شهدت الحروب
المعاصرة تحولات جذرية في طبيعتها وأدواتها، مع تسارع في إدماج التقنيات الحديثة
داخل
ساحات القتال، ما أعاد تشكيل مفهوم القوة العسكرية والتفوق الميداني.
ونشرت مجلة "الإيكونوميست"
البريطانية، في مقال تحليلي لمحرر الشؤون الدفاعية لديها، قراءة موسعة للتحولات العميقة
التي طرأت على طبيعة الحروب خلال العقد الماضي، وكيف يمكن أن يعيد التطور التكنولوجي
رسم ملامح الصراعات المسلحة في المستقبل، معتبرة أن ما يجري اليوم لا يغيّر أدوات القتال
فقط، بل يغيّر منطق الحرب نفسه.
وبحسب ما أكد المقال،
فإن التحول الأبرز في ساحات القتال الحديثة يتمثل في تزايد انكشاف المقاتلين بشكل غير
مسبوق. فالميدان العسكري، الذي كان يعتمد تاريخيًا على القدرة على التخفي والمباغتة،
أصبح اليوم مكشوفًا أمام طبقات متداخلة من الرصد، تبدأ من الأقمار الصناعية ولا تنتهي
عند أجهزة الاستشعار الأرضية، مرورًا بطائرات مسيّرة صغيرة منخفضة التكلفة قادرة على
تنفيذ عمليات قتل دقيقة. ويضيف التقرير أن هذا الواقع الجديد فرض على الجيوش أن تبذل
جهودًا مضاعفة من أجل الحركة والاختباء والبقاء على قيد الحياة في بيئة باتت شبه شفافة.
ويضرب المقال أمثلة
من حروب معاصرة، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيدات المرتبطة بالولايات
المتحدة وإسرائيل مع إيران، وكذلك المواجهات الإسرائيلية في لبنان، مشيرًا إلى أن هذه
الساحات باتت مختبرًا حيًا لتطور أدوات الحرب. ويوضح أن التكنولوجيا العسكرية لم تعد
محصورة داخل دولة واحدة أو جبهة بعينها، بل تنتقل بسرعة بين ساحات القتال المختلفة،
بحيث يجد الجنود الإسرائيليون في لبنان أنفسهم أمام نمط من
الطائرات المسيّرة سبق استخدامه
في أوكرانيا، بينما أصبحت الصواريخ الإيرانية أكثر دقة بكثير مقارنة بصواريخ سكود التي
استُخدمت في حرب الخليج الأولى.
وفي هذا السياق، يلفت
المقال إلى أن أي محاولة محتملة من جانب الصين لغزو تايوان قد تواجه، وفق هذا المنطق،
كثافة غير مسبوقة من الطائرات المسيّرة، ما يعكس حجم التحول في ميزان القوة الجوية
التقليدي. كما يرى أن التفوق الجوي، الذي كان يُعد أحد أعمدة الحسم العسكري في الحروب
الحديثة، أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ولم يعد يوفر الحماية نفسها للجنود على الأرض،
في ظل الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة في المجال الجوي.
وينقل المقال عن الواقع
الأوكراني ما وصفه بأنه الدرس الأهم للحرب الحديثة، إذ لا يتعلق الأمر بتثبيت خطوط
جبهة جامدة تتحرك فيها القوات ببطء شديد، بل بإجبار الجيوش على تطوير قدراتها في مجالات
الإخفاء والتشويش والتعطيل والهروب من شبكات المراقبة الجوية والرقمية، بما في ذلك
الكاميرات وأجهزة الاستشعار والذخائر الذكية المنتشرة في محيط القتال.
أما التحول الثاني،
كما عرضه المقال، فيرتبط بإعادة تشكيل آليات استهداف الأهداف العسكرية. إذ يؤكد التقرير
أن التقنيات الحديثة، وخاصة تلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، باتت تتيح للجيوش القدرة
على تحديد مواقع الأهداف وضربها بسرعة ودقة ونطاق غير مسبوقين. ويشير إلى أن بعض العمليات
العسكرية الأخيرة، بما فيها ما وصفه بالحملة الأمريكية السريعة ضد إيران، تعطي تصورًا
أوليًا عن هذا النوع من الحروب، حيث يمكن لدولة متقدمة عسكريًا أن تستهدف مراكز القيادة
والمخازن والمنشآت الحيوية وتدمرها خلال وقت قصير نسبيًا.
لكن المقال يضيف في
المقابل أن هذا التفوق التقني لا يعني بالضرورة حسم الحرب سياسيًا أو عسكريًا، إذ يوضح
أن الواقع العملي أكثر تعقيدًا. فبحسب ما أكد وأشار وتابع، فإن قدرة الولايات المتحدة
وإسرائيل على استهداف إيران جوًا لم تمنع طهران من مواصلة إطلاق الطائرات المسيّرة
والصواريخ خلال فترة ممتدة من الصراع، بلغت تسعة وثلاثين يومًا، مع استمرارها في الحفاظ
على برنامجها النووي، إلى جانب قدرتها على التأثير في ممرات تجارية حيوية مثل مضيق
هرمز، وما ترتب على ذلك من اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق.
ويستحضر المقال مقارنات
تاريخية ليؤكد هذه الفكرة، مشيرًا إلى أن حروبًا مثل فيتنام وأفغانستان أظهرت أن الطرف
الأضعف، عندما يقاتل على أرضه، يمكنه الصمود لفترات طويلة أمام قوى عسكرية أكبر. إلا
أن الجديد اليوم، وفق التحليل، هو أن هذا الطرف الأضعف أصبح يمتلك بدوره أسلحة دقيقة
وموجهة، ما يعقّد حسابات الردع والحسم.
أما التحول الثالث
والأخير، فيتعلق بالضغط المتزايد الذي تتعرض له القواعد القانونية والأخلاقية المنظمة
للحرب. ويرى التقرير أن التطور التكنولوجي السريع، وما يصاحبه من قدرات تدميرية ورصد
شامل، يضع قوانين الحرب التقليدية أمام اختبار صعب، ويهدد بتآكل قدرتها على ضبط سلوك
الدول أثناء النزاعات.
ويخلص المقال، كما
نقلت الإيكونوميست، إلى أن الحرب في شكلها الجديد أصبحت أكثر تعقيدًا وكلفة، وأن قدرة
الدول الضعيفة على إرباك القوى الكبرى أو استنزافها باتت أكبر من السابق، في حين أصبح
بدء الحروب أسهل بكثير من القدرة على إنهائها. ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن تزايد
الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الحديثة يجعل من الحروب الاختيارية خيارًا أكثر
خطورة وأقل عقلانية، إلى حد يجعل الدخول فيها يبدو، في كثير من الحالات، أقرب إلى
“قرار أكثر غباءً” مما كان عليه في أي وقت مضى.