شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق تصعيدا لافتا، وذلك بعد استدعاء وزارة الخارجية الأمريكية السفير
العراقي في
واشنطن، على خلفية هجمات تستهدف منشآت ودبلوماسيين أمريكيين في الأراضي العراقية، إضافة إلى تخصيصها مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عن المهاجمين.
وفي تطور هو الأول، استدعت الخارجية الأمريكية، الخميس، السفير العراقي لدى واشنطن، نزار خير الله، فيما أعرب نائب وزير خارجية الولايات المتحدة، كريستوفر لاندو، عن "إدانة شديدة" لما وصفها بالهجمات الإرهابية التي تنفذها جماعات مدعومة من إيران.
وأشار لاندو إلى "فشل الحكومة العراقية في منع وقوع هذه الهجمات"، لافتا إلى أن "بعض الجهات المرتبطة بالحكومة ما زالت توفر غطاء سياسيا وماليا وعملياتيا لتلك الجماعات"، في إشارة تعكس تصاعد القلق الأمريكي من تداخل النفوذ المسلح مع مؤسسات الدولة.
وفي الأسبوع الماضي، دعت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد العراقيين إلى "تقديم معلومات عن المليشيات الإرهابية المتحالفة مع إيران أو عن الأفراد المسؤولين عن هذه الهجمات"، مشيرة إلى أن "هناك مكافأة 3 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات".
"دور متفاقم"
وفي ظل هذه التطورات، قال المحلل السياسي والدبلوماسي العراقي السابق فيصل غازي السكوتي، إن "الإدارة الأمريكية تطالب الحكومة العراقية بتفكيك هذه الفصائل ومنذ سنوات من خلال مراسلات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي اعتبر الفصائل تنظيمات إرهابية ويجب حصر السلاح بيد الدولة".
وأضاف السكوتي لـ"عربي21" أن "دور هذه الفصائل تفاقم اليوم، وأن استهدافها للحقول النفطية والبعثات والسفارات ومطار بغداد، هي عمليات خطيرة تظهر الفصائل بأنها أقوى من الدولة وتمتلك قرار السلم والحرب".
ولفت الدبلوماسي العراقي السابق إلى أن "هذه الهجمات التي تنفذها الفصائل تحرج الحكومة العراقية، وتجعل واشنطن تعتقد أن العديد من الجماعات تحت رعاية الأحزاب الموجودة في الإطار التنسيقي وتتخفى تحت ظلها".
وأكد السكوتي أن "واشنطن تذهب إلى تأكيد أهمية تفكيك هذه المجاميع؛ لأنها تهدّد العلاقات العراقية الأمريكية، وهي جزء من الدعم اللوجستي والعسكري للحرب التي اندلعت في ٧ أكتوبر ولغاية الآن".
ورأى الدبلوماسي السابق أن "
استدعاء السفير العراقي في واشنطن من الخارجية الأمريكية ليس تصورا جديدا، بل نفس التصور الأمريكي بمواجهة الفصائل المسلحة المتحالفة مع الحرس الثوري الإيراني والمشاركة في الحرب الإيرانية – الأمريكية والعمليات العسكرية على الجولان ومناطق عديدة في شمال شرق سوريا".
وتابع: "كذلك تعتقد واشنطن أن هذه الفصائل تشارك وتنسيق مع الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، ولديهم تدريب مشترك وتزويد الأسلحة. فضلا عن قيامها بقصف مناطق حيوية وإستراتيجية في إقليم كردستان وقصف جهاز المخابرات العراقي والمصالح الأمريكية في الخليج والأردن".
وبحسب تدوينة نشرها الإعلامي العراقي القريب من قوى الإطار التنسيقي الشيعي، سامر جواد، على "أكس" فإن "استدعاء السفير العراقي في واشنطن كان بسبب تعرض رتل تابع لبعثة الولايات المتحدة المؤمن من جهاز مكافحة الإرهاب في منطقة الرطبة إلى كمين، إلا أن طرف تدخل بالوقت الضائع ومنع إتمام العملية دون مواجهات".
ضغط محسوب
وفي السياق، قال أحمد العلواني المحلل السياسي العراقي، المقيم في برلين، لـ"عربي21"، إن التصعيد الدبلوماسي الأمريكي يشير إلى أن واشنطن باتت في الحكومة العراقية أنها إما غير قادرة على ضبط الفصائل المسلحة، أو غير راغبة في مواجهتها".
ولفت إلى أن "هذه الجهات التي تهدد المصالح الأمريكية، تعتقد واشنطن أنها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر ببنية النظام السياسي العراقي، لكن رغم ذلك فإن التصعيد الأمريكي لا يعني هذا انهيار الثقة بالكامل، بل يُعد أقرب إلى ضغط محسوب لدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة".
ولم يستبعد العلواني أن تتحول الضغوط الأمريكية إلى خطوات ميدانية، وأنه يبقى احتمالات قائما لكنه مشروط. فقد سبق للولايات المتحدة أن نفذت ضربات محدودة داخل العراق وسوريا ردا على هجمات مماثلة، خصوصا عبر وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)".
وتابع: "إذا استمرت الفصائل في تنفيذ الهجمات، أو توسعت لتشمل المصالح الأمريكية (وربما الإسرائيلية)، فقد نشهد توسيع نطاق الضربات لتشمل مواقع أكثر أهمية، وربما شخصيات قيادية ذات ثقل داخل هذه الفصائل".
ورأى العلواني أن "التوسع الكبير في العمليات يبقى مستبعدا حاليا، إذ تحاول واشنطن تجنب أي تصعيد واسع قد يحرج الحكومة العراقية أو يفتح جبهة جديدة، خاصة في ظل انشغالها بملفات أخرى، من بينها التفاوض مع إيران، وأن الأخيرة قد طلبت من حلفائها في العراق ولبنان بالتهدئة وفقا لبعض التقديرات".
وتوقع أن "تؤدي الهجمات إلى إعادة تقييم الوجود الأمريكي، فهدا أحد أهم السيناريوهات، لأن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري في العراق أساسا ضمن إطار محاربة تنظيم الدولة، وقد يدفع تكرار الهجمات إلى إعادة تموضع القوات، وأن الانسحاب الكامل يظل غير مرجح حاليا".
ورأى العلوان أن "الإعلان عن مكافآت عادة عبر برامج، وهذا له تأثير مزدوج؛ إذ قد يسهم فعليا في جمع معلومات استخباراتية، خاصة في البيئات التي تشهد تنافسًا بين الفصائل. وفي المقابل، قد تكون فعاليته محدودة إذا كانت الجماعات المنفذة تتمتع بانضباط أمني عالٍ، أو إذا كانت عملياتها وتنظيماتها تعمل بسرية تامة".
وأشار الباحث العراقي إلى أن هذه الخطوة تعكس توجها نحو استخدام أدوات "الاستخبارات الناعمة" إلى جانب الضغط السياسي.
أما عن استدعاء واشنطن السفير العراقي ومدى تأثيره على العلاقات بين البلدين، فقد أكد العلواني أنه "مؤشر على توتر دبلوماسي أكبر، لكنه لا يعني بالضرورة الوصول إلى قطيعة، وأنه يُعد رسالة قوية، لكنه يظل ضمن الأطر الدبلوماسية التقليدية".
وخلص إلى أنه "إذا تكررت هذه الخطوات، أو رافقها تخفيض في مستوى التمثيل الدبلوماسي، أو تصاعد في حدة التصريحات، فقد يشير ذلك إلى دخول العلاقات في مرحلة أكثر توترا، والتي يبدو أنها وصلت خلال الفترة الأخيرة إلى مرحلة التذبذب وعدم الاستقرار".