من الهبوط إلى عرش آسيا.. الأهلي السعودي يواصل الهيمنة

الإنجاز الأهم لم يكن اللقب الأول نفسه بل ما تلاه - حساب النادي على إكس
قبل أربع سنوات فقط، كان مشهد جماهير الأهلي السعودي وهي تغادر المدرجات بوجوه شاحبة بعد تأكد هبوط فريقها إلى دوري الدرجة الأولى يبدو وكأنه نهاية فصل ثقيل في تاريخ أحد أكبر أندية السعودية والعربية قد يعتبره البعض نهاية المطاف إلا أن العملاق السعودي غير المعادلة ووصل لعرش الكرة الأسيوية للمرة الثانية على التوالي.

سابقا وجد النادي الذي اعتاد أن يكون بين كبار الكرة السعودية، نفسه في صيف 2022 يصارع صدمة غير مسبوقة، بعدما سقط للمرة الأولى إلى دوري "يلو"، في هبوط اعتبره كثيرون آنذاك عنوانًا لانهيار مشروع كامل لا مجرد تعثر موسم واحد.

لكن ما بدا يومها انكسارًا مدويًا، تحوّل بعد سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر قصص العودة إدهاشًا في الكرة الآسيوية.

مساء السبت، اعتلى الأهلي السعودي عرش القارة للموسم الثاني تواليا، بعدما انتزع لقب دوري أبطال آسيا للنخبة بفوز شاق على ماتشيدا زيلفيا الياباني بهدف دون رد بعد التمديد، في نهائي احتضنه ملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية بجدة، وحسمه فراس البريكان بهدف قاتل في الدقيقة 96، رغم أن الفريق لعب أكثر من خمسين دقيقة بعشرة لاعبين عقب طرد زكريا هوساوي.


لم يكن الهدف مجرد كرة سكنت الشباك اليابانية، بل بدا وكأنه لحظة اختصار لمسافة طويلة قطعها "الراقي" من القاع إلى القمة؛ من فريق يبحث عن النجاة من آثار الهبوط، إلى نادٍ يفرض نفسه بطلاً لآسيا مرتين متتاليتين، في إنجاز لم يتحقق لفريق سعودي منذ احتفاظ الاتحاد باللقب في نسختي 2004 و2005.

صدمة الهبوط التي هزت جدة

في موسم 2021-2022، عاش الأهلي واحدة من أحلك لحظاته التاريخية، أنهى الدوري في المركز الخامس عشر، ليهبط رسميًا إلى الدرجة الأولى وسط ذهول جماهيره، بعدما كان اسم النادي حاضرًا دائمًا ضمن المنافسين على البطولات المحلية والقارية.


ذلك السقوط لم يكن مجرد خسارة رياضية، بل حمل بعدًا نفسيًا قاسيًا على أنصار الفريق؛ مدرجات امتلأت بالغضب، وإدارة واجهت انتقادات حادة، وأسئلة لا تتوقف عن الكيفية التي وصل بها نادٍ بحجم الأهلي إلى هذا المصير.

كان كثيرون يعتقدون أن العودة لن تكون سهلة، وأن النادي قد يحتاج سنوات طويلة لاستعادة توازنه، لكن الأهلي تعامل مع تلك الكبوة باعتبارها نقطة إجبارية لإعادة ترتيب البيت من جذوره.

وبالفعل، لم يطل بقاؤه في دوري "يلو" ففي أيار/ مايو 2023 حسم عودته سريعًا إلى دوري المحترفين، رافضًا أن يتحول الهبوط إلى إقامة طويلة في الظل، بل إن فرحة الصعود نفسها بدت يومها ناقصة، لأن جماهير الأهلي كانت تدرك أن الهدف لم يكن فقط الرجوع، بل استعادة المكانة التي ترى أنها سُلبت منها.

مشروع جديد.. لا مجرد صعود

مع صيف 2023، بدأت ملامح الأهلي تختلف بوضوح، النادي دخل مرحلة جديدة مدعومًا بمشروع إعادة بناء كبير، فكانت سوق الانتقالات بمثابة إعلان رسمي أن "الراقي" لا يريد العودة للمنافسة المحلية فحسب، بل يريد أن يصنع لنفسه وجهًا جديدًا على مستوى القارة.

وصل الجزائري رياض محرز محمّلًا بخبرات مانشستر سيتي، وجاء الحارس السنغالي إدوارد ميندي بشخصية البطل الأوروبي، وانضم الإيفواري فرانك كيسييه ليمنح الوسط صلابة مختلفة، كما حضر روبرتو فيرمينو ليضيف لمسة هجومية ذات طابع عالمي.


لكن الأموال وحدها لم تكن كافية لصناعة التحول، العنصر الأهم كان في نجاح الأهلي في خلق حالة استقرار فني حول المدرب الألماني الشاب ماتياس يايسله، الذي بدا منذ البداية مدركًا أنه لا يقود مجموعة نجوم فقط، بل يقود ناديًا خرج لتوه من جرح نفسي عميق ويحتاج إلى هوية جديدة تعيد إليه الثقة.

شيئًا فشيئًا، بدأ الفريق يكتسب شخصية مختلفة، انضباط أكبر، قدرة أعلى على التحكم في الإيقاع، وهدوء واضح في المباريات الكبيرة.

اللقب الأول.. ثم تأكيد الهيمنة

في أيار / مايو 2025، حقق الأهلي أول انفجار حقيقي في مشروعه الجديد، حين توج بلقب دوري أبطال آسيا للنخبة للمرة الأولى في تاريخه بعد الفوز على كاواساكي فرونتال الياباني في النهائي الذي أقيم أيضًا في جدة، ليعلن رسميًا أنه لم يعد مجرد فريق عاد من الدرجة الأولى، بل بات قوة قارية صاعدة.

لكن الإنجاز الأهم ربما لم يكن اللقب الأول نفسه، بل ما تلاه، فكثير من الفرق تصل إلى القمة مرة ثم تتراجع، أما الأهلي فاختار أن يحول لحظة التتويج إلى بداية عهد جديد.

الفريق حافظ على قوامه الأساسي، واحتفظ بجهازه الفني، وتعامل مع البطولة التالية بذهنية مختلفة، ذهنية من لا يريد أن يكون بطل صدفة.

ولهذا، حين وصل إلى نهائي نسخة 2026 أمام ماتشيدا زيلفيا الياباني، كان يدرك أن الفوز لن يمنحه بطولة جديدة فقط، بل سيمنحه شرعية الزعامة.


ليلة الصمود بعشرة لاعبين


النهائي لم يكن سهلا، فالفريق الياباني أغلق المساحات جيدًا، والأهلي وجد نفسه في اختبار عصبي مع مرور الدقائق، قبل أن تتعقد الأمور أكثر بطرد زكريا هوساوي في الدقيقة 68.

في تلك اللحظة، خيم القلق على مدرجات جدة التي ضمت نحو 59 ألف متفرج، لكن ما حدث بعد ذلك كشف بوضوح أن الأهلي الحالي ليس ذلك الفريق الهش الذي سقط قبل سنوات.

بعشرة لاعبين، لم ينكمش الفريق تمامًا، ولم يفقد اتزانه، بل لعب بأعصاب باردة، وانتظر لحظة واحدة فقط.

وجاءت تلك اللحظة في الدقيقة 96، حين ارتقى فرانك كيسييه للكرة وصنعها من عرضية رياض محرز، لتصل إلى فراس البريكان الذي أطلق المدرجات إلى هستيريا خضراء بهدف منح النادي اللقب الثاني تواليًا.