المدني والثقافي.

وخلال العقود الماضية، عملت الحركة على إنشاء فضاءات للتأطير التربوي والثقافي، وتنظيم أنشطة علمية وفكرية موجهة لمختلف الفئات العمرية، مع اهتمام خاص بقضايا الهوية والقيم والأسرة والقضية الفلسطينية. ويأتي مشروع المكتبة الجديدة بطنجة في سياق هذا التوجه الذي يراهن على المعرفة والقراءة باعتبارهما مدخلاً أساسياً لبناء الوعي المجتمعي وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء العام، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التحولات الرقمية وتراجع الإقبال على الكتاب الورقي بين الأجيال الجديدة.