بعد حرب إيران.. الاحتلال يطرح "مدريد جديد" لإعادة رسم المنطقة

المؤتمر بمثابة البذور التي زرعت لاتفاقيات أوسلو - جيتي
مع تزايد الحديث الأمريكي عن قرب نهاية الحرب الجارية على إيران، تحدثت بعض الأوساط الاسرائيلية أن نهايتها المنشودة في غزة وإيران ولبنان قد تتمثل بتسوية سياسية على مستوى المنطقة، انطلاقا من القناعة الاسرائيلية بأن حلول المشاكل ستُحقق عبر طاولة المفاوضات، لا في جولات قتال لا تنتهي.

وذكر الدبلوماسي المخضرم، والرئيس التنفيذي لمنظمة "جيه ستريت إسرائيل"، نداف تامير، أنه "بعد أشهر قليلة من انتهاء حرب الخليج الثانية، وبمبادرة من وزير الخارجية جيمس بيكر، وبرعاية مشتركة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، ورئيس الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، انعقد مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، بمشاركة إسرائيل، بجانب ممثلين فلسطينيين ضمن الوفد الأردني، وسوريا والأردن ولبنان ومصر".

وأضاف في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "هذا المؤتمر، الذي مثّل المحاولة الأولى لإقامة حوار مباشر بين إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية، انعقد في ظل واقع العنف في إسرائيل، والحرب المستمرة في لبنان، بفضل القيادة الأمريكية التي أدركت أهمية الحوار السياسي، رغم أنها نظرت أيضاً للصعوبات بشكل مباشر، وبالفعل، بدأ المؤتمر في الواقع، وببطء، وشهد اشتباكات دفعت رئيس الوزراء إسحاق شامير للانسحاب منه، وإفساح المجال لنائب وزير الخارجية آنذاك بنيامين نتنياهو".

وأوضح أنه "في ضوء التاريخ، كانت مناقشات المؤتمر بمثابة البذور التي زُرعت لاتفاقيات أوسلو، والسلام مع الأردن، وفي نهاية المطاف اتفاقيات التطبيع، وقد استغل الرئيس بوش الأب، الذي حققت إدارته نجاحًا كبيرًا في السياسة الخارجية، التحول الدولي الجذري الذي أحدثه سقوط الاتحاد السوفيتي، واللحظة التي كانت فيها الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي على الساحة الدولية، لحظة القطبية الأحادية، فضلًا عن نجاح التحالف الدولي في حرب الخليج الأولى، التي كانت أهدافها قابلة للتحقيق".

وأشار أنه "كان من المفترض أن يتضمن المؤتمر مسارات ثنائية بجانب مسار متعدد الأطراف، مع إدراك ضرورة الجمع بين المسارين الثنائي والإقليمي، لكن لسوء الحظ، غابت هذه الرؤية، وكانت غائبة بشدة في الاجتماعات التي عُقدت في أوسلو وكامب ديفيد وأنابوليس، ومنذ ذلك الحين، انغمس الإسرائيليون في واقع ترى فيه القيادة الإسرائيلية أن الحرب هي الحل الوحيد لكل مشكلة، وهو "حل" أصبح الروتين اليومي في السنوات الثلاث الماضية، فالعالم بأسره يفتقر للقيادة التي سادت آنذاك".

وأكد أن "وزير الخارجية الحالي ماركو روبيو لا يُقارن بجيمس بيكر، ناهيك عن قادة إسرائيل وروسيا، دعاة الحرب، الذين حوّلوا "علم الحرب" إلى فن، حتى ترامب، الذي كان خطابه "صانع الصفقات"، تخلى عن طاولة المفاوضات، وانجرّ إلى حرب لن تكون نهايتها عادلة، لكن مؤتمر مدريد لا يزال بحاجة لأن يكون مثالاً يُحتذى به للنهاية المرجوة للحروب في غزة وإيران ولبنان، ويمكن أن يكون كذلك، ويكمن جوهر الأمر في إدراك أن حلول المشاكل ستُحقق عبر طاولة المفاوضات، لا في جولات قتال لا تنتهي".

وأضاف أن "مؤتمر مدريد يمثل فكرة أن النصر الحقيقي على القوى المعادية، بقيادة إيران وبقية الجهاديين في المنطقة، يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف الإقليمية لتقديم رد مشترك قائم على السلام السياسي والاقتصادي بين إسرائيل وجيرانها، ولن يتحقق هذا السلام دون اعترافها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة. هذا هو لبّ الصراع، وتجاهله، كما دأبت إسرائيل على فعله لعقود، يُؤجج صراعاتها، ويُعمّق عدم شرعيتها المتزايدة بين دول العالم، ويُضعفها داخليًا ودوليًا".

وأشار أنه "في مواجهة الحرب المستعرة، تبرز القضية الفلسطينية ونهج حكومة نتنياهو، التي لا تنكر حق الفلسطينيين في تقرير المصير فحسب، بل تبذل قصارى جهدها لترسيخ وقائع على الأرض، لتقويض فرصة إقامة دولة فلسطينية، لأن غياب أي تقدم على المسار الفلسطيني، وتفاقم الوضع إلى حد كبير، يحول دون أي تحرك دبلوماسي مع إسرائيل، التي لا تزال بقيادة نتنياهو غير مستعدة لأي حل وسط".

وتوقع أنه "بمجرد انتهاء الحرب في إيران، فإن الخطوة الأكثر ضرورة وإلحاحًا ليست ترك فراغ سياسي، بل وضع إطار عمل عاجل لمحادثات سلام إقليمية تشمل إسرائيل والفلسطينيين ولبنان وجميع الدول العربية، تمهيدًا لعقد "مؤتمر مدريد المُحدَّث"، وقد يكون هذه المرة في الرياض، وسيضمن انعقاده التزامها، التي تتمتع بنفوذ على جميع الأطراف المعنية، وقد كانت وراء مبادرة السلام العربية عام 2002، ومن خلال هذه المبادرة، سيتمكن ترامب من تصحيح الإخفاق المتزايد في الحرب مع إيران، وتحويله لنجاح دبلوماسي".

ودعا إلى "منح ترامب فرصة البناء على نجاحه بوقف الحرب في غزة، لإنجاز اتفاق مع الدول الـ23، ويتضمن خطة لدولة فلسطينية منزوعة السلاح، وترتيبات سياسية بين إسرائيل ولبنان وسوريا، وبذلك يتمكن من تنفيذ وعده الانتخابي، وتحقيق أفق يُفضي في نهاية المطاف إلى سلام وأمن حقيقيين، مما يتطلب تغيير المسار الحالي الذي يقودنا إليه نتنياهو برؤيته المروّعة لإسرائيل التي تنطوي على إراقة دماء لا تنتهي، لأنه يملك القدرة على إعادتها من طريق الحرب الدائمة إلى الاتفاقيات السياسية، بفضل تأثيره الكبير على اليمين الإسرائيلي".