سلطت هيئة الإذاعة البريطانية "
بي بي سي" الضوء على ملف
سحب الجنسية في
الكويت، والذي عزته السلطات إلى أسباب متعدّدة، من بينها الغش في التجنيس، وازدواج الجنسية، وارتكاب مخالفات قانونية، مبررة إجراءاتها بزعم إعادة ضبط الإطار التشريعي وتعزيز صلاحيات الدولة السيادية.
تحوّل ديمغرافي غير مسبوق
يؤدي سحب الجنسية إلى فقدان حقوق الإقامة والعمل والملكية والدراسة داخل الكويت وخارجها، فضلاً عن خدمات الرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية ورواتب التقاعد ودعم العاطلين عن العمل ورعاية ذوي الإعاقة وكبار السن.
ومن أبرز نتائج هذه الإجراءات أيضاً ترحيل الشخص أو معاملته كأجنبي؛ فإذا لم تكن له جنسية أخرى أُدرج ضمن فئة عديمي الجنسية، أما إذا استعاد جنسيته الأصلية فيُعامل بوصفه مقيماً.
ووفق معطيات متداولة، شملت قرارات سحب الجنسية منذ عام 2024 عشرات الآلاف من الحالات، مع حالات تبعية قد ترفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب مئات الآلاف، في بلد يبلغ عدد مواطنيه نحو مليون ونصف المليون.
يقول نشطاء بحسب الـ"بي بي سي"، إن هذه الأرقام تمثّل تحوّلاً ديمغرافياً غير مسبوق، لا في الكويت وحدها بل على المستوى العالمي أيضاً، وقد تداول بعضهم مؤخراً لائحة مؤرّخة بتاريخ 29 نيسان/ أبريل الجاري، بأسماء 21 شخصاً سُحبت منهم الجنسية الكويتية.
بماذا بررت السلطات إجراءاتها؟
جاءت هذه التطوّرات بعد تولّي الأمير مشعل الأحمد الجابر الصباح الحكم أواخر عام 2023، إذ اتّجهت الدولة إلى مقاربة أكثر تشدّداً في ملفّات الجنسية والأمن والقانون والممارسة السياسية الداخلية.
وفي أيار/مايو 2024، شهدت الكويت تعليقاً واسع الصدى لدور مجلس الأمّة، بعد مرسوم أميري قضى بحلّ المجلس وتعليق بعض مواد الدستور لفترة قد تمتد حتّى أربع سنوات.
ووفق تعديلاتها، حددت السلطات الكويتيين الأصليين بأنهم المتوطّنون في البلاد قبل عام 1920 والمقيمون حتى 14كانون الأول/ديسمبر 1959، مع تثبيت حق النسب من الأب الكويتي، وتنظيم منح الجنسية للزوجة الأجنبية وأبناء المتجنّسين وفق شروط محدّدة.
وتلزم التعديلات المتجنّسين بالتنازل عن أي جنسية أخرى خلال ثلاثة أشهر، وإلّا عُدّ التجنيس مُلغىً، إلى جانب توسيع حالات سحب الجنسية وإسقاطها لتشمل الجرائم الخطيرة والأفعال الماسّة بأمن الدولة، مع السماح باستخدام وسائل علمية مثل البصمة الوراثية والبيومترية في قضايا الجنسية.
شهادات متضررات
أكدت نساء سُحبت منهن الجنسية الكويتية خلال الفترة الأخيرة أن تحولات حادة طالت حياتهن اليومية والقانونية والمعيشية، شملت توقف الرواتب وتجميد الحسابات المصرفية وتعطل المعاملات الرسمية.
وتمكنت "بي بي سي" من التحدث إلى بعضهن ممن ينتمين إلى خلفيات متنوعة؛ فمنهن مواليد الكويت، ومنهن مقيمات منذ عقود، حصلن على الجنسية عبر الزواج قبل أن تُسحب منهن لاحقاً.
وتجمع المتضررات على أن هذه القرارات أدت إلى فقدان شبه كامل لقدرتهن على إدارة حياتهن اليومية، وأفادت أخريات بأنهن لم يتلقين إشعاراً مباشراً بالقرار، بل اطلعن عليه عبر قنوات غير رسمية كوسائل التواصل الاجتماعي أو رسائل واتساب.
وتتداخل في عدد من هذه الحالات خلفيات قانونية مرتبطة بالمادة الثامنة من قانون الجنسية الكويتية التي تنظم تجنيس زوجات المواطنين. وأكدت جميع النساء اللواتي تحدثت إليهن الشبكة أن حصولهن على الجنسية جرى وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في حينه واستيفاء الشروط المطلوبة.
سحب الجنسية.. كأنه "انتزاع للروح"
تقول إحدى النساء لـ"بي بي سي"، وهي أردنية من أصل فلسطيني ولدت ونشأت في الكويت وتزوجت كويتياً، إنّها لا تعرف وطناً غير الكويت، وتصف نفسها بأنها "صناعة كويتية" بكل ما للكلمة من معنى، وتختصر حالها بالقول: "لا يمكنهم في يوم وليلة أن يلغوا مواطنيتي ووجودي".
وتؤكّد أنّ قرار سحب الجنسية لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل "نزعٌ للروح من داخلنا"، بعدما وجدت نفسها فجأة بلا كيان قانوني، وسط ضغوط نفسية واجتماعية "وتنمر"، إلى جانب ما تصفه بحملة ممنهجة ضدهن.
وتضيف أنها حصلت على الجنسية وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في حينه، بعد سنوات طويلة من الزواج والاستقرار والتخلي عن جنسيتها الأصلية، ولم تنلها إلا بعد 23 عاماً من الزواج. واليوم، وعلى الرغم من عملها بدوام كامل، توقّف راتبها منذ أشهر لأنها ترفض تسليم جوازها الكويتي.
"عدنا إلى نقطة الصفر... بل أسوأ"
سيدة من "عرب إيران"، وُلدت في الكويت لأبٍ عاش فيها أكثر من سبعين عاماً، تقول إنّها لم تعرف وطناً غير الكويت رغم أنّ والدها لم يحصل على الجنسية.
درست وتزوّجت من كويتي وأنجبت أبناءً كويتيين، ثمّ حصلت على الجنسية قبل 26 عاماً، واليوم تجد نفسها أمام واقع آخر: "استيقظت فجأة لأكتشف أنّني لم أعد أعرف من أنا". وتشير إلى أنّ القرار، رغم كونه سيادياً، تسبّب برأيها في ظلم كبير وسلبها حقوقها.
تصف حياتها اليومية بأنّها باتت مشوبة بالخوف، إذ تخشى التنقّل أو إبراز أوراقها حتّى في المستشفيات، "وسط تساؤلات تمسّ أبسط حقوقي كالتشكيك في صحّة زواجي رغم الوثائق الرسمية".
وتضيف أنّ كلّ معاملاتها توقّفت وانقطع راتبها، فأصبحت تعتمد على دخل زوجها رغم التزاماتها المادية. وحاولت استعادة جنسيتها الأصلية عبر السفارة الإيرانية لكنّها قوبلت بتشكيك في هويتها بعد سنوات طويلة من التخلّي عنها. وتلخّص وضعها: "عدنا إلى نقطة الصفر... بل أسوأ".
"نظرة مجتمعية قاسية"
سيدة من أصول لبنانية، وُلدت وعاشت طيلة حياتها في الكويت، تؤكّد أنّ انتماءها الوحيد هو إلى الكويت، تزوّجت في سنّ مبكرة وأسّست عائلة، وكانت حياتها مستقرّة إلى أن "وقعت الصاعقة" بسحب جنسيتها.
تقول إنّها التزمت بالقانون في كلّ مراحل حياتها، وحصلت على الجنسية قانونياً وتخلّت عن جنسيتها الأصلية، لكنّها فوجئت بقرار "هزّ كيانها وجعلها تشعر وكأنّها تُعاقَب على ذنب لم ترتكبه".
وتشير إلى أنّها باتت تواجه نظرة مجتمعية قاسية، وقيوداً تمسّ مستقبل أبنائها الذين لم يعودوا قادرين على الالتحاق ببعض الوظائف التي تتطلّب أن يكون الوالدان كويتيَّيْن بصفة أصلية.
كما جُمّدت حساباتها المصرفية رغم استمرار تدفّق راتبها التقاعدي، وأصبحت تعتمد على أسرتها لتغطية نفقاتها، ما دفعها إلى طلب العلاج النفسي: "أريد أن أنام... لا أريد سوى أن أنام وأن أشعر براحة البال".
ما الموقف القانوني؟
أشار أحمد السويط، الباحث في الثقافة والاتصال والإعلام في كلية لندن الجامعية والخبير في قضية انعدام الجنسية والهجرة القسرية، إلى أنّ ارتفاع وتيرة سحب الجنسية في الكويت "مؤشّر على توجّه ممنهج لإقصاء فئات اجتماعية كاملة من المشاركة السياسية وحرمانها من الحقوق المدنية.
وفي حديث لبي بي سي، رأى أنّ أكثر الفئات تضرّراً هم: النساء اللواتي كنّ يحملن الجنسية وفقاً للمادة الثامنة، والأيتام مجهولو الأبوين الذين كانوا يحصلون عليها وفقاً للمادة 3 قبل إلغائها أخيراً، إضافة إلى القبائل التي كان بعض أبنائها يشكّلون أغلبية معارِضة في مجلس الأمّة.
وأكّد السويط أنّ أكثر ما سيؤثّر على حياة المتضرّرين حرمانهم من الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، إذ سيواجهون تمييزاً متعدّد المستويات بتحوّلهم إلى "عديمي الجنسية أو أجانب".
ويضيف أيضا: "سيواجه أبناء النساء المتضرّرات تمييزاً في تقلّد الوظائف القيادية مثل الوزارة، بل ربما حتى الوظائف الإشرافية كوكلاء مساعدين أو رؤساء أقسام، لأنّ هناك وظائف تشترط أن يكون المرشّح من أمٍ وأبٍ يحملان الجنسية الكويتية".
ويرى السويط أنّ من أشدّ انعكاسات سحب الجنسية الجماعي على النسيج الاجتماعي تعزيز الطبقية وتمزيق الوحدة الوطنية والروابط الاجتماعية والأسرية. لكنّ الأخطر برأيه أن يجد مئات الآلاف أنفسهم فجأة مجرّدين من الحقوق الأساسية، ومحاطين بخطاب كراهية يهزأ بهم ويشمت.