بعد أيام من قرار
حكومي برفع
أسعار السولار والبنزين والغاز بمعدل كبير يعد من بين الأشد قسوة على
المصريين في السنوات الماضية؛ حدثت اضطرابات واسعة في السوق المحلي، وارتفعت أسعار
جميع السلع والخدمات المرتبطة بالوقود نتيجة للتأثر بتلك الزيادة التي جاءت كإحدى
تبعات عدوان الاحتلال وأمريكا على إيران.
واستيقظ المصريون قبيل
عيد الفطر بنحو 10 أيام، على ارتفاع في سعر
الوقود الثالث خلال آخر 12 شهرا شمل
السولار بنسبة 17.4، والبنزين بجميع أنواعه بنسبة 14.29 و15.58، و16.90 بالمئة،
وبقيمة 3 جنيهات دفعة واحدة لكل نوع، مع رفع سعر غاز السيارات 30 بالمئة، والغاز
المنزلي بقيمة 50 و100 جنيه بحسب نوع الاسطوانة.
ومن 21 جنيها في آخر
زيادة بالوقود في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وصل سعر "بنزين 95" إلى 24
جنيها للتر، و"بنزين 92" إلى 22.25 جنيه، و"بنزين 80" إلى
20.75 جنيه للتر، كما سجل سعر السولار 20.50 جنيها للتر، في حين قفز سعر غاز
السيارات إلى 13 جنيها للمتر المكعب، مع رفع سعر اسطوانة الغاز المنزلي من 225 إلى
275 جنيه.
صدمة للسوق وللمصريين
وقال محمود سائق
عشريني، يقود سيارة نقل في محافظة الشرقية: "انفرط عقد كل شيء، فارتفاع سعر
السولار يعني ارتفاع سعر أجرة كل شيء"، مضيفا لـ"عربي21":
"اقترب موعد الإفطار ولا أريد العودة للبيت لأن المتطلبات لا حدود لها قبل العيد،
ومع زيادة الأسعار لن أستطيع تلبية مطالب أسرتي، بداية من ملابس العيد وصناعة الكعك
والعيديات، وحتى كيسي خبز الإفطار والسحور 10 أرغفة بـ40 جنيها ارتفع سعرهما وقل
وزنهما".
وعلى الرغم من تأكيد
الحكومة المصرية متمثلة في رئيس الوزراء ووزير التموين على إبقاء الحكومة على سعر
رغيف الخبز المدعم 5 أرغفة للفرد على بطاقات التموين 20 قرشا للرغيف، كما هو دون
زيادة؛ ارتفعت أسعار الخبز السياحي غير المدعم بنسبة 25 بالمئة من سعره القديم.
الأمر مثل صدمة لملايين
المصريين، وكشف عن "أكذوبة" منظومة الخبز التي تعتبرها الحكومة إحدى
منجزاتها بالسنوات الماضية، بحسب رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
ومنذ الثلاثاء الماضي،
قلل بعض أصحاب المخابز السياحية وزن وحجم رغيف الخبز، وهو ما تأكدت منه
"عربي21"، حتى أعلنت وزارة التموين، الجمعة، رفع أسعار الخبز السياحي
وأوزانه، ليزيد من أعباء المصريين مع نهاية شهر رمضان، ومع توجه أغلب المصريين
لشراء كعك العيد، أو لصناعته في المناطق الشعبية والدلتا وصعيد مصر، كما هي العادة
السنوية منذ العصور الوسطى.
وتم تحديد سعر الرغيف
وزن (80 جراما) بـ2 جنيه، و(وزن 60 جراما) 1.5 جنيه، و(وزن 40 جراما) واحد جنيه،
وسعر الرغيف الخبز الفينو (وزن 50 جراما) 2 جنيه، ووزن (40 جراما) 1.5 جنيه، و(وزن
30 جرام) واحد جنيه.
اضطرار الخبز السياحي
في ذات السياق، هناك
نسبة كبيرة من المدرجة أسماؤهم في منظومة دعم الخبز يرفضون الحصول عليه ويستبدلونه
بسلع تموينية أخرى، ما يُعرف بـ"فارق نقاط الخبز"، وذلك نظرا إلى رداءة
رغيف العيش المخبوز في المخابز التابعة لمنظومة الدعم، وذلك في ظل غياب تام
للرقابة الحكومية، ومع انتشار الرشوة والفساد داخل الإدارات المحلية، وفق حديث مواطنين
مصريين لـ"عربي21".
وأكدوا أنهم "في
الأيام العادية يذهبون بعد صلاة الفجر لحجز أدوارهم أمام المخابز، ويشاهدون أجولة
الدقيق المدعمة وهي تخرج من المخابز، لأصحاب مخابز سياحية، أو لأصحاب محلات تجزئة،
حيث يقوم بعض أصحاب المخابز ببيع الدقيق المدعم بسعر أقل من السوق ويحققون مكاسب
كبيرة من البيع، ومن تقليل وزن الرغيف".
واشتكوا من "صغر
حجم الرغيف المدعم، ورداءته وعدم صلاحيته في كثير من الأحيان للاستهلاك الآدمي،
فيضطرون لشراء الخبز السياحي وتجفيف الخبز المدعم وبيعه لأصحاب المزارع واستخدامه
في تربية الدواجن وطيور المنزل".
وأوضحوا أنهم "لا
يستطيعون الشكوى، ومن يشكو لا يحصل على الخبز ويتم معاملته معاملة سيئة، ورد
البطاقة التموينية له وعدم صرف حصته، وهو ما يعني في النهاية اضطرار نسبة كبيرة من
المصريين لعدم استخدام الخبز المدعم الرديء وشراء الخبز السياحي بأسعاره
الجديدة"، وفق رؤيتهم.
ولفتوا إلى أن
"أكثر من نصف المصريين يعانون من ضغوط سعرية كبيرة في شراء رغيف الخبز بعد
الزيادة الأخيرة، إلى جانب نحو 10 ملايين ضيف أجنبي كما تؤكد الدولة المصريين من
السودانيين والسوريين وغيرهم من الجنسيات العربية".
مطالب إصلاح المنظومة
وفي إجابته على
السؤال: "كيف يكشف رفع سعر الوقود الأخير عن فشل "منظومة الخبز
المدعم"، وعن عدم وصولها بالكفاءة اللازمة لمستحقيها، وعن إسقاط الحكومة نحو
نصف الشعب من حساباتها في ملف الخبز، تحدث الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي
عبدالمطلب، لـ"عربي21"، وقال إن "مشكلة المنظومة التموينية
أنها لا يمكن أن تغطي احتياجات الجزء الأكبر من المصريين"، مضيفا: "هناك
تقارير تقول إن أكثر من 70 بالمئة من المصريين يحصلون على الدعم (الخبز - السلع
الغذائية)؛ لكن صرف الخبز مثلا يتم طبقا لليوم ولا يستطيع المواطن الحصول على حصته
باليوم التالي لو فاتته لظروف ما، فيما ترتبط منظومة السلع بالشهر".
وكيل وزارة الصناعة
والتجارة سابقا، أوضح أنه "في أكثر من مرة كخبراء طالبنا بأن يكون هناك إصلاح
كامل لهذه المنظومة؛ بحيث يتم اختيار من يستحقون الدعم بعناية، والأفضل أن يتم
تحويل هذا الدعم العيني الحادث حاليا إلى الدعم النقدي".
وأعرب عن اعتقاده أن
"هذا التحول سوف يقضي على الكثير من المشاكل التي تعترض سبل هذه
المنظومة"، متحدثا هنا عن "جزء من الفساد، وعدم إيصال جزء من السلع
بالجودة المطلوبة إلى مستحقيها، وكذلك مشاكل كبيرة في منظومة الخبز".
زيادة الأجور
وفي ذات السياق، أعلنت
السلطات المصرية نيتها رفع الحد الأدنى للأجور من7 إلى 8 آلاف جنيه في تحرك حكومي
يأتي بعد زيادة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 بالمئة، ما أثر سريعا على
الأسواق وأوضاع نحو 109 ملايين نسمة يعيشون في الداخل، وسط توقعات بتفاقم معدلات
التضخم التي ارتفعت إلى 13.4 بالمئة في شباط/فبراير مقارنة بـ11.9 بالمئة في كانون
الثاني/يناير.
وتؤكد السيدة ألفت، موظفة
في الجهاز الإداري أن "ذلك الإعلان يمثل خدعة حكومية للمصريين"، مشيرة
إلى أن "المستفيدون من تلك الزيادة فقط هم العاملين بالجهاز الإداري
للدولة"، مضيفة: "أنا موظفة وزوجي غير موظف وابني وابنتي غير
موظفين"، متسائلة: "بماذا تعود علينا أي زيادة؟".
وتواصل حديثها
لـ"عربي21": "مهما كان حجم الزيادة فلن تغطي ارتفاع سعر بند واحد
من رفع أسعار الوقود، وهو اسطوانة الغاز"، مبينة أن "سعرها وصال للمنزل
كان 260 جنيه، والآن 320 جنيه، ما يعني زيادة 180 جنيه شهريا على ثمن 3 اسطوانات
هي معدل الاستهلاك الشهري لأسرة من 4 أفراد".
وتابعت: أسافر يوميا
مسافة 20 كيلومتر، وأركب 3 مواصلات معدل الزيادة في كل واحدة منها بين 2 و3
جنيهات، ما يرفع تكلفة ذهابي وعودتي من العمل لحوالي 20 جنيه يوميا، ما يكلفني
شهريا نحو 600 جنيه، إلى جانب التكلفة السابقة".
عدد قليل مستفيد
وفي ظل توجه رئيس
النظام الحالي عبدالفتاح السيسي، فقد تم تقليص عدد العاملين بالجهاز الحكومي
للدولة المصرية من 5.75 ملايين موظف في حزيران/يونيو 2014 إلى حوالي 4.43 ملايين
بالعام المالي (2023/ 2024)، وهو الرقم الذي يتراجع بشكل مطرد خاصة مع خروج عدد
كبير من الخدمة وعدم وجود بند تعيينات بالموازنة العامة للبلاد.
وفي سياق تطبيق (رؤية
مصر 2030)، يسعى رأس النظام لتقليل عدد العاملين في الحكومة إلى 3.8 ملايين موظف
بحلول عام 2030، فيما جعل مشروع موازنة العام المالي (2025/ 2026) التعيينات
الحكومية لحالات الضرورة، وبموافقة رئيس الوزراء.
وفي ذات الإطار، انخفض
عدد العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام بنسبة 6.5 بالمئة، ليصل 620 ألف
عامل خلال 2024، مقارنة بـ663.3 ألفا في 2023، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة
والإحصاء، وهو الرقم الذي يسير إلى تراجع أكثر مع إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام
الشهر الماضي، وتصفية وإلغاء ودمج 20 هيئة اقتصادية.
وخلال سنوات حكم
السيسي، انخفضت نسبة باب الأجور من إجمالي استخدامات الموازنة العامة بنحو النصف،
حيث تراجع باب الأجور وتعويضات العاملين من 20.2 بالمئة من إجمالي استخدامات
الموازنة العامة عام (2014/2015)، التي وصلت 983.6 مليار جنيه، إلى 11 بالمئة في
موازنة العام الجاري (2025/2026)، المقدرة بحوالي 6.17 تريليون جنيه، وذلك برغم
رفع الحد الأدنى للأجور من 1200 إلى 7 آلاف جنيه.
معضلة القطاع الخاص
وفي ذات السياق، يشكو
مصريون يعملون في القطاع الخاص من عدم تطبيق الزيادة السنوية في الأجور، ولا الحد
الأدنى للأجور، رغم رفعه في آذار/مارس 2024، إلى 6 آلاف جنيه، وفي تموز/يوليو
2025، إلى 7 آلاف جنيه.
وأوضحوا
لـ"عربي21"، أن "القطاع الخاص لم يطبق تلك الزيادات السابقة للحد
الأدنى للأجور التي لازالت في معدل بين 5 و6 آلاف جنيه، بينما الحكومة لا تلزم
القطاع الخاص بتنفيذ قرارات رفع الحد الأدنى ولا حتى زيادة الأجر سنويا".
وذهبوا للقول:
"هناك نحو 105 ملايين مصري غير مستفيدين من أية زيادة في الرواتب والأجور
ورفع الحد الأدنى"، مؤكدين أنه "بمجرد الإعلان عن رفع الحد الأدنى
للأجور أو زيادة في الرواتب الحكومية والمعاشات يقابلها على الفور زيادة في أسعار
السلع والخدمات، ما يجعلها بلا قيمة بل وتزيد من الضغوط والأعباء على 109 ملايين
مصري".
وعن عجز حوافز زيادة
الأجور والحد الأدنى لها وللمعاشات في حل أزمات المصريين بل ومفاقمتها، أعرب
الخبير المصري عبدالمطلب، عن أسفه من أنه "ما يمكن أن يكون مقبولا كحل في هذه
اللحظة قد لا يكون مقبولا بعده بلحظات"، موضحا أن "مشكلة مصر أنه لا
يوجد استقرار في أسعار الصرف ولا أسعار السلع ولا معدلات التضخم ولا حتى معدلات
الفائدة؛ ما يعني أن المؤشرات أغلبها غير مستقرة".
ويرى المسؤول المصري
السابق، أنه ولذلك "من الصعب أن يكون هناك قرار مالي أو نقدي يمكن أن يحقق
الاستقرار للمواطن"، مطالبا بمجموعة أولويات مثل "إصلاح المنظومة
الاقتصادية، وكذلك منظومات: الإنتاج، والضرائب، والتصدير، والموازنة العامة، قبل
أن نتساءل: هل الحد الأدنى للأجور والمعاشات يمكن أن يحقق حياة كريمة أم
لا؟".