مع مرور 32 عاما على
المجزرة التي ارتكبها مستوطن إسرائيلي في المسجد
الإبراهيمي خلال شهر رمضان عام 1994، لا تزال أصداء الحدث تتردد في أرجاء مدينة
الخليل بالضفة الغربية المحتلة، وسط تفاقم القيود الإسرائيلية وتراجع القدرة على ممارسة الشعائر الإسلامية بحرية.
في ليلة 25 شباط/فبراير 1994، اقتحم مستوطن إسرائيلي من مستوطنة كريات أربع المسجد الإبراهيمي أثناء صلاة الفجر، وفتح النار على نحو 800 مصل فلسطيني، ما أسفر عن استشهاد 29 شخصا وإصابة أكثر من 125 آخرين.
كانت تلك المجزرة نقطة تحول مأساوية، ليس فقط للمصلين، بل أيضا للطابع الإسلامي للمسجد، إذ أغلق لمدة تسعة أشهر، وتوقفت فيه كل الصلوات، حتى أعيد فتحه لاحقا وفق تقسيم أثر على حرية العبادة للمسلمين.
وقال حسني الرجبي، 74 عاما، أحد الناجين من المجزرة، موقع "
ميدل إيست اي"٬ وهو يستند إلى عصا خشبية، إن أجواء صلاة التراويح هذا العام مثقلة بالقلق على مصير المسجد والخليل وفلسطين.
وأضاف: "الأزمة هذه المرة أشد من ما شعرنا به بعد المجزرة. الكثير من المصلين لا يستطيع الوصول إلى المسجد بسبب القيود الإسرائيلية والمضايقات".
وأشار الرجبي إلى منع إدخال المستلزمات الأساسية لشهر رمضان مثل الماء والتمر، ومنع استخدام المكانس الكهربائية، وحرمان بعض الأئمة من الوصول إلى المسجد.
منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967، شهد المسجد الإبراهيمي تغييرات متلاحقة، منها إنشاء كنيس يهودي داخل المجمع، وتوسع مستوطنة كريات أربع على أراض فلسطينية، ما زاد من الوجود العسكري والعنف الاستيطاني وعمليات الاقتحام المتكررة.
وأكد مدير المسجد، الشيخ معتز أبو سنينة، للموقع٬ أن المجزرة أعادت تشكيل المسجد إلى مساحة مقسمة بين المسلمين واليهود، حيث تم تخصيص ثلث مساحة الصلاة للمسلمين، بينما نال اليهود نصيبهم خلال عشرة أيام من الأعياد اليهودية.
وأضاف: "هناك باب معدني يفصل المصلين عن المستوطنين، وفي بعض الأحيان تقام احتفالات صاخبة وصلوات تلمودية بجانب الصلاة الإسلامية".
وعلى المستوى الإداري، قسمت الخليل بموجب بروتوكول الخليل عام 1997 إلى منطقتين: H1 تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وH2 تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، حيث يقطن حوالي 40 ألف فلسطيني و700 مستوطن، وتشمل المنطقة القديمة والمسجد الإبراهيمي.
وتفرض القيود على الحركة أكثر من 100 حاجز فعلي، بما في ذلك 20 نقطة تفتيش دائمة، ويُحمي المستوطنين نحو 2000 جندي.
وأشار أبو سنينة إلى تصاعد محاولات السيطرة على المسجد منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 والعمليات الإسرائيلية في غزة، موضحًا أن القيود شملت حظر الأذان في بعض الأوقات، ومنع بعض الموظفين من أداء مهامهم، ووضع أقفال على غرف وأبواب، وحتى السماح للمستوطنين بحمل الأسلحة داخل المسجد. وقال: "كل هذه الإجراءات جزء من محاولة منهجية لإزالة إدارة المسجد وتجريده من سلطته الدينية".
وفي 8 شباط/فبراير 2026، أعلنت سلطات الاحتلال تغييرات واسعة في إدارة الضفة الغربية، بما في ذلك نقل صلاحيات البناء والتراخيص من السلطة الفلسطينية إلى الجيش الإسرائيلي، ما اعتبره الفلسطينيون خطوة نحو ضم فعلي للمدينة وتهديد مباشر للطابع الإسلامي للمسجد الإبراهيمي. وأوضح أبو سنينة أن الفلسطينيين قدموا اعتراضات قانونية أمام المحاكم الإسرائيلية، لكن "الاحتلال يتسابق مع الزمن لفرض واقع جديد على الأرض".
ويؤكد الشيخ أبو سنينة تمسك الفلسطينيين بحقهم في المسجد ورفض أي تغيير في خصائصه الدينية أو التاريخية، مضيفا: "لا قوة لنا إلا بالله، ونحن ثابتون في المسجد رغم كل الإجراءات والانتهاكات".
وتعكس ممارسات الاحتلال استمرار معاناة الفلسطينيين في الوصول إلى المسجد الإبراهيمي وتأدية شعائرهم الدينية، وسط تصاعد محاولات الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على الموقع وتغيير طابعه الإسلامي والتاريخي، بعد أكثر من ثلاثة عقود على المجزرة التي هزّت الضمير الإنساني في العالم.