تقرير عالمي يدعو لإعادة تعريف الازدهار.. السعادة ليست في نمو الاقتصاد وحده

المجتمعات يمكن أن تصبح أكثر رفاهية من خلال تقليص ساعات العمل، وتوفير وقت أكبر للعائلة، وتحسين الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، بدلا من ربط النجاح المجتمعي حصرا بزيادة الإنتاج والاستهلاك.
سلطت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء، على تقرير دولي جديد يدعو إلى إعادة النظر في أسس النظام الاقتصادي العالمي، من خلال تبني نموذج تنموي يوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

ويرى معدو "تقرير العدالة العالمي" أن تحقيق الرفاه لا يرتبط بالضرورة بزيادة الإنتاج والاستهلاك، بل يمكن بلوغه عبر توزيع أكثر عدالة للثروة وتقليص ساعات العمل وتحسين الخدمات العامة، ضمن رؤية تهدف إلى بناء عالم أكثر قابلية للعيش خلال العقود المقبلة.

ويحمل التقرير، الذي صدر الخميس، تصورا شاملا لكيفية بناء عالم أكثر مساواة واستدامة بحلول نهاية القرن الحالي، من خلال تقليص ساعات العمل، وتحسين الأجور والخدمات العامة، والحد من التفاوت في الثروة، بالتوازي مع خفض الانبعاثات والحفاظ على الموارد الطبيعية.

ويرى معدو التقرير أن النقاش العالمي حول المناخ والاقتصاد ظل لعقود أسير مقاربات تركز على النمو والإنتاجية دون التطرق بجدية إلى مسألة توزيع الثروة أو أنماط الاستهلاك، وهو ما أسهم في تراجع التأييد الشعبي للسياسات البيئية في العديد من الدول.

رؤية بديلة للنمو الاقتصادي


يستند التقرير إلى أعمال باحثين وخبراء اقتصاد وعلوم اجتماعية وبيئية، ويقدم ما يصفه أصحابه بأنه "طريق ثالث" بين النمو الاقتصادي غير المحدود من جهة، ودعوات الانكماش الاقتصادي من جهة أخرى.

ويؤكد القائمون عليه أن تحسين مستوى المعيشة لا يتطلب بالضرورة زيادة مستمرة في استهلاك الموارد الطبيعية أو التوسع اللامحدود في الإنتاج، بل يمكن تحقيقه عبر إعادة توزيع الثروة وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات التعليم والصحة والطاقة النظيفة.

ويطرح التقرير مفهوم "الكفاية" باعتباره أحد الركائز الأساسية للنموذج المقترح، مشيرا إلى أن جودة الحياة لا تقاس فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات الاستهلاك، وإنما أيضا بعوامل مثل الوقت المتاح للعائلة، والصحة، والتعليم، والبيئة السليمة.

انتقاد للنموذج الاقتصادي السائد


ومن أبرز الأصوات المشاركة في إعداد التقرير الاقتصادي الفرنسي الشهير توماس بيكيتي، المعروف بأبحاثه حول التفاوت الاقتصادي، والذي يرى أن النموذج الاقتصادي العالمي الحالي لم يعد قادرا على تقديم حلول للأزمات المتفاقمة.

ويقول بيكيتي إن الثقة التي مُنحت لعالم المليارديرات والشركات العملاقة لإدارة الاقتصاد العالمي لم تفض إلى مستقبل أكثر عدالة أو استدامة، بل ساهمت في تعزيز التركز غير المسبوق للثروة والسلطة.

وانتقد ما وصفه بالمشاريع الاقتصادية الجديدة التي تروج لها بعض النخب التكنولوجية، والتي تضع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة في قلب التنمية المستقبلية، معتبرا أن هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة البصمة البيئية وتسريع وتيرة الاحتباس الحراري بدلا من معالجته.

ويأتي هذا الطرح في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة ودول أخرى جدلا متزايدا حول حجم الطاقة التي تستهلكها مراكز البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما يرافق ذلك من ضغوط على شبكات الكهرباء والموارد الطبيعية.

إخفاقات السياسات المناخية


ويلفت التقرير إلى أن السياسات المناخية خلال العقود الماضية ركزت بصورة أساسية على الجوانب العلمية والتقنية للأزمة البيئية، بينما أهملت الأبعاد الاجتماعية والسياسية والنفسية التي تحدد مدى تقبل المجتمعات لهذه السياسات.

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن العديد من المواطنين، خصوصا من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، باتوا ينظرون إلى السياسات البيئية باعتبارها عبئا اقتصاديا إضافيا، بسبب غياب العدالة في توزيع التكاليف والمكاسب.

ويرى معدو التقرير أن هذا الخلل ساهم في تنامي الخطاب الشعبوي المناهض للسياسات البيئية في عدد من الدول الغربية، حيث جرى تصوير إجراءات مكافحة التغير المناخي على أنها تهدد الوظائف ومستويات المعيشة.

السعادة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية


ومن الأفكار المركزية التي يطرحها التقرير أن السعادة والرفاه لا يمكن اختزالهما في المؤشرات الاقتصادية التقليدية.

وتوضح كورنيليا موهرن، من مختبر اللامساواة العالمي، أن الحفاظ على كوكب صالح للعيش لا يحقق فقط مكاسب مالية، بل ينعكس أيضا على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية.

وتقول إن المجتمعات يمكن أن تصبح أكثر رفاهية من خلال تقليص ساعات العمل، وتوفير وقت أكبر للعائلة، وتحسين الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، بدلا من ربط النجاح المجتمعي حصرا بزيادة الإنتاج والاستهلاك.

ويستحضر التقرير في هذا الإطار تجارب وأفكارا فلسفية متعددة، من بينها مفهوم "السعادة الوطنية الإجمالية" الذي اعتمدته مملكة بوتان، إضافة إلى رؤى ثقافات الشعوب الأصلية التي تربط رفاه الإنسان بصحة النظم البيئية المحيطة به.

ضرائب على الثروة وإصلاح للنظام المالي


ورغم الطابع الطموح للرؤية المطروحة، يقر التقرير بأن تنفيذها يتطلب تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي، من بينها إصلاح المؤسسات المالية الدولية وفرض ضرائب أكبر على الثروات الضخمة.

وهي مقترحات طالما واجهت معارضة قوية من القوى الاقتصادية التقليدية والدول الغنية، ما يدفع بعض المنتقدين إلى التشكيك في إمكانية تطبيقها على أرض الواقع.

غير أن معدي التقرير يرون أن الأزمات المناخية والاقتصادية المتسارعة ستفرض عاجلا أو آجلا تحولات عميقة في نماذج التنمية المعتمدة حاليا، وأن البدء في مناقشة البدائل منذ الآن يتيح للمجتمعات الاستعداد لمرحلة مختلفة.

بين الطموح والواقع


ويقر أصحاب التقرير بأن رؤيتهم قد تبدو مثالية أو بعيدة المنال في الظروف الحالية، لكنها تأتي في مواجهة سيناريوهات يعتبرونها أكثر خطورة، سواء تلك القائمة على التوسع غير المحدود في استغلال الموارد الطبيعية، أو تلك التي تتجاهل الحدود البيئية للكوكب.

ويؤكدون أن الهدف ليس فرض نمط حياة معين على الأفراد، بل فتح نقاش عالمي حول معنى "الحياة الجيدة" وكيفية تحقيقها في عالم يواجه تحديات مناخية واقتصادية غير مسبوقة.

وبينما تتزايد التحذيرات من أزمات بيئية واجتماعية قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، يراهن معدو التقرير على أن إعادة تعريف الازدهار والنجاح الاقتصادي قد تصبح واحدة من أهم المعارك الفكرية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.